بسم الله الرحمن الرحيم
يجب ملاحظة ما يلي والعمل به:
1- الاتصال الحي: أن الحزب في دور التفاعل قد نجح في ضرب العلاقات، وفي القيام بالكشف والتبني كلما حدث، ولكنه كان يعتمد على المنشورات بالدرجة الأولى، وقليلاً ما يكون الاتصال الحي بواسطة الوفود وسيلة لضرب العلاقات أو الكشف، ولذلك كان لعمله دوي وأثر في تنمية شخصيته، ولكنه لم يوجِد تأثيراً حتى في الأمور المفروض أن يكون لها تأثير، فمثلاً في موضوع الثورة التي حصلت في شمال العراق قد كشف الحزب لأهل العراق ولحكام العراق تآمر السفارة الأردنية والسفارة البريطانية وتآمر الملك حسين مع وفد الكويت، ولكن هذا الكشف لم يكن له أي أثر لا عند الحكام الذين هم معنيون بالأمر، ولا عند الشعب، فوقعت الثورة وتبين أنها من صنع الإنجليز والملك حسين ولم يتخذ الحكام أية حيطة سابقة. وكذلك في موضوع الانقلاب في سورية، وفي مفاوضات النفط في العراق قد تبناها الحزب من حيث مراقبتها وضربها ولكن لم يكن له أي أثر، ومثل ذلك كثير. وهذا ناتج عن عدم القيام بأعمال سياسية مباشرة لها تأثير مباشر، ألا وهي الاتصال الحي بواسطة الوفود والزيارات الفردية والمناقشات التي توجِد رأياً بين الناس. وبناء عليه يجب أن يقلَّل من المنشورات تقليلاً كبيراً ويُعتمد على الاتصال الحي بحيث يصبح هو الطاغي على أعمال الحزب.
2- التركيز على أفكار العقيدة والخلافة والجهاد: إن غاية الحزب هي حمل الدعوة الإسلامية واستئناف الحياة الإسلامية. أما حمل الدعوة الإسلامية فهي دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وهذا يتطلب عرض الإسلام عليه أي عرض العقيدة الإسلامية، وأن تذكير المسلمين بالإسلام هو تذكيرهم بعقيدته وحملها أساساً للعيش وللدولة وللعلاقات ولكل شيء، وقد عُنيت كتب الحزب عناية فائقة بأفكار العقيدة، ومن هنا كان الأساس الذي يجب أن يسير عليه شباب الحزب في مناقشاتهم وتصرفاتهم هو العقيدة، وكانت أفكار العقيدة هي التي تُبدأ فيها المناقشات وتُجعل أساساً للمناقشة في سائر الأفكار والأحكام. وأما استئناف الحياة الإسلامية فإن معناه إقامة الخلافة، أي نصب خليفة للمسلمين.
وقد كان الحزب يستعمل تعبير الدولة الإسلامية، وتعبير الحكم بالإسلام، وكان القصد من ذلك التقريب للأفكار وإيجاد الجو الذي يدرِك فيه الناس من مسلمين وغير مسلمين معنى دعوة الحزب لإقامة الخلافة، من أنه ليس خليفة كخلفاء العثمانيين في أواخر أيامهم، بل إقامة نظام حكم إسلامي يُحكم فيه بما أنزل الله في الدولة كلها. ومنذ أكثر من سنة أخرج الحزب كتاب الخلافة، ليوجِد مناقشات في الخلافة وليبلور معنى إقامة الدولة الإسلامية وإيجاد الحكم بالإسلام بأنه إيجاد نظام الخلافة وإقامة خليفة. واليوم شعر الحزب بأن الحكام صاروا يدركون أن الحزب إنما يريد مزاحمتهم على الحكم، وصار الشباب يريدون تسلم الحزب للحكم، وهذا يعني أن سير الحزب قد جعله أمام وضع يتحتم فيه المزاحمة لأخذ الحكم، أي يرمز صراحة للحكام على أخذ الحكم، وبالطبع أخذ الحكم لا يكون إلا بعد وجود الرأي العام المنبثق عن الوعي العام. وأخذه يتم بقوة الحزب، وقوته إنما هي قوة شخصيته وتأثيرها في الأمة، وقوة أعضائه في تأثيرهم على الناس فيتم أخذ الحكم عن طريق الأمة. ولهذا كان لا بد من جلب الأمة وأخذها أولاً، والآن وقد صار أخذ الأمة يقتضي زيادة على إعطائها أفكار الإسلام وأحكامه، إفهامها الأساس الذي يزاحم الحزب الحكام لأخذ الحكم منهم بواسطتها، أي إفهامها أنه الإسلام، وإفهامها علاوة على ذلك أنه الخلافة، فصار لا بد من بلورة معنى الحكم بالإسلام ومعنى الدولة الإسلامية بأنها تعني الخلافة. ولذلك لا بد أن يجري زحام الحكام على أخذ الحكم ليكون الخلافة، وأن يجري تفهيم الناس أنه يجب عليهم أن يعملوا لإزالة حكم الكفر هذا وإيجاد الخلافة، ولذلك كان لا بد أن يجري النقاش بالخلافة وأن يجري حض الناس على إقامة الخلافة وإيجاد رأي عام لها وبها، وأن يجري ضرب أنظمة الحكم بنظام الخلافة. ولمّا كان إيجاد الخلافة لا يمكن أن يتم إلا بكفاح الأمة كاملة للكفار والمنافقين، وعند إيجادها كان لا بد أن تدخل في الجهاد ضد الكفار، لهذا كان لا بد من إيجاد مفهوم الجهاد عند الناس ليصبح لديهم مفهوماً. فكان لا بد من النقاش في أحكام الجهاد والأحاديث والآيات التي وردت بشأنه، فإنه يوجِد عند الأمة الكفاح العنيد ويوجِد عندها الاستعداد للجهاد. ومن أجل هذا كله لا بد من التركيز على هذه المواضيع الثلاثة: العقيدة، الخلافة، الجهاد. وأن تكون المواضيع التي تلقى أسبوعياً في الجلسة العامة أكثرها من المواضيع الثلاثة، حتى يكون النقاش أغلبه فيها ومركزاً عليها. ويحاوَل أن يُلفت نظر الشباب ونظر الناس إلى مواد الدستور في كل موضوع يجري النقاش به.
3- إعادة استعمالات الإسلام للجمل والكلمات إلى المجتمع: كان الحزب يستعمل كلمة الكافر المستعمِر لإفهام الناس أن النزاع بين المسلمين والدول الغربية ليس كونها دولاً استعمارية فقط، بل هو كونها دولاً كافرة، أي ليس هو الاستعمار وحده بل هو كونهم كفاراً، إلا أنه وَجد أن الكفر هو موضوع النزاع الرئيسي بين الكفار والمسلمين، والاستعمار ما هو إلا أمر ثانوي بالنسبة لموضوع النزاع الرئيسي، لذلك يجب أن يُقتصَر على محل النزاع الرئيسي بين المسلمين وبينهم وهو الكفر، ولهذا لا بد من حذف كلمة "المستعمِر" والاقتصار على كلمة "الكافر". على أن القرآن قد جعل الكفر، كفار، هي الكلمات التي يوصف بها غير المسلمين، فلا بد من استعمال كلم كفر وكفار عند الحديث عن كل شيء غير إسلامي، حكم كفر، ودار كفر، ودولة كافرة وكفار وكافر.. الخ، ثم إنه مما لا بد منه أثناء العمل لاستئناف الحياة الإسلامية أي لإقامة الخلافة أن نعيد إلى المجتمع استعمالات الإسلام للجمل والكلمات، وهذا لا يتأتى إلا إذا تقصّدنا الكلمات وتجنبنا غيرها، فنستعمل كلمة فاسق وفُسّاق لمن يرتكبون عدة محرّمات، ونتجنب استعمالها في من يراعي أحكام الإسلام الهامة، كتاجر يحافظ على الصلاة ولكنه يرتكب إثم الربا، فيقال له يرتكب الحرام ويصلي في المسجد. أما من هو معروف بالفسق، فيقال عنه إنه فاسق، وكذلك من يتظاهر بالإسلام أمام الناس ويتنكر له أمام الكفار، كالسياسيين مثلا تقال له منافق. وكذلك تُستعمل كلمات فرض، ومندوب، وحرام، ومكروه، ومباح، ولكن في موضعها، فلا يقال عن شيء مباح هذا لا يجوز لأن معناه أنه حرام. وكذلك تستعمل كلمات: الثواب، والجنة، والنار، والعذاب، والعقاب، والرحمة، والمغفرة، والذنب، والمعصية. وكذلك تستعمل الكلمات الدالة على الإحساس بخير المسلمين والعمل للمسلمين، ويشدَّد على المعنى الموجود في دعاء عمر في صلاة القنوت وهو قوله: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألِّف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبّتهم على ملّة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق واجعلنا منهم".
4-المزاحمة على الحكم: إن بروز مزاحمة الحزب للحكام لأخذ الحكم بروزاً لافتاً للنظر، لا بد أن تتمثل هذه المزاحمة بأعمال تدل عليها، ولذلك لا بد أن يوجد في تصرفات شباب الحزب ككل ما يدل على ذلك. فمثلاً يعتمد الحكام في الوصول إلى الحكم وفي تثبيت أنفسهم فيه على قوى من الشعب، فيعتمدون على العائلات أو يعتمدون على شباب أقوياء أو يعتمدون على الجيش أو يعتمدون على إيجاد شعبية لهم وهكذا.. فأخذ الحكم منهم يقضي بسلخ هذه القوى عنهم وتحويلها للحزب على أساس إقامة الخلافة، وضرب الحكم الفاسد. ومثلاً المستوزرون يسلكون أحد طريقين: إما التودد لمن يؤثرون في إيصالهم للوزارة، وإما مخاصمة الحكومة مباشرة وإيجاد صدام مباشر بينهم وبينها يراه الناس ويفهمون أن المراد من ذلك أن يصلوا إلى الحكم. أما الأسلوب الأول وهو التودد لمن يوصِلون إلى الحكم فلا يصح، لأن الوصول إلى الحكم الإسلامي أي إلى الخلافة لا يكون إلا عن طريق الأمة، فإن كان هناك تودد لمسلم تقي ممن يؤثرون في الحكم فإنه إنما يكون حسب الشرع. وأما الأسلوب الثاني فإنه أسلوب جيد ومؤثر. ومثلاً من يريد أن يصبح سياسياً ليصل إلى الحكم، يتبع أسلوب رعاية شؤون الناس الخاصة بهم ويجاهر بطلب قضاء مصالحهم ويخاصِم عليها ويستمر على ذلك حتى يرتفع عند الناس وعند الحاكم إلى مستوى السياسيين فيصير بعد ذلك يزاحم على الوزارة. وهكذا فالأمثلة على جعل التصرفات والأعمال تدل على المزاحمة على الحكم كثيرة. والحزب سار في بعضها مثل: تبني المصالح، وكشف الخطط، ولكن عليه أن يتبع أساليب أخرى سواء ككل أو كأفراد، فلا بد أن يتقصد الشباب مراكز القوة لتبليغهم الدعوة وحثهم على العمل لها وتحريكهم ضد الحكم الفاسد وضد الحكام، وكذلك لا بد من التصريح بأن هذا الحكم الفاسد لا بد من تغييره وإقامة الخلافة مكانه أو إقامة حكم الإسلام أو جعل الدولة دولة إسلامية أو ما شاكل ذلك مما يقتضيه أسلوب الحديث والدخول فيه، ويبلور الحديث بالخلافة. وكذلك لا بد من الجهر بأن الحزب يريد الحكم وإذا أخذه سيرعى الشؤون بالإسلام ولن يبقي العملاء والمنافقين، وقد تمرس بالسياسة وأدركها، ويضرب مثل تصرفات عبدالناصر تجاه الانقلاب في سورية وما قاله الحزب وكيف لو كان الحزب موجوداً في الحكم كيف يتصرف وما شاكل ذلك. وكذلك لا بد من بيان تفاهة السياسيين وكونهم صارت لهم هالة الحكام من الدعاية، وشباب الحزب إذا تسلموا الحكم سيكونون أكثر وعياً من هؤلاء، لأن الشخص بفكرته وسلوكه حسب مفاهيمه، فمفاهيم الحكم بالإسلام كافية لمن يعتنقها ويدركها أن يضطلع بأعباء الحكم ويقوم به خير قيام، ويُضرب المثل بالمسلمين مع الرسول صلى الله عليه وسلم كيف صاروا حين تسلموا الحكم من أعظم الحكام وساسوا الروم والفرس العريقين في الحكم. وهكذا لا بد أن يلاحَظ على تصرفات الشباب وأعمالهم المزاحمة على أخذ الحكم.
21 من شهر رجب 1381هـ 29/12/1961م