بسم الله الرحمن الرحيم
وجود الدولة الإسلامية يعتبر بمثابة الروح للجسم في قضية الإسلام
. أين وصل الحزب في السير في هذا الطريق؟
قضية الإسلام منذ نشأته حتى اليوم وإلى أن تقوم الساعة هي هي لم تتغير ولن تتغير، وهي نشر الإسلام بطريقة معينة محدودة هي الجهاد، وإجبار الناس بالقوة على التقيد بأحكامه. ولذلك كان دخول المسلمين في صراع مع الناس طبيعة من طبائع الإسلام، وبالتالي طبيعة من طبائع المسلمين. وكان وجود السلطان، أو على تعبيرهم، الدولة، بمثابة الروح للجسم في قضية الإسلام، فإنه بدون السلطان لا توجد هذه القضية ولا تحيا، وبدون السلطان لا يشرق نور الإسلام في الحياة ولا يكون للإسلام أي كيان.
والصراع الذي يدخل المسلمون حلبته مع الناس صراع فكري أداته المادة، سواء أكان ذلك في الجهاد أو كان في إخضاع الناس للأحكام، فهو في الجهاد يدعو الناس للإسلام بطريقة تلفت النظر قبل أن يبدأهم بالقتال، وفي إخضاع الناس للأحكام لا يوقِع العقوبة إلا على الفرض والحرام، ولا يوقعها إلا بعد إعلان الأحكام للناس وتعريفهم بها، وفي كلتا الحالتين يكون السلطان نفسه الذي يقود الأمّة للجهاد ويقيم حدود الله سلطاناً قائماً على الفكرة، ومسيَّراً بالفكرة، وسائراً هو والفكرة سير امتزاج لا يصح فيه التميز ولا الافتراق. ولذلك لم يكن من السهل الوقوف في وجه السلطان الإسلامي من قبل المصارعين له، لأن صراعهم مادي بحت وسلطانهم سلطان مادي، في حين أن صراعه صراع فكري أداته المادة، وسلطانه سلطان قائم على الفكر، وهذا هو السبب في أن المسلمين كانوا دائماً يكسبون الحروب ولو خسروا العديد من المعارك. ولعل هذا هو الذي يكشف السر في أن المسلمين أُمروا بالوقوف في وجه عشرة أضعاف قوتهم، ثم حين خُفف عنهم طُلب منهم أن يقفوا في وجه ضعفي قوتهم، ولم يُسمح لهم بالانهزام أمام الضعفين، لأن قوة الفكر التي يقوم عليها السلطان وتقوم حياة الفرد على أساسها أكبر وأشد قوة من عشرة أضعاف القوة المادية. ومن هنا كان أهم ما في هذا الصراع الذي لا بد من أن يدخل المسلمون حلبته مع الناس، هو الناحية الفكرية التي تقوم عليها القوة المادية، أو بتعبير آخر قيام القوة المادية على الفكر.
إن الناس الذين دخلوا مع المسلمين في الصراع الدموي لم يكونوا يدركون مدى ما للعقيدة الإسلامية، أي للفكر، من قوة في القوة المادية، ولذلك كانوا يعتمدون على زيادة قوتهم المادية على قوة المسلمين ليَهزموا المسلمين، ولكنهم بالرغم من هذه الزيادة في القوة كان المسلمون ينتصرون عليهم رغم ضعف المسلمين وقلة عددهم، ولم تنفع زيادة القوة المادية أصحابها في ميادين الحرب، وظل النصر حليفاً للمسلمين. هكذا كان حال المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهكذا كان حال الروم مع الصحابة، وحال الفرس مع الصحابة، وحال جميع الكفار الذين دخلوا في حرب مع المسلمين. وما خسر المسلمون الحرب إلا مرتين اثنتين ليس غير، إحداهما في الحروب الصليبية، قد خسروا الحرب وإن عادوا واستأنفوا الحرب وكسبوها، والثانية في القرن التاسع عشر الميلادي بطوله حتى انتهت بهزيمتهم نهائياً في الحرب العالمية الأولى.
والآن والعالم كله يحاول الانعتاق من سيطرة أوروبا عليه، فإنه من الطبيعي أن يحاول المسلمون كذلك، كسائر العالم، إزاحة سيطرة الغرب عنهم وإزالة نفوذه من بلادهم. ولكن هل يتحقق للعالم إزالة سيطرة الغرب عنه؟ وهل يتحقق للمسلمين التخلص من نفوذ الغرب؟ ذلك ما لا يمكن الجزم به، وما لا يوجد للتفاؤل فيه أي نصيب، لأن أوروبا انضمت إلى قوة أخرى هي أمريكا، ولأن الغرب كله يحاول تغيير أسلوب السيطرة وتبديل وسائل التسلط، وهذا ما يجعل مسألة الانعتاق أمراً مشكوكاً فيه، ويجعلها عبارة عن دوامة تدور بالناس ليظلوا مشغولين بهذه المحاولة على وجه يثبت سيطرة الغرب ويديم نفوذه. ولهذا كان من المشكوك فيه أن يتخلص العالم من سيطرة الغرب خلال مائة عام ما دام لهذا التغيير والتبديل في الأسلوب والوسائل تأثيره السحري في الشعوب والأمم. وهذا ينطبق على المسلمين كما ينطبق على سائر الناس، لأنهم يسيرون في نفس الدوامة، ويتخذون الانعتاق من سيطرة الغرب قضيتهم، ويتخذون نفس الأساليب التي يتخذها سائر الناس، ولهذا لن يكون نصيبهم إلا كنصيب سائر الناس دوران في حلقة مفرغة وسير في الطريق الذي رسمه الغرب لهم لتثبيت سيطرته عليهم.
أما ما هو الذي يجعلهم يسيرون في الطريق الصحيح فإنه أولاً وبالذات إدراكهم أن قضيتهم ليست الانعتاق من سيطرة الغرب، فإن هذه ليست قضية وإنما هي رد الفعل الطبيعي عند الإنسان أن يقاوم السيطرة وأن لا يرضى بالعبودية. وإنما قضيتهم هي قضية الإسلام، ألا وهي نشر الإسلام بالجهاد، وإخضاع الناس بالقوة لأحكام الشرع، أي أن الطريق الصحيح هو الدخول في صراع مع الناس، كل الناس، صراعاً مادياً، صراعاً دموياً، من أجل نشر الإسلام وإخضاع الناس لأحكامه. هذا هو الطريق الصحيح ولا طريق غيره للمسلمين، ولا يمكن أن يكون لهم طريق، بوصفهم مسلمين، سوى هذا الطريق، ولذلك ليس لهم خيار في السير، بل هم مجبورون على هذا السير إذا كانوا سيظلون مسلمين، بل إذا كانوا يريدون أن يظلوا أمّة إسلامية، لأن هذا الصراع طبيعة من طبائع المسلمين، بل طبيعة من طبائع الإسلام.
غير أن الدخول في هذا الصراع من أجل هذه القضية لا يتأتى إلا بسلطان، ولكن ليس أي سلطان بل سلطان إسلامي، فلا بد من وجود السلطان الإسلامي أولاً ثم الدخول فوراً في صراع مادي مع الناس، فالسلطان الإسلامي هو الخطوة الأولى، ويليه فوراً وفي الحال الدخول في الصراع المادي مع الناس، ومن هنا كان العمل لإيجاد السلطان الإسلامي هو العمل الذي يجب أن يُحصر الجهد فيه، لأنه لا قضية قبل وجوده، بل لا سبيل للعمل للقضية وفي القضية قبل وجوده، فمن أجل البدء بالعمل، بل التمكن من العمل، لا بد من حصر الجهد كله في إيجاد هذا السلطان بالذات، يعني سلطان الإسلام.
وهنا قد يعظم الأمر على المسلمين، إذ لو قلت لهم لا بد من إيجاد السلطان، لكان أهون عليهم، فها هو ذا سلطان في مصر وها هو ذا سلطان في العراق، بل ها هو ذا سلطان في الكويت وفي الأردن وفي لبنان وأمثالها، أما سلطان الإسلام فأية قوة تستطيع أن توجده، وأن تصمد فيه أمام هذه القوى الجبارة التي لا تسمح بوجوده؟ وهل تسمح الدول الكبرى أن يقوم للإسلام سلطان؟ بل هل يسمح هؤلاء الحكام أن يكون للإسلام سلطان؟ لذلك يعظم الأمر على المسلمين ويظنون أنه من المستحيلات. لكن الواقع أن إقامة سلطان الإسلام في بلاد المسلمين أهون من إقامة أي سلطان، سواء من طبيعة السلطان من حيث هو سلطان، أو من طبيعة سلطان الإسلام من حيث هو سلطان إسلامي. أما من حيث طبيعة السلطان فإن السلطان يكمن في الأمّة أو في الفئة الأقوى، والناس في أي بلد إسلامي مسلمون، فكانت إقامة سلطان إسلامي فيهم أهون من إقامة أي سلطان. وأما من حيث طبيعة السلطان الإسلامي، فإنها توجب أن يقف المسلم أمام عشرة عند بدء إقامة السلطان، وأن يقف أمام اثنين في حالة أخرى من سائر الحالات، فلو كان الذين يقيمون السلطان أقلية في البلد فإنهم قادرون على الانتصار على عشرة، فهم أقدر على إقامة سلطان إسلامي من غيرهم الذين يريدون إقامة سلطان آخر، ولذلك كانت إقامة سلطان الإسلام في بلاد الإسلام أقرب من إقامة أي سلطان، ولكن المسألة الخافية على المسلمين هي ظنهم أن إقامة سلطان الإسلام إنما تعني البدء بجميع بلاد الإسلام، وهي كذلك نسيانهم أن المسلم الواحد مأمور بالانتصار على اثنين فلا يحل له أن ينهزم أمامهما، ومأمور في بدء إقامة السلطان أن ينتصر على عشرة، فلا يحل له أن ينهزم أمامهم، فهذان الأمران هما اللذان خفيا على المسلمين واستعظموا إقامة سلطان الإسلام في بلاد الإسلام، لذلك كان لا بد من إزالة هذا الظن، وتذكيرهم بما نسوه من قوله تعالى: (إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) ومن قوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين).
فسلطان الإسلام الذي يراد أن يستظل تحته جميع المسلمين إنما يبدأ في بلد، مهما كان صغيراً، نقطة ارتكاز لوضع القدم في الوقوف، فتصمد لعشرة أضعافها، ويكون التوسع جزءاً لا يتجزأ من إيجادها ومن وجودها، وبهذا الصمود وبطبيعة هذا الإيجاد، وهذا الوجود يؤدي صراعها لأن تظل تحت رايتها جميع بلاد الإسلام ولأن تبدأ في فتح بلاد الكفر لنور الإسلام وهداية الناس، ومن هنا لم يكن إيجاد سلطان الإسلام معجزة من المعجزات، ولا ينبغي أن يعظم أمره على المسلمين، وإنما هو ممكن من الممكنات، وممكن في كل بلد إسلامي مهما كان صغيراً، وإنما يحتاج إلى شيء واحد هو أن يضع المسلم في نفسه أنه يجب أن ينتصر على عشرة، لأن ما بين جنبيه من عقيدة تزيد قوتها على عشرة أضعافها، وبذلك يجعل بلده نقطة ارتكاز وينطلق لأن يظل تحت راية الإسلام جميع المسلمين.
هذا هو الطريق الصحيح: إدراك قضية الإسلام بأنها نشر الإسلام بطريقة محددة هي الجهاد، وإجبار الناس بالقوة على التقيد بأحكامه، وبالتالي الدخول في صراع مادي مع الناس بالسلطان الإسلامي، وبغير هذا الطريق لن ينعتق المسلمون من سيطرة الغرب ولن يزال نفوذه عنهم، بل لن يظلوا أمّة إسلامية.
والسؤال الذي يَرِد الآن منا نحن شباب هذه الدعوة: أين وصلنا نحن في السير في هذا الطريق؟ والجواب على ذلك واضح في أعمالنا التي نقوم بها اليوم، واضح في مدى ما وصلنا إليه من التطلع للحكم. أما أعمالنا فقد صرنا ندرك أن البلد حتى تصلح لأن تكون نقطة ارتكاز لا بد أن تتوفر فيها ثلاثة أمور: الرأي العام المنبثق عن الوعي العام، والعدد الكافي من شباب الدعوة القادر على الاضطلاع بمسؤولية قيادة الأمّة، وأن تكون القوة المادية الموجودة في البلد قادرة على حماية الدعوة. وهذا الإدراك حَمَلنا على مضاعفة الجهد بالاتصال الجماهيري لإنضاج الرأي العام، وعلى الاتصال بالقوى والقيادات الموجودة في البلد، ومن هذين الاتصالين سينتج وقوف القوى المادية بجانب الدعوة. وعليه فنحن في محاولات متتالية واعية لإيجاد نقطة الارتكاز على وضع يصمد فيه المسلم أمام عشرة وينتصر عليهم، جاعلين التوسع جزءاً لا يتجزأ من إيجاد نقطة الارتكاز ومن وجودها، غير مستهترين بالقوى الهائلة التي تقف في وجه المسلمين، ولكننا مقدّرون مدى ما في الفكرة التي يقوم عليها سلطان الإسلام من قوة تدك أمامها الجبال الراسيات.
إلى هذه النقطة وصلنا في السير في هذا الطريق الصحيح، ألا وهي العمل لإيجاد نقطة الارتكاز وذلك كله مقدمة الكتاب، أما الكتاب فإنه قضية الإسلام.
28 ذي القعدة 1385هـ حزب التحرير
19/3/1966م