بسم الله الرحمن الرحيم

طريق حمل الدعوة الإسلامية

حديث الصيام:

قال الله تعالى:(ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).

وروى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: (بايَعَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المَنشط والمَكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم). هذه الآية تبين كيفية الدعوة إلى الإسلام، وهذا الحديث يبين أن قول الحق مما بايع المسلمون رسول الله عليه، ويبين كيف يكون قول الحق. أما دعوة الناس إلى الإسلام فإن الآية تبين أن الناس يدعون إلى دين الله بثلاث طرق أحدها الدعوة بالحكمة، والحكمة هنا هي البرهان العقلي وهي الحجة الدامغة والقول المقنع لأن هذا هو الذي يؤثر في النفوس؛ أي نفوس، لأن الإنسان لا يملك أن يغلق عقله أمام البراهين القاطعة وأمام الفكر القوي، ولذلك كانت الدعوة بالحجة والبرهان مؤثرة على المفكرين ومؤثرة على غير المفكرين، ويخشاها الكفَرة والملحدون، كما يخشاها الضالون المضلون لأنها تكشف زيف الباطل وتضيء وجه الحق، وهي التي تكون ناراً تحرق الفساد ونوراً يهدي إلى الصلاح، ومن هنا نجد القرآن الكريم جاء بالبراهين القاطعة والحجج الدامغة وخاطب العقول، وكان من أعمق ما صيغ من كلام ومن أبلغ ما عُرض من حجج وبراهين، وهكذا يجب أن تكون إحدى طرق الدعوة بالحكمة؛ أي بالبرهان العقلي المقنع، قال تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلّت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نُخرج الموتى لعلكم تذكرون)، ومن الخطأ أن يظن أحد أن الحكمة هي التأني والتؤدة أو أنها اللين والمسايرة فإن هذا المعنى لم يرَد لها مطلقاً، فالحكمة إما وضع الأمور موضعها وإما الحجة والبرهان، وفي الآية لا محل لتفسيرها بوضع الأمور موضعها فيتعين أن يكون معناها الحجة والبرهان.

أما الطريق الثاني من طرق الدعوة فهو الموعظة الحسنة، وهي تعني التذكير الجميل وهو يعني إثارة مشاعر الناس حين مخاطبة عقولهم وإثارة أفكارهم حين مخاطبة مشاعرهم حتى يصحب إدراكهم لما يدعون إليه حماس للعمل به وللعمل له، وقد سار القرآن على ذلك، فكان في الوقت الذي يخاطب الفكر يثير المشاعر، قال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون).

وقال تعالى: (إن جهنم كانت مرصاداً، للطاغين مآباً، لابثين فيها أحقاباً، لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، إلا حميماً وغساقاً، جزاء وفاقاً).

أما الطريق الثالث فهو الجدال بالتي هي أحسن، وهو النقاش الذي يُحصر بالفكرة ويأخذ دور الهجوم ويعمد فيه صاحبه إلى نقض الحجج الباطلة وإعطاء الحجج الصادقة مع تحري الوصول إلى الحق، ولذلك يحتوي أمرين: هدماً وبناء، نقضاً وإقامة براهين.

قال تعالى: (ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأْتِ بها من المغرب فبُهِت الذي كفر).

وقال تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين، قال لمن حوله ألا تستمعون، قال ربكم ورب آبائكم الأولين، قال إن رسولكم الذي أُرسِل إليكم لمجنون، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون، قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين، قال أَوَلَوْ جئتك بشيء مبين، قال فأْتِ به إن كنت من الصادقين).

وهناك أساليب كثيرة من الجدل جاء بها القرآن وهذا هو الجدال بالتي هي أحسن، ومن الخطأ أن يُظَن أن معنى الجدل بالتي هي أحسن هو الجدل بالهدوء واللين، بل هو قرع الحجة بالحجة، تماماً كأساليب الجدل التي في القرآن.

هذه هي الطرق الثلاث في الدعوة، وهي جميعها لا بد أن يقال فيها الحق أينما كان القائل، أمام الحكام أم أمام الناس، ويجب أن يعطي فيها الفكرة صريحة واضحة، ويجب أن يكون متحدياً سافراً مؤمناً بالحق الذي يدعو إليه، يتحدى الدنيا بأكملها، يتحدى الحكام والجبابرة، ويعلن الحرب على الأحمر والأسود من الناس دون أن يحسب أي حساب لعادات أو تقاليد أو أديان أو عقائد أو حكام أو سوقة، ولا يلتفت إلى شيء سوى رسالة الإسلام. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بادأ قريشاً بذكر آلهتهم وعابها، وتحداهم في معتقداتهم وسفّهها وهو فرد أعزل لا عُدّة معه ولا مُعين له ولا سلاح عنده سوى إيمانه العميق بالإسلام الذي يدعوه إليه، ولم يأبَهْ بعادات العرب وعقائدهم ولم يجاملهم بها ولم يراعهم في شأنها، فقد تلا عليهم قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصَب جهنم)، (تبت يدا أبي لهب)، (ولا تُطِع كل حلاف مهين، هماز مشَّاء بنميم، مناع للخير معتدٍ أثيم، عُتُل بعد ذلك زنيم)، وكانت قريش تتمنى لو يهادنهم، قال تعالى: (ودّوا لو تُدهِن فيُدهِنون)، ولكن ظل في هجومه الصاعق حتى أزال الكفر، وكذلك حملة الدعوة يجب أن تكون دعوتهم سافرة متحدية في قوة الإعصار الجارفة، تحمل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.