بسم الله الرحمن الرحيم

تنظيم الأمّـــة

تنظيم الأمّة أو ما يسمى بالتنظيم الشعبي هو تنظيم يتناول الأمّة أو يتناول الشعب، وهو أسلوب يتمكن به الحزب أو الزعيم من قيادة الأمّة أو قيادة الشعب. وهذا التنظيم يتناول الأمّة كلها من حيث هي أمّة، ويتناول الشعب كله من حيث هو شعب، ولا يصح أن يختص بفئة من الفئات أو جماعة من الجماعات. والتنظيم الحزبي هو في الأصل تنظيم لقيادة الأمّة أو الشعب، ولكنه لا يتناول الأمّة كلها، وإنما يتناول من ينتسبون إلى الحزب ومن يُسعى لضمهم إلى الحزب، لأن الحزب وإن كان ينبثق من الأمّة أو يقوم في الأمّة ويستهدف قيادتها لفكرته، ولكن تنظيماته الحزبية بوصفه تكتلاً حزبياً إنما تتناول كيانه وأجهزته وبها يكون حزباً، ويسير في عمله الحزبي، ويخوض حياته الحزبية، ولكنه لا يتمكن من قيادة الأمّة للقيام بأعمال معينة يطلبها هو إلا إذا كان لديه تنظيم شعبي أي تنظيم خاص متعلق بالأمة أو الشعب، ليجعله منتظماً في سلك واحد يسهّل به قيادة الشعب أو الأمّة للقيام بالأعمال. فهناك فرق بين التنظيم الحزبي وبين التنظيم الشعبي. فالتنظيم الحزبي إنما يتناول الحزب بخلاف التنظيم الشعبي فإنه يتناول الأمّة كلها أو الشعب كله. فكوْن الحزب يضع نظاماً لإدارة الدعوة في الولاية ونظاماً لمباشرة القيام بأعمال الحزب في البلد ونظاماً للحلقات، وما شاكل ذلك، فهذا كله يعتبر تنظيماً حزبياً، ولكنه حين يضع جهازاً خاصاً لقيادة الناس للقيام بالأعمال التي يريدها الحزب، أو يجعل أشخاصاً لجهات معينة لقيادة الناس، وأشخاصاً آخرين لجهات أخرى لقيادة الناس فيها وهكذا، فهذا تنظيم شعبي وليس تنظيماً حزبياً. فزعيم القرية حين يكون له أنصار من رؤساء العائلات أو شيوخ الحارات يسيرون معه دائماً، فإنه يكون له تنظيم شعبي، وكذلك زعيم الشعب حين يكون له أنصار من زعماء العشائر ورؤساء العائلات أو زعماء المدن يسيرون معه دائماً ويقودون الناس كلما أراد الزعيم، فإنه يكون له تنظيم شعبي، وإن لم يكن له أنصار في أمكنة متعددة وجهات متعددة بشكل دائم لا يكون له تنظيم شعبي، وهكذا. فالتنظيم الشعبي غير التنظيم الحزبي، إذ قد يكون هناك شخص له تنظيم شعبي، وقد يكون هناك حزب ليس له تنظيم شعبي. فالحزب إن كان له تنظيم يقود الناس للقيام بأعمال معينة تحت قيادته بمعنى أن له جهازاً معيناً لقيادة الناس، أو رجالاً معينين لقيادة الناس يكون له تنظيم شعبي، وإن لم يكن له مثل ذلك لا يكون له تنظيم شعبي، ولو كانت له مئات التنظيمات الحزبية.

ويلاحَظ أن بعض الناس لا يفرّقون بين التنظيم الشعبي والتنظيم الحزبي، فيخلطون بينهما، فيترتب على هذا الخلط خطأ في السير لقيادة الأمّة. فجمال عبدالناصر بعد أن استولى على الحكم ظن أن الأحزاب هي التي تقود الأمّة بتنظيماتها الحزبية، وخاف من الأحزاب، ورأى نفسه عاجزاً عن أن يوجِد حزباً، وأحس أنه لا بد من جهاز يقود الأمّة، فأخذ يفكر في هذا الجهاز، فأوجد هيئة التحرير، ولمّا أخفقت أوجد الاتحاد القومي في المدة الأولى قبل الوحدة مع سورية، ثم أوجد الاتحاد القومي في المرة الثانية بعد الوحدة. ولمّا أخفق أوجد الاتحاد الاشتراكي بعد انفصام الوحدة، وهو لا شك سيخفق، لأن هذا التنظيم ليس تنظيماً شعبياً، فلا يمكن أن يقود الأمّة، وإنما هو تنظيم حزبي فقط، ولا يحوي التنظيم الشعبي، ولذلك لا يقود الأمّة. وبالرغم من أن عبدالناصر ظهرت على يده أعمال ضخمة وأوجد لنفسه دوياً قوياً، وصارت له مكانة عظيمة في الشعب، ولكنه لم يستطع أن يقود الأمّة، ولم يكن للتنظيمات التي أوجدها أي أثر في قيادة الأمّة، وذلك لأنه حاول أن يتحاشى إيجاد الأحزاب فأوجد تنظيماً لقيادة الشعب ظنه ليس تنظيماً حزبيا، ولكن واقعه أنه تنظيم حزبي، والتنظيم الحزبي دون أن يكون له تنظيم شعبي لا يمكن أن يقود الأمّة. وكذلك كان حال الأحزاب الأخرى ما عدا الحزب الشيوعي فإنها كلها تنظيمات حزبية ليس لديها تنظيم شعبي، واعتبرت نفس الحزب تنظيماً شعبياً، ولذلك لم تستطع قيادة الأمّة.

صحيح أن هناك بعض الأحزاب لها تنظيمات تشبه التنظيم الشعبي، وتحاول قيادة الأمّة، وقادت بالفعل أناساً في الإضرابات والمظاهرات، ولكن هذه التنظيمات التي لتلك الأحزاب ليست تنظيمات تتناول الأمّة كلها، وإنما هي تنظيمات تتناول فئات من الأمّة كالعمال والفلاحين والطلاب وما شاكل ذلك، فهي إن صلحت للقيادة فإنما تصلح لقيادة الفئات التي تتناولها فحسب، ولا تصلح لقيادة الأمّة، ومن هنا استطاعت بعض هذه الأحزاب أن تقوم بإضرابات ومظاهرات بقيادة الفئات التي تناولتها التنظيمات ولكنها لم تستطع قيادة الأمّة لأي عمل ولا لأية فكرة، والسبب في ذلك عدم تفريق هذه الأحزاب بين التنظيم الحزبي والتنظيم الشعبي، فظنت أن التنظيم الحزبي هو تنظيم شعبي، ولذلك جعلت من أنظمة الحزب التي توضع لتنظيم أجهزته نظاماً لضم فئات من الناس إلى الحزب تسير معه، كما وضعت نظاماً لضم أشخاص إليه، وهذا تنظيم حزبي وليس تنظيماً شعبياً، لأنه متعلق بالحزب وبمن يسير معه وليس متعلقاً بالأمة بوصفها كلاً، أي بوصفها أمّة أو بوصفه شعباً. صحيح أنه يشبه التنظيم الشعبي من حيث كونه تنظيماً لقيادة جماهير، ولكنه لا يتناول الشعب وإنما يتناول فئة، ومن هنا لم يكن تنظيماً شعبياً، على أنه إذا وُضع له جهاز خاص في الحزب يستهدف تنظيم الحزب فإنه يكون تنظيماً حزبياً صرفاً، وإذا لم يوضع له جهاز خاص لهذا الهدف وإنما كان من أعمال الحزب، فإنه يكون حينئذ تنظيماً يشبه التنظيم الشعبي لأنه تنظيم لقيادة جماهير، ولكنه لا يتناول الأمّة كلها. ولهذا لا يصلح لقيادة الأمّة. ومن هنا نجد أن حزب البعث وهو ممن لهم مثل هذه التنظيمات التي تشبه التنظيمات الشعبية حين وصل إلى الحكم لم يستطع قيادة الأمّة، ولم يستطع الاندماج بالأمة بل برز انفصاله عنها، فاحتاج إلى تنظيم أعضائه حرساً لحماية الحكم ولحماية الحزب، وما ذلك كله إلا لعدم التفريق بين التنظيم الحزبي والتنظيم الشعبي.

ومن أمثلة عدم التفريق بين التنظيم الحزبي والتنظيم الشعبي ما حصل بين عبدالناصر وحزب البعث في مفاوضات الوحدة التي حصلت بين 19 و21 آذار 1963، فإنها كانت مفاوضات القصد منها الاتفاق على تنظيم شعبي واحد للدولة الاتحادية قبل الاتفاق على إيجاد الدولة الاتحادية، فعبدالناصر كان يظن أن تنظيمات حزب البعث تنظيمات شعبية، وأن تنظيمه المسمى بالاتحاد الاشتراكي تنظيم شعبي، فكان يريد دمج التنظيمين بتنظيم واحد حتى يسيطر هو عليه، فلا يبقى حزب البعث يشكل خطراً عليه، وكان حزب البعث يدرك ذلك ويريد الاحتفاظ بتنظيماته الحزبية بوصفها تنظيماً شعبياً، ولم يفرق الاثنان -عبدالناصر وحزب البعث- بين التنظيم الحزبي والتنظيم الشعبي، فكانا يبحثان عن إيجاد تنظيم للشعب بإيجاد منظمة حزبية، وحرصا في كل سيرهما على هذه الناحية وافترقا من هذه الناحية، أي أن مسألة عدم الاتفاق على وحدة التنظيم الشعبي هي السبب الأساسي لعدم اتفاقهما على السير بالدولة الاتحادية، وهما يقصدان من التنظيم الشعبي التنظيم الحزبي، لأن كلا منهما يعتبر التنظيم الحزبي هو التنظيم الشعبي، ولذلك كان كل منهما حريصاً على أن يجعل هذا التنظيم بجانبه ليقود الشعب بواسطته. وقد أدّى هذا الخطأ في الفهم، وهذا الخلط بين التنظيم الحزبي والتنظيم الشعبي إلى إخفاق كل منهما بقيادة الأمّة، إذ بالنسبة لعبدالناصر لم يستطع الاتحاد الاشتراكي أن يقود الأمّة ولم يستطع عبدالناصر أن يقود الأمّة، وإن كان يقود الاتحاد الاشتراكي، وبالنسبة لحزب البعث لم يستطع أن يقود الأمّة، لأن تنظيمه الذي يشبه التنظيم الشعبي تنظيم حزبي ولهذا اضطر إلى اتباع محاولة لجعل الجيش كله من أعضاء الحزب، ومحاولة جعل موظفي الدولة كلهم من أعضاء الحزب، إذ تنظيمه يصلح لقيادة الحزب لأنه تنظيم حزبي، ولكنه لا يصلح لقيادة الشعب لأنه ليس تنظيماً شعبياً.

ومن هنا وجب التفريق بين التنظيم الشعبي والتنظيم الحزبي، فبالنسبة للحزب عند إنشائه وأثناء سيره في الحياة الحزبية لا بد أن يكون له تنظيم معين يتناول كيانه وأجهزته وأعضاءه وكيفية سيره في الأعمال الحزبية، وكيفية خوضه للحياة الحزبية، ويتناول كسبه الأشخاص للحزب وكسبه للمؤيدين له ولفكرته. ولكنه حين يريد قيادة الأمّة أو قيادة الشعب لا بد أن يكون له تنظيم يتناول الأمّة كلها بوصفها أمّة أو الشعب كله بوصفه شعباً حتى يتمكن بهذا التنظيم من قيادة الأمّة كلها للقيام بالأعمال التي يطلبها منها. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين كان في مكة لم تكن هناك حاجة لإيجاد التنظيم الشعبي، وإنما كانت الحاجة ماسة للتنظيم الحزبي، وإذا لوحظ أنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع الذين أسلموا في دار الأرقم ليقيموا الصلاة وليقرئهم القرآن، وليعلمهم أحكام الدين وأنه كان يرسل إلى الذين يسلمون من يقرئهم القرآن ويعلمهم أحكام الدين كما حصل في إرساله خباب بن الأرت ليقرأ القرآن على أخت عمر بن الخطاب وزوجها سعيد، وأنه كان يرسل من يقوم بقراءة القرآن على الناس في المجتمعات العامة كما حصل في إرساله عبدالله بن مسعود ليقرأ القرآن في الكعبة على مسمع من زعماء قريش، فإن هذا يعتبر من التنظيم الحزبي بالنسبة لذلك الواقع الذي كان في ذلك العصر، ولهذا يمكن أن يقال إن الرسول عليه السلام قد أوجد تنظيماً حزبياً في مكة للأفراد الذين أسلموا ولكنه لم يوجد أي تنظيم شعبي يتناول الشعب بوصفه كلاً أي بوصفه شعباً. غير أنه لما جاءه مصعب بن عمير من المدينة وأخبره بأنه لا يوجد بيت في المدينة إلا وفيه ذكر الإسلام، وأن المدينة كلها معه، وأن زعماء المدينة وقادتها قد جاءوا إليه، لمّا حصل ذلك اجتمع إلى زعماء المدينة وقادتهم وأخذ عليهم البيعة بيعة الحرب، أوجد حينئذ التنظيم الشعبي، فقال للزعماء والقادة: (اختاروا لي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم كفلاء). وبهذا الانتخاب وبهؤلاء النقباء وُجد التنظيم الشعبي. وإنما أوجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا التنظيم في هذا الوقت لأن الحاجة أصبحت ماسّة إليها، إذ أن الرسول صار لا بد له أن يقود أهل المدينة ولقيادتهم لا بد من تنظيم يتناول الشعب كله هناك، فكان أن طلب انتخاب اثني عشر نقيباً يكون كل منهم مسؤولاً عن قومه وجماعته. ولهذا لا بد لكل من يريد قيادة الأمّة شخصاً كان أو حزباً من تنظيم شعبي يتخذ وسيلة لقيادة الأمّة للقيام بالأعمال التي يطلبها منها.

وحزب التحرير منذ نشأته حتى سنة 1960 لم يكن في حاجة إلى تنظيم شعبي وإنما كان في حاجة إلى تنظيم حزبي، فكان له قانونه الإداري ونشرة الحلقات ونشرة اللجان المحلية وقانون انتخابات لجان الولايات. وهي تتناول كيانه وأجهزته وأعضاءه وكيفية سيره في الأعمال الحزبية وكيفية خوضه الحياة الحزبية وتتناول كسبه الأشخاص للحزب وكسبه المؤيدين له ولفكرته.

ولكنه في 1959 حين أصبح على وشك انتهاء فترة محاولة المخاطبة والدخول في المرحلة الثانية مرحلة التفاعل أحس بأنه في حاجة لتنظيم شعبي يُتخذ وسيلة لقيادة الأمّة، لأن مرحلة التفاعل هي المرحلة التي يُستهدف بها مباشرة استلام الحكم، وهو لا يستلم الحكم إلا عن طريق الأمّة، ولذلك لا بد له من قيادة الأمّة، فلا بد له من وسيلة تمكّنه من قيادة الأمّة، فكان لا بد له من تنظيم شعبي يتمكن به من قيادة الأمّة. ومن هنا وضع نظام المناطق في اذار 1959 وبلغ لجميع الولايات وطلب أن يحاول تطبيقه على توزيع المنشورات. وقد طبق ذلك بالفعل بالنسبة لتوزيع المنشورات والمناقشات في بيروت وحدها مدة من الزمن ولكن باقي الولايات وباقي البلدان لم تطبقه ولم تتقيد به، ولمّا دخل الحزب في طور التفاعل 1960 وصار لا بد له أن يقوم بمحاولة قيادة الأمّة، جرت محاولات للتشديد على الشباب في تطبيقه ولكن لم يكن لهذا التشديد أي أثر وظل حبراً على ورق. ولمّا وُضع الأسلوب الجديد موضع التنفيذ في أول كانون الثاني 1962 وزعت على الشباب نشرة قطعة من كتاب مؤرخة في 18/1/1962 وفيه الفقرة السادسة تبين التنظيم الشعبي أي فيها نظام المناطق وهو التنظيم الشعبي، الذي وضعه الحزب لقيادة الأمّة، وجعله يتناول الأمّة بأكملها بوصفها أمّة. وجرى التشديد مرة أخرى على الشباب لتطبيقه فصارت محاولات جدية للتطبيق ولكنه مع ذلك ظل يتعثر وظل شكلاً بلا مضمون، ولفظاً بلا معنى، وعملاً بلا غاية فكان لا يزال حبراً على ورق. لذلك أعاد الحزب النظر في هذا التنظيم ودرسه مرة أخرى، ودرس التنظيمات الشعبية التي لدى الأحزاب والتنظيمات الشعبية التي استعملت حين القيام بالثورات، ودرس الغاية من هذا التنظيم ودقق في التنظيم نفسه، وفي الغاية التي وُجد من أجلها وذلك لمعرفة سبب تعثر تطبيقه، لأن أي نظام إذا لم يمكن تطبيقه أو إذا تعثر تطبيقه فإن ذلك يكون راجعاً إما إلى عدم فهم النظام وعدم الاعتقاد به، أي إلى عدم تحويله في ذهن أهله إلى مفاهيم، وإما لأن النظام أو التنظيم نفسه غير قابل للتطبيق لأنه غير واقعي وغير عملي. وما دام قد مضى على هذا التنظيم عدة سنوات وهو يتعثر في التطبيق فإنه يجب أن يعاد النظر فيه، فلعله هو غير قابل للتطبيق، ولذلك أعيد النظر فيه. ولدى إعادة النظر تبين أنه تنظيم على درجة عالية من الدقة والقوة وفي منتهى البساطة، وخالٍ من التعقيد والتداخل، وبيان ذلك أن التنظيم الشعبي الذي يمكن من قيادة الأمّة لخوض الغمرات والقيام بالأعمال العظيمة لا بد أن يكون تنظيماً قوياً وصارماً وأن يكون المستند العقائدي لدى قادة هذا التنظيم عالياً، أما قوة التنظيم فإنها تكون بمقدار تمثيله لمن يتناولهم تمثيلاً حقيقياً، فإنه إذا كان يمثلهم تمثيلاً حقيقياً اعتبروه لهم واعتبروا أنفسهم مسؤولين عن تنفيذ ما يطلب منهم، وإن كان لا يمثلهم تمثيلاً حقيقياً كان ضعيفاً. والتمثيل الحقيقي للناس له طريقان: أحدهما أن ينتخب الناس من يمثلهم ومن يقودهم ومن يتولى أمرهم، فإنه بهذا الانتخاب يكونون قد وكلوه عنهم فتصرفه يعتبر تصرفا لهم ولذلك فهم ملزمون به، ومن هنا تأتي طاعتهم وقيامهم بما يُطلب منهم والتزامهم بما يلتزم أمراً بديهياً وطبيعياً وعادياً، ويكون من الشذوذ عدم التزامهم به. أما الطريق الثاني فهو أن يكون الشخص قد فرض نفسه على الجماعة بفكره وسلوكه فيصبح المثل الحقيقي لهم ولما في نفوسهم سواء أجرى انتخاباً أم لم يجرِ، حتى لو جرى انتخاب فإن عملية الانتخاب لا تظهر إلا من فرض نفسه على الناس وتكون عبارة عن عملية تغطية مشروعية التمثيل رسمياً وواقعياً. ولهذا فإن من فرض نفسه على الجماعة يكون منتخباً منها طبيعياً، فيكون ممثلاً لها تمثيلاً حقيقياً.

هذان الطريقان هما اللذان يوجِدان الممثل الحقيقي للناس، وكل تنظيم يتبع أياً منهما يكون تنظيماً قوياً، إلا أن الطريق الثاني يكون التنظيم الذي يسلكه أكثر قوة، وقد سار الرسول صلى الله عليه وسلم في اختيار ممثلي أهل المدينة في الطريق الثاني، وإن كان الظاهر أنه سار في الطريق الأول، وذلك أن الذين بايعوه بيعة العقبة الثانية هم زعماء المدينة وقادتها، أي هم ممثلو أهل المدينة التمثيل الحقيقي، وهم لم ينتخبهم أهل المدينة انتخاباً، وإنما هم ممن فرضوا أنفسهم على قومهم فكانوا لهم قادة بما قاموا به من أعمال وما لديهم من أفكار، والرسول صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يوجِد تنظيماً يتناول أهل المدينة إنما أراد أن يوجده من هؤلاء أي ممن يمثلون المدينة تمثيلاً حقيقياً، ولكنهم كانوا خمسة وسبعين شخصاً، والتنظيم لا يحتاجهم جميعاً وإنما يحتاج اثنى عشر شخصاً، فقال لهم اختاروا لي منكم اثنى عشر نقيباً ولم يقل لهم اختاروا عنكم، وقال: يكونون على قومهم كفلاء، ولم يقل عليكم. وعليه فالتنظيم الذي أوجده ليس بالانتخاب وإنما ممن فرضوا أنفسهم على قومهم، والانتخاب يحصل من هؤلاء لتقليل العدد حتى يصبح التنظيم صالحاً، وعليه يكون الرسول عليه السلام قد سار في الطريق الثاني. وعلى أي حال فإن التنظيم إذا سار في أي طريق من هذين الطريقين: الانتخاب الفعلي من الناس أو ممن فرض نفسه عليهم يكون تنظيماً قوياً. وقد سلكت الأحزاب الأخرى ما عدا الحزب الشيوعي في العالم الإسلامي طريقاً آخر للتنظيم الشعبي فإنها علاوة على جعله من التنظيم الحزبي لكسب الناس قد خصصته لفئات معينة وسارت فيه لا عن طريق الانتخاب ولا عن طريق فرض الشخص نفسه على الناس وإنما عن طريق الاندساس بين الجماعات للتأثير عليهم ومحاولة كسب تأييدهم، فعمدوا إلى فئة الطلاب فأرسلوا بعض أعضائهم ليندسوا بينهم ليؤثروا عليهم، وعمدوا إلى فئة العمال فأرسلوا بعض أعضائهم ليندسوا بينهم ليؤثروا عليهم، وعمدوا إلى فئة الموظفين فأرسلوا بعض أعضائهم ليندسوا بينهم ليؤثروا عليهم، وهكذا. وفي بعض الأحيان كانوا يتنكرون على الناس فيُخفون أنهم من الحزب وقد يتظاهرون بأنهم بخلاف رأي الحزب أو ضد الحزب ليتمكنوا من الفئة وبذلك استطاعوا أن يؤثروا إلى حد محدود على هذه الجماعات فقادوها في بعض الأحيان في الاحتجاجات والإضرابات والمظاهرات وما شاكل ذلك، وتولوا قيادتها في فترة المظاهرة والاحتجاج أو الإضراب، ولكنهم لم يكونوا قادة هذه الفئات وبالطبع لم يكونوا قادة الأمّة، فمثل هذا التنظيم تنظيم ضعيف وليس تنظيماً قوياً وإن كان يشبه التنظيم الشعبي ولا يمكن أن يمكّن الحزب من قيادة الأمّة بل لا يمكن أن يمكّنه من قيادة هذه الفئات إلا في أعمال معينة وفي حدود معينة، فلا يصلح لقيادة الأمّة.

صحيح أن الحزب الشيوعي يسلك ما يشبه هذا التنظيم وينجح في القيام بأعمال وبقيادة الناس للقيام بالأعمال، ولكن هذا لا يصلح دليلاً على صحة هذا التنظيم ولا على صلاحيته لقيادة الأمة. وذلك أن الحزب الشيوعي إنما يحرز انتصارات في خارج روسيا في قيادة الناس لما يريد بعدة وسائل لا بهذا التنظيم فقط، وهذا التنظيم واحد منها، فهو أولاً ينزل عند مطالب الناس ولو خالفت مبدأه فيتبنى مصالحهم ويدس أفكاره بينها أو يؤجلها حتى يتمكن من قيادة الجماهير، وثانياً يملأ الدنيا بالدعاية التي تلقى قبولاً عالمياً أو قبولاً في المنطقة التي يشتغل فيها, وثالثاً أنه يهيئ فرقاً منظمة عملها الحزبي أن تندس بين الناس أو بين الفئات أو بين الجماهير وتخفي نفسها إذا لزمها الأمر، ورابعاً أنه يتبنى الهجوم في كل الأحوال، فله ميزة الهجوم، وخامساً أنه يقوم بأعمال الهدم والتخريب والتحطيم ويدس أفكاره أثناء ذلك أو يجعل الانتصار لهزيمة الخصم ولو لم يبث أفكاراً. فالتنظيم الذي يتبناه شعبي يتناول الشعب كله ولا يكتفي بتناول فئة من الفئات، ثم إنه يتخذه وسيلة لقيادة الناس للهدم والتحطيم لا لقيادتهم للبناء، فهو يستطيع أن يدفع فرقه المنظمة داخل أنحاء العالم في الوقت والمكان اللذين يراهما مناسبين لهجومه. ثم إن الحزب الشيوعي يعرف قيمة الأفكار جيداً ويعلّق عليها أهمية عظمى، ولذلك يعتمد على الفكرة القادرة على تحريك الجماهير الفقيرة من الناس مما يمس مصالحهم أو يثير مشاعرهم، ويعمد بصورة خاصة إلى الناس الذين يشعرون بأنهم مظلومون أو مخدوعون في النظم الموجودة لديهم فعلاً، ويعمد كذلك إلى الناس المثاليين الذين يرغبون في عالم أفضل، وفوق ذلك كله فالغاية التي يهدف إليها هي التحطيم وليس البناء، ولهذا كله يحرز الانتصارات، فهو لا يصلح دليلاً على أن تنظيم الأحزاب الأخرى في الاندساس بين الفئات يصلح لقيادة الأمّة أو لقيادة تلك الفئات، ونجاحه كذلك لا يدل على أنه تنظيم شعبي قوي لقيادة الأمّة، وإنما يدل على نجاحه في إحداث الفوضى والاضطراب لا في قيادة الأمّة للقيام بأعمال للبناء. وأبسط دليل على أنه تنظيم ضعيف أن الحزب الشيوعي خارج روسيا لم ينجح في أخذ قيادة الجماهير ولا في بلد من البلدان حتى ولا في روسيا نفسها، ولذلك فإن تنظيمه وإن كان يصح أن يسمى تنظيماً شعبياً لأنه يتناول الشعب كله بوصفه شعباً ولكنه تمثيل ضعيف لا يقوى على تمكين الحزب من قيادة الأمّة وعلى ذلك فإن التنظيم الشعبي القوي هو التنظيم الذي يمثل الناس تمثيلاً حقيقياً، وكل تنظيم لا يمثل الناس تمثيلاً حقيقياً لا يكون تمثيلاً قوياً بل يكون تمثيلاً ضعيفاً ولو أحرز انتصارات في بعض النواحي.

فنظام المناطق تنظيم شعبي لأنه يتناول الأمّة كلها في البلد الذي نشتغل فيه، ثم إنه يراد منه أن يعطي الشباب للناس الجرعة القوية والقوامة على العلاقات بالنسبة للأفكار والمشاعر، والقيام بمحاولة أخذ قيادة الأمّة، فإذا نجح الشخص أو الأشخاص في منطقة من البلد أو في البلد كلها فقد فرض نفسه عليها، ومن فرض نفسه عليها أصبح ممثلاً لها تمثيلاً حقيقياً وبذلك يأخذ قيادتها، وعليه يكون هذا التنظيم ليس قوياً فحسب، بل على درجة عالية من القوة لأنه سلك الطريق الثاني وهو الطريق الذي أرشدنا إلى سلوكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن يختار لقيادة الناس من يمثلهم تمثيلاً حقيقياً.

هذا من حيث قوة التنظيم، أما من حيث أن يكون التنظيم صارماً فهو أن يختار هؤلاء الممثلون من أهل القدرة على القيام بالعمل الذي يريدون قيادة الأمّة له وأن يُغيّروا في الحال إذا لُمس منهم ضعف قدرتهم على القيام بالعمل، ولا تشفع لهم خدماتهم السابقة، كما لا يشفع لهم تعلق الناس بهم، فإلى جانب تمثيلهم للناس يجب أن تتوفر فيهم القدرة، وأن يستمر وجود هذه القدرة، فهذا التشدد في اختيار الممثلين، والحزم في تنحيتهم عند الإحساس بضعف التمثيل أو بضعف القدرة هو الذي جعل التنظيم صارماً، والصرامة إنما تبرز في تنحية من أحس فيهم الضعف لأن ما لهم من ماضٍ ناصع كثيراً ما يُحدِث تساهلاً بشأنهم، فالصرامة تقضي بتنحيتهم في الحال، لأن الأمر متعلق بقيادة الناس لا بالشخص نفسه. والأحزاب الأخرى ما عدا الحزب الشيوعي تصبح لأعضائها من جراء قيامهم بالأعمال أو من جراء نضجهم الفكري شخصية تشفع لهم بخلاف الحزب الشيوعي فإنه صارم من هذه الناحية، ولذلك تجد في التنظيم الشعبي الذي يتبعه تبديلاً كثيراً وتغييراً في العناصر القيادية، وحزب التحرير لم ينجح بعد في تطبيق نظام المناطق، أي لم ينجح بعد في التنظيم الشعبي الذي تبناه، ولذلك لا يمكن إقامة البرهان على أنه تنظيم صارم بالنسبة لتنحيته من يحس بهم الضعف في التمثيل، أو الضعف في القدرة، ولكنه بالنسبة لاختيار الأشخاص فإنه يقول في نشرة هذا التنظيم ما نصه: "ويختار هؤلاء الشباب الذين يُنتدَبون لأن يكونوا مسؤولين في المناطق من الذين يقدّرون المسؤولية ويستطيعون القيام بتبعاتها" أي أن أمراء المناطق يجب أن يتوفر فيهم أمران: القدرة، وتقدير المسؤولية. ويقول بالنسبة للأشخاص غير الأمراء الذين يتسلمون أمكنة في المنطقة ما نصه: "إلا أن الدارس الذي لم يكمل طريق الإيمان إن لم توجَد عنده مادة بعد للنقاش لا يُسلَّم مكاناً معيناً في المناطق حتى يصبح قادراً على النقاش ولو في موضوع واحد" أي أن أمير المنطقة لا يصح أن يَجعل تحت إمرته إلا من كانت فيه القدرة على القيام بالعمل الذي وُجد في المنطقة لأجله وهو "إعطاء الجرعة القوية والقوامة على العلاقات بالنسبة للأفكار والمشاعر"، وبهذين النصين في نشرة نظام المناطق يكون اختيار من يعمل لأن يكونوا ممثلين للأمّة قد استكمل أحد شرطي التنظيم الصارم وهو أن تكون فيه القدرة، فيبقى الشرط الثاني وهو الجزم في تنحية من أحس منه الضعف في التمثيل، والضعف في القدرة، فإنه دائماً يظهر بعد تطبيق التنظيم، وأما موضوع أن يكون المستوى العقائدي لدى قادة هذا التنظيم عالياً، فإن هذا مضمون من طريقة الحزب في ربط الأشخاص وجعلهم أعضاء، فإنها تضمن المستوى العقائدي العالي لدى أعضاء الحزب، ولدى أمير المنطقة، وما دام أمير المنطقة عضواً في الحزب فإن قادة هذا التنظيم يكونون قد استوفوا شروط أن يكون التنظيم العقائدي لديهم عالياً. ولذلك يشترط الحزب في أمير المنطقة أن يكون عضواً في اللجنة المحلية، وإذا لم يكفِ أعضاء اللجنة المحلية للمناطق فحينئذ يجوز أن يكون عضواً ولا يصح أن يكون أمير المنطقة دارساً من الدارسين، فاشتراط أن يكون أمير المنطقة عضواً يضمن توفر شرط أن يكون المستوى العقائدي لدى قادة هذا التنظيم عالياً.

هذه هي شروط التنظيم الشعبي الذي يمكّن من قيادة الأمّة لخوض الغمرات والقيام بالأعمال العظيمة، وهذا هو مدى انطباقها على نظام المناطق الذي هو التنظيم الشعبي الذي تبناه الحزب، ومن ذلك يتبين بوضوح لا مزيد عليه أنه تنظيم على درجة عالية من القوة، وكذلك هو على درجة عالية من الدقة، إذ قد أدرك فيه الفرق بين التنظيم الحزبي والتنظيم الشعبي، فلم يجعل جهازاً من الأجهزة التي تقوم بالتنظيم الحزبي ولا عملاً يتعلق بالحزب ولا بكيانه ولا بأفكاره ولا بأي شيء من أمور الحزب وإنما هو متعلق بالأمة ويتناول الأمّة، وقد طبق جهاز اللجنة المحلية عليه فصار عملاً من أعمال الحزب لقيادة الأمّة وليس عملاً من أعماله للقيام بالأعمال الحزبية، علاوة على كونه لم يجعل لفئة من الفئات كالطلبة والعمال والفلاحين.. الخ، وإنما تناول الأمّة بوصفها أمّة. فهو إذن على درجة عالية من الدقة، ثم إن أمير المنطقة متصل بالمسؤول العام بدون واسطة، والمسؤول العام هو نقيب اللجنة المحلية وأمير المنطقة عضو فيها، ولذلك هو في منتهى البساطة وخالٍ من التعقيد والتداخل. وأما باقي الشباب في المنطقة فعلاقتهم مع أميرهم مباشرة ويستطيعون الاتصال بالمسؤول العام في كل وقت، وهذا يُبعد التعقيد والتداخل. وبهذا يكون نظام المناطق تنظيماً شعبياً صحيحاً، فيكون التعثر في تطبيقه ليس ناتجاً عن التنظيم نفسه، وإنما هو ناتج عن عدم تحويله في أذهان الشباب إلى مفهوم، فتكون العملية اللازمة لإزالة التعثر في تطبيقه وللنجاح فيه هي أن يصبح لدى الشباب مفهوماً من المفاهيم التي يتبنونها. أما كيف يتحول هذا التنظيم الشعبي إلى مفهوم فإنه كأي فكرة يراد جعلها مفهوماً لا بد من فهمها فهماً صحيحاً بربطها بواقعها الذي تدل عليه، ولا بد من التصديق بها والاعتقاد بصحتها وصلاحيتها. أما بالنسبة لواقعها الذي تدل عليه، فإن الحزب قوام على المجتمع، والمجتمع عبارة عن ناس وأفكار ومشاعر وأنظمة، فالحزب كما جاء في التكتل الحزبي، يشرِف على فكر المجتمع وحسه ليسيّرهما في حركات تصاعدية، ويحُول بين المجتمع وبين الانتكاس في الفكر والحس، وهو مدرسة الأمّة التي تثقفها وتخرّجها وتدفعها إلى معترك الحياة العالمية. ولمّا كانت هذه الأفكار إنما يراد إعطاؤها للناس وتحويلها إلى مفاهيم، لذلك لا بد من إعطائها لأناس، ولا بد من ملاحقتهم لشرحها لهم وإقامة البراهين الحسية على صدقها، وهذا يقتضي تكرار التردد على هؤلاء الناس، فهو يحتم العيش معهم، ثم إنه يحمل إلى الناس الوعي على أنفسهم، والنور الذي يستضيئون به في حياتهم، فلا بد أن يكون على علم بأحوالهم وما يعرض لهم، ولهذا لا بد أن يعيش الشاب فترة من النهار أو الليل بين الذين يريد إعطاءهم الأفكار، والذين يريد حمل الوعي والنور إليهم، ثم إن الحزب يريد أن يوصله هؤلاء الناس الذين حملوا أفكاره، وجعل النور الذي حمله إليهم مصباحهم الذي يسيرون على ضوئه، أن يوصله هؤلاء الناس إلى الحكم، لذلك لا بد أن يأخذ الشاب والحزب ثقتهم حتى يصبح الممثل الحقيقي لهم، وبغير ذلك لا يمكن أن يقودهم ليوصلوه إلى الحكم، ثم إنه يريد أن يجعل هؤلاء الناس يحملون عداء الكفار والمنافقين، وبإعلان الحرب عليهم، ولا يمكن أن يجعلهم في هذا الوضع معه إلا إذا كان ممثلاً لهم تمثيلاً حقيقياً يعتبرون تصرفاته تصرفات لهم، وهذا لا يتأتى إلا إذا عاش معهم وأقام البراهين وأوجد القناعات لديهم بأن هذا الطريق وحده هو الذي يجب أن يعيشوا من أجله وأن يموتوا في سبيله. فلهذين الأمرين: تمثيل الناس تمثيلاً حقيقياً، وجعل الناس يحملون عداء الكفار كما يحمله هو، لا بد من أن يحدد الشخص الجماعة التي يعمل فيها. فكما أن الحزب لا بد أن يحدد مجاله الذي يعمل به، ولا يصح أن يحمل الدعوة بشكل مفتوح، كذلك الشاب لا بد أن يحدد المكان الذي يعمل به للدعوة، ولا يصح أن يظل يعمل بشكل مفتوح، أي لا بد أن يحصد ما يزرع من أفكار بأخذ قيادة الناس الذين حملوا أفكاره، ولا يصح أن يظل يبذر الأفكار يميناً وشمالاً دون أن يعمل لحصدها وأخذ ثمرتها. فواقع نظام المناطق هو تحقيق الغاية التي من أجلها حملنا الأفكار للناس، ألا وهي حملهم لها وقيادتهم لتحقيقها في معترك الحياة، وفوق هذا فإن إقامة الدولة الإسلامية يعني إعلان العداء للعالم كله، فلا بد أن تتكاتف قوى الكفر وقوى المنافقين عليها لهدمها، وأعضاء الحزب مهما بلغ عددهم ومهما بلغت قوة الدولة التي يستلمونها لن يستطيعوا حماية الدولة وحماية البلاد إلا إذا سارت معهم الأمّة بمثل حماسهم، وبمثل عقيدتهم، واعتبرت الخروج على الدولة إثماً لا بد من معالجة للقضاء عليه، وهذا يوجب بقاء الحزب بين الأمّة في كل أوقاتهم جزءاً منها، وبوصفها حامية الحزب وراعيته، وما الحزب إلا قائد للأمة وخادم لها، وليست الأمّة أداة بيد الحزب، فعبدالناصر جعل الأمّة أداة بيده، وحزب البعث جعل الأمّة أداة للحزب، أما حزب التحرير فيجب أن يكون خادماً للأمّة، هي التي تضعه في الحكم، وهي التي تجعل الدولة أداة بيدها، ولذلك لا بد أن يظل شباب الحزب بين الأمّة ليكونوا طوع بنانها كلما أرادت أحداً منهم، فتكون الأمّة هي الحامية، وهي المدافعة وليس الحزب، وإذا كان البعثيون جعلوا الحرس القومي لحماية حزبهم وحكمهم من الأمّة، فإن حزب التحرير لا يفكر بحماية نفسه وحكمه من الأمّة، وإنما يفكر بحماية الأمّة للبلاد وللحزب والدولة من الكفار ومن المنافقين. وهذا التفكير يحتم أن يعيش أفراده في مكان معين، وبين أناس معينين من أبناء الأمّة، ليتحقق للأمّة أن الحزب أداة بيدها، وأنها هي المسؤولة عن حماية الحب والبلاد والدولة من الأعداء.

هذا هو واقع نظام المناطق، أي فكرة التنظيم الشعبي الذي تبناه الحزب، وهي أنه لا بد من تحويل الأفكار في أذهان الناس إلى مفاهيم، بالشرح المتتالي، وإقامة البراهين على صحتها وصلاحيتها، وإيجاد القناعات بها، ولا بد منه لقيادة الأمّة من أجل توصل الحزب إلى الحكم، ولا بد منه لجعل الأمّة هي الحامية للحزب وللدولة وللبلاد. أما البرهان على صدقه وصلاحيته فإنه لا يختلف اثنان بأن القيادة السياسية إنما هي في المدن وخاصة فيما يعتبر منها من العواصم، وأما الرأي العام ففي البلاد كلها، ولذلك لا بد من أخذ القيادة السياسية للناس في المدن، ولا سيما العواصم منها، وأخذ الرأي العام في البلاد كلها. وأخذ القيادة السياسية للأمّة في المدن إنما يكون بالسيطرة فكرياً وسياسياً على مناطق النشاط في المدينة، وبالتغلغل في مناطق التعبئة، وهذا لا يتأتى إلا بتقسيم المدينة إلى مناطق، وبالدأب المتواصل لأخذ قيادة كل منطقة، وهذا نظام المناطق أو التنظيم الشعبي الذي تبناه الحزب، وبهذا يكون واقع كون المدن مكان القيادة السياسية برهاناً ساطعاً على صحة نظام المناطق بوصفه وسيلة لأخذ القيادة السياسية في المدن. وعلى هذا فإنه بعد شرح هذا الواقع، وإقامة البرهان عليه لم يبق عذر في عدم تحويله في أذهان الشباب إلى مفهوم إلا إذا كان الذهن ليس مشغولاً بتحقيق غاية الحزب بل مشغولاً بالتفاهات أو الترهات. وقد يقال إن بعض الشباب ليسوا أهلاً لهذه المهمة إما فكرياً وإما نفسياً، والجواب على ذلك أن مهمة الشباب التبليغ، ورُبّ سامع أوعى ممن بلّغه، فقد يأتي هذا الشاب بشخصية قوية فيكون قد أدى واجبه وأثّر في عمله، فالعناصر القيادية إنما تكون ضرورية في أمراء المناطق، وأما باقي الشباب فالنضج الفكري فيما يعرفونه من أفكار كافٍ لاستلام المناطق، والمسألة كلها متعلقة بإيصال الأفكار للناس وملاحقتهم لجعلها مفاهيم، وحمل الوعي والنور إليهم، وعن هذا الطريق تأتي قيادة الأمّة، وحينئذ يباشر هذه القيادة العناصر القيادية من الشباب، فيقودون الأمّة لتحطيم أفكار الكفر وأنظمة الكفر، ويقودونها لتحطيم الكفار والفئة الحاكمة كلها، ويقودونها لإيصال الحزب إلى الحكم، ويقودونها لحماية الدولة وحماية البلاد، وينطلقون معها في الجهاد لحمل الدعوة إلى العالم.