بسم الله الرحمن الرحيم
تنشيط الشباب
إن من أهم العوامل التي تمكّن الحزب من إنجاز مهمته اندفاع الشباب وقيامهم بالأعمال التي تتفق مع المرحلة التي يكون الحزب فيها.
ولقد كان لتأخر وصول الحزب ولعوامل أخرى أثر في نفوس الشباب أدّى إلى هبوط نشاط الشباب وفتور قيامهم بالأعمال الحزبية التي يجب استمرار القيام بها، سواء تأخر قيام الدولة أم لم يتأخر، وقد وصل واقع حال كثير من الشباب إلى حد القول إن العمل في الأمّة لم يعد يجدي وليس له أية قيمة أو أي أثر، ويرنون بأبصارهم منتظرين أن تقوم الدولة وهم على هذه الحال، مطالِبين أن تنصب كل الجهود على أعمال النصرة، وكأن أعمال الحزب الأخرى قد انتهي منها.
إنه يجب أن لا يغيب عن البال لحظة واحدة أن الغاية ليست هي الحكم، بل الغاية هي استئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية للعالم، وأن طريقة ذلك هي الحكم. فأخذ السلطة إنما هو طريقة لجهل الحياة حياة إسلامية، أي لجعل العلاقات القائمة بين الناس علاقات إسلامية، ولا يجوز أن يُنظر إلى الحكم أكثر من كونه طريقة فقط وليس أكثر. فالقضية ليست العمل لتحطيم رجال الحكم، بل القضية هي جعل أفكار الإسلام طاغية في المجتمع، حتى يجري هذا التحطيم لرجال الحكم، وأخذ السلطان منهم عن طريق طغيان هذه الأفكار، وطريق جعل الأفكار طاغية في المجتمع إنما هو بدوام غشيان المجتمعات، ودوام الاتصال بالناس اتصالاً حياً لإعطائهم الأفكار والآراء والمقاييس حتى يتبنّوها ويحتضنوها لتصبح أفكارهم وآراءهم ومقاييسهم. فإذن ليس الهدف أخذ الحكم فقط، حتى تجمع له قوى تستطيع أخذه، لأنه حينئذ لا يكون حكماً إسلامياً ولو جعلت القوانين من الأحكام الشرعية، فإنه لا يلبث أن يزيله الأعداء، أو أن يتحول إلى حكم غير إسلامي، ولا يمكن أن يستمر في تطبيق الإسلام وحمله إلى العالم. ولهذا فإن هدفنا أن نقيم الحكم على الفكرة الإسلامية التي تعتنقها الأمّة وتتبناها وتستعد لأن تموت في سبيلها لأنها حياتها. والأمة اليوم قد أصبح تحسسها بالإسلام قوياً وواضحاً، وأصبح الإسلام وحده هو الموجود في الساحة، وهذا مما يجعل الأمّة الآن فيها قابلية الاستجابة أكثر. ولذلك فما على الشباب إلا أن يغذوا السير للعمل في الأمّة، وأن يديموا الاتصال بها حتى يتحقق لنا صهرها في بوتقة الحزب، لتحتضن الحزب وتتبنى أفكاره، ويصبح عندها الاستعداد للتضحية في سبيل أفكاره لحمايتها والمحافظة عليها وعلى الحزب وعلى الدولة التي سيقيمها، لا سيما أن عمل الحزب كله من أوله إلى آخره، منذ نشأته وإلى قيام الساعة، هو إفهام الناس ما يتبناه من أفكار وآراء وأحكام ليعتنقوها ويعملوا بها ولها. وهذا عمله قبل قيام الدولة، وهذا هو أيضاً عمله بعد قيام الدولة. وإن من أعظم ما يجب أن يحصل على يد الحزب وجود الأفكار الإسلامية الأساسية عند الناس وجوداً بارزاً، يَظهر في أحاديثهم ومناقشاتهم. وما لم توجَد هذه الأفكار فإنه لا يمكن أن تحمل الأمّة الرسالة التي يحملها الحزب، ولا يمكن أن يوجد الوعي العام الذي ينبثق عنه رأي عام. ومن المعلوم أن حمل الأمّة للرسالة التي يحمله الحزب شرط أساسي لقيام الحزب بمهمته، وأن وجود الرأي العام المنبثق عن الوعي العام أمر جوهري، حتى يمكن للحزب أن يأخذ الحكم في أي جزء من مجاله. وهذا يوجب على الحزب وعلى كل شاب فيه أن يكون ذهنه دائماً مشغولاً لإيجاد الأساليب التي يتمكن بها من جعل الأمّة تلتف حول الحزب وتتبنى أفكاره وتحتضنها احتضان الأم لوحيدها، ومن هنا تظهر خطورة ما صار يراود أذهان بعض الشباب من أن العمل يجب أن ينصرف انصرافاً كلياً إلى أعمال النصرة. وأن أعمال صهر الأمّة في بوتقة الحزب لم يعد لها فائدة لأن هذه الأفكار تصرف الشباب عن العمل في الأمّة، وتحوّل الحزب عن الطريقة التي يتبناها من أول لحظة، وتجعل هدفه أن يصل إلى الحكم ليحمل الناس على ما عنده، كما حصل مع عبدالناصر، ومع حزب البعث، حتى لا يضطر إلى إنشاء حرس إسلامي كما أنشأ حزب البعث الحرس القومي ليحمي الحزب وليحمي الدولة التي سيقيمها، وليرغم الناس على الخضوع للأفكار والأحكام التي يتبناها، وهذا عكس ما يتبناه الحزب من أول يوم. فالحزب لا يفكر بحماية نفسه وحكمه وأفكاره من الأمّة، وإنما يفكر بأن يجعل الأمّة هي التي تحمي البلاد والدولة والحزب وأفكاره من الأعداء، ومن الكفار والمنافقين. وهو يترسم خُطا الرسول صلى الله عليه وسلم ويسير على هداه في ذلك. فأهل المدينة بعد أن مكث مصعب بن عمير سنة بينهم استطاع أن يجعلهم بمجموعهم يتبنون جميع ما نزل من الإسلام، وجميع ما فيه من أحكام، واحتضنوه واستعدوا لأن يموتوا في سبيل حماية الإسلام، وحماية الرسول صلى الله عليه وسلم، وحماية المسلمين، وحماية الدولة التي سيقيمها الرسول في المدينة.
لذلك لا يجوز أن يغفل الحزب أو أي شاب من شبابه لحظة واحدة عن دوام العمل بين الناس والاتصال بهم، والعيش معهم لإعطائهم مبدأ الحزب حتى يصبح مبدأ لهم يحتضنونه، ويستعدون للذود عنه وعن الحزب وعن الدولة التي سيقيمها بأغلى ما يملكون من الأنفس والأموال. وهذا يقتضي أن يعاود الشباب نشاطهم للاتصال بالأمة سيما أن الأمّة أصبحت لا يحركها إلا الإسلام، ويجب أن يطرحوا من أذهانهم أن العمل الآن في غير النصرة لا قيمة له، كما يجب أن يوطدوا العزم على دوام الحركة والاتصال بالأمة لكسبها، وجعلها تتبنى أفكار الحزب حتى يقودها قيادة فعلية بأفكار الحزب، حسب مفهوم الحزب للقيادة، ويجب أن يدرَك بأن دوام الحركة في الأمّة والاتصال بها وجعل أفكار الحزب هي الطاغية له الأثر الكبير على أعمال النصرة، ويكون من أكثر العوامل التي تزيد في استجابة أهل النصرة. إذ أن أهل النصرة هم من أبناء الأمّة ويتأثرون بما تتأثر به. وكلما كانت أفكار الحزب وآراؤه هي الموجودة وهي المسيطرة في المجالس وهي المتداولة في أحاديث الناس، فإن عمل الحزب في النصرة يكون أفعل في كسب أهل النصرة والتأثير عليهم.
ولتنشيط الشباب يقام بما يلي:
1- يدرس هذا الكتاب دراسة يدرك بها واقع ما جاء فيه على حقيقته، بحيث يدرك الشباب من هذه الدراسة الإدراك الواضح بأنه لا يجوز أن يربط القيام بالأعمال الحزبية بالوصول وعدمه. كما لا يجوز أن يكون تقويم الأعمال الحزبية بمدى ارتباطها المباشر بإقامة الدولة. كما أنه يجب على كل شاب في الحزب أن يقوم بالأعمال الحزبية في كل لحظة وفي كل مكان، لأنها عمل الحزب الدائم من أول قيامه وإلى قيام الساعة، حتى يتمكن الحزب من صهر الأمّة في بوتقة أفكاره ليقودها القيادة الفعلية بحيث لا يبقى في الساحة قائد غيره وحتى يبقى قوَّاماً على الدولة والأمة والمجتمع.
وتكون دراسة الكتاب بالشكل التالي:
أولاً: يدرسه المعتمد مع أعضاء لجنة الولاية.
ثانياً: يدرسه أعضاء لجنة الولاية مع اللجان المحلية.
ثالثاً: يدرسه أعضاء اللجان المحلية مع المشرفين.
رابعاً: يدرسه المشرفون مع شباب حلقاتهم.
2- دوام وجود المسؤولين من أعضاء الولاية والمحليات والمشرفين بين الشباب وجوداً مؤثراً، وليس لمجرد تقطيع الوقت أو التسلية، بل يجب أن يكون اللقاء هادفاً إما لنقاش في أفكار أو آراء أو أحداث، وإما لشرح أمور معينة، وإما لتوجيه أو استفسار، أو لحض أو تشجيع على زيارات أو قيام بأعمال، أو لمصاحبة في زيارات، حتى يتحقق الغرض المرجو من دوام الوجود للمسؤولين بين الشباب. ويجب أن يلاحظ أن لا تكون هذه اللقاءات على حساب القيام بالأعمال أو الاتصالات، وإنما يجب أن يكون من العوامل المشجعة عليها.
كما يجب أن يكون المسؤولون قدوة، وأن يكون عندهم شيء للتحدث فيه. ويمكن أن تتم هذه اللقاءات في صلوات الجماعة في المساجد أو في أي مكان آخر.
3- رجوع المشرفين على الحلقات إلى دورهم السابق بأن يكون المشرف مسؤولاً عن أفراد حلقته، وأن يكون قائداً لهم وموجهاً، وأن يديم لقاءه بهم خلال الأسبوع، وأن يديم مذاكرتهم فيما يمكن أن يقوموا به من أعمال لكسب أفراد، أو لكسب شخصيات، أو لكسب قيادة أماكن، وأن يصاحبهم في زياراتهم، وأن يديم لقاءه بهم وصلتهم في أفراحهم وأتراحهم، وأن تجعل أخوة الإسلام وصحبة الدعوة وما تقتضيه هذه الأخوة وهذه الصحبة من تواد وتراحم وتناصح، الوشيجة والصبغة التي تصطبغ بها علاقة المشرف بشبابه، وعلاقة سائر الشباب ببعضهم، ويجب أن يبعد كل البعد عن التسلط وإلقاء الأوامر. كما أن على المشرف أن يوصل لأفراد حلقته ما يراد إيصاله لهم من أفكار أو آراء أو نشرات أو كتب أو غير ذلك. والمشرف أقدر على القيام بهذه الأعمال من أعضاء المحلية، على أساس أن المشرف عنده حلقة واحدة، فسهلٌ عليه أن يتمكن من اللقاء طيلة الأسبوع بأفراد حلقته ومن دوام قيادتهم وتوجيههم ومصاحبتهم في زياراتهم واتصالاتهم، وأن يصلي معهم صلاة الجماعة في المساجد.
4- إدامة إعطاء أفكار وآراء جديدة للشباب وفق الأحداث والوقائع اليومية، خاصة التي لها مساس كبير بالناس، والتي يحسون بها إحساساً قوياً لتكون هذه الأفكار والآراء زاداً للشباب يتقوون به في اتصالاتهم وزياراتهم.
وينبغي أن تركز الولاية على إعطاء الأفكار والآراء المتعلقة بالأحداث المحلية التي لها صدى عند الناس. ويجب أن تكون هذه الأفكار والآراء والمعالجات التي تعطى هي مما تبناه الحزب، وأن تنزّل على الوقائع وأن تكون مدعومة بالأدلة من النصوص الشرعية حتى نستطيع أن نُحَمِّلَ الأمة ما نَحْمِلُ من أفكار وآراء وأحكام، وحتى نجعلها تتقيد بما نتقيد به من مقاييس وحتى نجعل فهمها للأحداث والوقائع مثل فهمنا لها. وإعطاء الأفكار يكون إما بنشرات، وإما بأوراق صغيرة تحوي بعض الأفكار والآراء تضرب فكراً أو رأياً أو مقياساً أو معالجة، أو تعطي فكراً أو رأياً أو مقياساً أو معالجة تظهر فيها رعاية شؤون الناس. وهذه تعطى للشباب لتوزيعها على الناس. كما تعطى للشباب عن طريق المشافهة أفكار وآراء أو مقاييس أو معالجات لتكون موضوع حديثهم مع الناس في اتصالاتهم وزياراتهم.
5- محاولة تحريك الشباب عن طريق دفعهم وتشجيعهم لقضاء مصالح الناس سواء أكانت خاصة أم عامة, وسواء أكانت المصالح التي يراد قضاؤها تتعلق بالبنايات التي يسكنون فيها أم كانت تتعلق بمراكز أعمالهم, أم أحيائهم أم بلدانهم, أم بغير ذلك, كأن يكون حي أو شارع أو سوق يحتاج إلى توصيل مياه أو كهرباء أو تليفون أو تعبيد, أو يحتاج إلى توسيع مدرسة أو مسجد أو غير ذلك من المصالح, ويتصدى الشباب لقضاء هذه المصالح ويجمعون معهم من يلزمون لذلك من أهل العمارة أو الحي أو الدائرة أو الشارع أو السوق, ويكونون معهم وعلى رأسهم ويتحملون معهم ما يلزم من نفقات.
6- كذلك يحاول تحريك الشباب بدفعهم لمشاركة الناس في أفراحهم وأتراحهم وزيارتهم في المناسبات وفي الأعياد، وفي نواديهم وتجمعاتهم ليزيدوا توطيد صلتهم بهم.
7- تعطى عناية لبناء جسم الحزب وتنميته بمحاولة جلب عناصر جديدة لجسم الحزب من أبناء الجامعات والمعاهد والمدارس وغيرهم من صغار السن، لأن حيويتهم تكون فائقة، وفيهم سرعة الاستجابة والاندفاع وبمثلهم يتجدد شباب الحزب.
8- لا بد من ملاحقة الشباب لتنمية أنفسهم وقدراتهم حتى يكون لهم تأثير أكبر، خاصة بعد قيام الدولة، لأنهم سيصبحون هم ساسة الناس وقادتهم وأهل الرأي والفكر فيهم، فلا بد من أن يكونوا على مستوى المسؤولية. وهذا يقتضي أن يعتني الشباب بأنفسهم لتنمية قدراتهم وإمكاناتهم عن طريق الاستزادة من الثـقافة بالدراسة الفردية، وعن طريق القيام بالأعمال التي تبرزهم، والتي توجِد لهم كياناً واحتراماً، حتى يسهل عليهم التصدي لقيادة الناس لما يحوزون عليه من مؤهلات تجلب الناس إليهم وتفرض احترامهم عليهم.
9- يلقي أعضاء المحليات في الشباب مرة في الشهر موضوعاً من كتب السيرة أو الحديث أو غيرها يتناول صفات المؤمنين وصدق إيمانهم وإخلاصهم النية لله، وتسابقهم على التضحيات وعلى أنواع القرب إلى الله، أو يتناول حياة الصحابة رضوان الله عليهم، من حيث صدقهم الله وإخلاصهم النية له، من حيث تضحياتهم وتفانيهم، وإيقاف أنفسهم على حمل الإسلام، وتسابقهم في السخاء بالأنفس والأموال في سبيل الله، ومن حيث ما يتميزون به من قيم رفيعة تبعث في نفوس الشباب الشوق لأن يصيروا مثلهم. ويقسّم الشباب على أعضاء المحليات بحيث يتولى كل عضو قراءة الموضوع من الكتاب على شبابه، وليس للجلسة مدة محددة.
10- يحض المسؤولون الشباب على التقرب إلى الله بصدق العمل وإخلاص النية له في حملهم الدعوة، وبأن يجهدوا أنفسهم في بعث الحافز الروحي فيهم حتى يغدو قوياً متملكاً عليهم كل جوانحهم، حتى يصبحوا ولا هدف لهم إلا نوال رضوان الله سبحانه وتعالى، وبأن يحملوا أنفسهم على القيام بما هو فوق الفروض والواجبات من التهجد في الليل والزيادة في صلاة التنفل، ومن صيام التطوع، ومن التصدق، وغشيان المساجد وتلاوة القرآن ومدارسة الحديث، وغيرها من القرب يزيدون بها التقرب إلى الله، حتى يكون ذلك ذخراً لهم عنده، ودافعاً لهم لزيادة الإخلاص والتفاني في حمل الدعوة، جاهدين ليلحقوا بالصحابة -رضوان الله عليهم- في إقبالهم على الله وإخلاصهم النية له، ووقف أنفسهم على الإسلام وحمله، واستعدادهم للموت والاستشهاد في سبيله.
11- يلاحق المسؤولون الشباب لتنشيطهم وحضهم على القيام بهذه الطاعات، ويجب أن يعملوا من أنفسهم خير قدوة للشباب في ذلك. وينبغي أن تكون ملاحقتهم للشباب في هذه الناحية ملاحقة للحض والتشجيع والتنشيط، وليست للمحاسبة والتقريع وإيقاع العقوبات.
4 صفر 1401هـ
11/12 /1980م