بسم الله الرحمن الرحيم

صعوبات قيام الدولة الإسلامية

ليس قيام الدولة الإسلامية سهلاً ميسوراً، لأن استئناف الحياة الإسلامية ليس بالأمر الهين. فهناك عراقيل شتى وضخمة تقوم في وجه قيام الدولة الإسلامية لا بد من إزالتها، وصعوبات كثيرة وكبيرة تقف في طريق استئناف الحياة الإسلامية لا بد من التغلب عليها، لأن الأمر لا يتعلق بقيام دولة أيُّ دولة، ولا بقيام دولة تسمى إسلامية، بل الأمر يتعلق بقيام دولة إسلامية تطبق الإسلام نظاماً منبثقاً عن العقيدة الإسلامية، تطبقه أحكاماً شرعية باعتبارها حكم الله، فتستأنِف الحياة الإسلامية كاملة في الداخل، وتحمِل الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة في الخارج. وهذه الدولة الإسلامية يجب أن تقوم على النفسية الإسلامية المكوّنة من العقيدة الإسلامية، ومن أفكار الإسلام وأحكامه وعلى العقلية الإسلامية المشبَعة بالفكر الإسلامي والمكوّنة تكويناً فكرياً على الإسلام بفكرته وطريقته حتى تقوم على الشخصية الإسلامية وقبل كل شيء، ثم تقوم على القوانين والنظم التي تنبثق عن العقيدة الإسلامية، وذلك حتى تنبعث حوافز هذه الحياة من داخل النفس فتوجَد العقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية التي تكفل تنفيذ النظم والقوانين تنفيذاً طوعياً عن شوق واطمئنان من كل من الحاكم والمحكوم على السواء، ولا بد أن تكون هذه الدولة إسلامية في الأمّة التي تقيمها، وفي أولي الأمر الذين يتولون رعاية شؤون الأمّة، إسلامية في جميع حياتها، محققة استئناف الحياة الإسلامية تحقيقاً يمكّنها من حمل رسالتها للعالم، ويمكّن غير المسلمين من مشاهدة نور الإسلام في دولته حتى يدخلوا في دين الله أفواجاً، ولذلك كانت الصعوبات التي تقف في طريق استئناف الحياة الإسلامية، أو تقوم في وجه قيام الدولة الإسلامية كثيرة لا بد من معرفتها، ولا بد من العمل على التغلب عليها. وأهم هذه الصعوبات ما يأتي:

1- وجود الأفكار غير الإسلامية وغزوها للعالم الإسلامي: وذلك أن العالم الإسلامي -وقد مر في العصر الهابط وكان ضحل التفكير، عديم المعرفة، ضعيف العقلية، بسبب انحطاطه العام- قد غُزي وهو على هذه الصورة بالأفكار غير الإسلامية المناقضة لأفكار الإسلام، والقائمة على أساس مغلوط وعلى فهم خاطئ للحياة ولما قبلها وما بعدها، فوَجدت هذه الأفكار تربة خصبة خالية من المقاومة فتمكنت منها، ولذلك تشبعت عقلية المسلمين، ولا سيما فئة المثقفين، بهذه الأفكار فكوّنت فيها عقلية سياسية مشبعة بالتقليد، بعيدة عن الابتكار، غير مستعدة لقبول الفكرة الإسلامية سياسياً، وغير مدرِكة لحقيقة هذه الفكرة، وعلى الأخص من الناحية السياسية، ولذلك كان لزاماً أن تكون الدعوة الإسلامية: دعوة إلى الإسلام، ودعوة إلى استئناف حياة إسلامية، فيدعى غير المسلمين للإسلام بشرح أفكار الإسلام، ويدعى المسلمون إلى العمل لاستئناف الحياة الإسلامية بتفهيمهم الإسلام. وهذا يقضي بأن يبين ما في الأفكار الأخرى غير الإسلامية من زيف، وما في نتائجها من أخطار، وأن تأخذ الدعوة طريقها السياسي، وأن يُسعى لتثقيف الأمّة ثقافة إسلامية تبرز فيها الناحية السياسية. وبهذا يمكن التغلب على هذه الصعوبة.

2- وجود البرامج التعليمية على الأساس الذي وضعه المستعمِر، والطريقة التي تطبق عليها هذه البرامج في المدارس والجامعات، وتخريجها لمن يتولى أمور الحكم والإدارة والقضاء والتعليم والطب وسائر شؤون الحياة، بعقلية خاصة تسير فيها وفق الخطة التي يريدها الكافر المستعمِر، حتى كان الحكم كما نشاهده هو أن يُستبدل بموظفين مستعمِرين موظفين من المسلمين يكون عملهم حراسة ما أقام المستعمِر من حدود وقوانين وثقافة سياسية وأنظمة وحضارة وغير ذلك والدفاع عنها كدفاعه هو أو أشد، وطريق التغلب على هذه الصعوبة هو كشف هذه الأعمال لهؤلاء الحكام والموظفين وغيرهم لهم وللناس جميعاً حتى تبرز بشاعة الناحية الاستعمارية الموجودة فيها ليتخلى هؤلاء عن الدفاع عنها حتى تجد الدعوة طريقها إلى هؤلاء المسلمين.

3- استمرار تطبيق البرامج التعليمية على الأساس الذي وضعه الكافر المستعمِر، وحسب الطريقة التي أرادها، مما جعل جمهرة الشباب من المتخرجين وممن لا يزالون يتعلمون يسيرون باتجاه يناقض الإسلام. ولا نعني ببرامج التعليم البرامج العلمية والصناعية فإن هذه عالمية لا تختص بها أمّة من الأمم بل هي عالمية لجميع الناس، وإنما نعني البرامج الثقافية التي تؤثر على وجهة النظر في الحياة فهذه هي التي جَعلت برامج التعليم تقف صعوبة عن استئناف الحياة الإسلامية، وهذه المعارف تشمل التاريخ والأدب والفلسفة والتشريع، وذلك لأن التاريخ هو التفسير الواقعي للحياة، والأدب هو التصوير الشعوري لها، والفلسفة هي الفكر الأصلي الذي تبنى عليه وجهة النظر في الحياة، والتشريع هو المعالجات العملية لمشاكل الحياة والأداة التي يقوم عليها تنظيم علاقات الأفراد والجماعات، وهذه كلها قد كوّن بها الكافر المستعمِر عقلية أبناء المسلمين تكويناً خاصاً جعل بعضهم لا يشعر بضرورة وجود الإسلام في حياته وحياة أمته، وجعل البعض منهم أيضاً يحمل عداء للإسلام منكراً عليه صلاحيته لمعالجة مشاكل الحياة، ولذلك لا بد من تغيير هذه العقلية، وذلك بتثقيف الشباب خارج المدارس والجامعات ثقافة مركزة، وثقافة جماعية، بالأفكار الإسلامية والأحكام الشرعية، حتى يمكن التغلب على هذه الصعوبة.

4- وجود إكبار عام لبعض المعارف الثقافية واعتبارها علوماً عالمية، وذلك كعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلوم التربية، فإن الناس يعتبرون هذه المعارف علوماً، وأن الحقائق التي جاءت بها هي نتيجة تجارب، ويحملون لها إكباراً عاماً، ويأخذون ما تأتي به قضايا مسلّمة يحكّمونها في أمور الحياة وهي تعلَّم في مدارسنا وجامعاتنا كعلوم، ونطبقها في الحياة ونستعين بها في أمور الحياة، ولذلك يُستشهد بما قاله علماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء التربية أكثر مما يُستشهد بالقرآن والحديث، ولهذا وُجدت عندنا أفكار ووجهات نظر خاطئة من جراء تعلم هذه العلوم، من جراء إكبارها، ومن جراء تحكيمها في أمورنا في الحياة. وصار من الصعوبة بمكان أن يُقبل القول الذي يخالفها، وهي في جملتها تؤدي إلى فصل الدين عن الحياة، وتؤدي إلى محاربة قيام الدولة الإسلامية.

والحقيقة أن هذه المعارف هي ثقافة وليست علماً، لأنها تأتي عن طريق الملاحظة والاستنباط، ولا توجَد فيها تجارب. وتطبيقها على الناس لا يعتبر تجارب، وإنما هو ملاحظات متكررة على أشخاص مختلفين، وفي ظروف وأوضاع مختلفة، فهي ملاحظة واستنباط وليست تجربة كتجربة المختبر حين يجرّب فيه الشيء أو يجرّب عليه، ولذلك تدخل في الثقافة لا في العلم، وفوق ذلك فهي ظنية قابلة للخطأ والصواب، على أنها مبنية على أساس مغلوط، لأنها مبنية على النظرة للفرد والمجتمع، فهي مبنية على النظرة الفردية، ولهذا تنتقل نظرتها من الفرد إلى الأسرة، إلى الجماعة إلى المجتمع، على اعتبار أن المجتمع مكون من أفراد، ولهذا تعتبر المجتمعات منفصلة، وأن ما يصلح لمجتمع لا يصلح لمجتمع آخر. والحقيقة أن المجتمع مكوّن من الإنسان والأفكار والمشاعر والأنظمة، وأن ما يصلح للإنسان من أفكار ومعالجات في مكان ما يصلح للإنسان في كل مكان، ويحوّل المجتمعات المتعددة إلى مجتمع واحد تصلحه الأفكار والمشاعر والأنظمة. فخطأ النظرة إلى المجتمع ترتب عليها خطأ النظريات التربوية في علوم التربية، وخطأ النظريات في علم الاجتماع، لأنها مبنية على هذه النظرة، كما أنها مبنية على علم النفس وهو في جملته خطأ من وجهين: أولاً لأنه يعتبر الدماغ مقسماً إلى مناطق، وأن كل منطقة لها قابلية خاصة، وأن في بعض الأدمغة قابليات ليست موجودة في أدمغة أخرى، مع أن الحقيقة أن الدماغ واحد وأن تفاوت الأفكار التي تنتج واختلافها تابع لتفاوت المحسوسات والمعلومات السابقة واختلافها، وأنه لا توجد في دماغ قابلية لا توجد في الآخر بل جميع الأدمغة فيها قابلية الفكر في كل شيء متى توفر الواقع المحسوس والحواس والمعلومات السابقة للدماغ، وإنما تتفاوت الأدمغة في قوة الربط، وفي قوة الإحساس، كما تتفاوت العيون في قوة الإبصار وضعفه، ولذلك يمكن إعطاء كل فرد أي معلومات، وفيه قابلية لهضمها، ولذلك لا أساس لما جاء في علم النفس من القابليات، وثانياً يَعتبر علم النفس الغرائز كثيرة منها ما اكتُشف ومنها ما لم يُكتشف، وبنى العلماء على هذا المفهوم للغرائز نظريات خاطئة. والحقيقة أن المشاهَد بالحس مِن تتبُّع الرجع أو رد الفعل أن الإنسان فيه طاقة حيوية لها مظهران، أحدهما يتطلب الإشباع الحتمي وإذا لم يُشبع يموت الإنسان، والثاني يتطلب الإشباع وإذا لم يُشبع يبقى الإنسان حياً ولكنه يكون قلقاً من عدم الإشباع. والأول هو الحاجات العضوية كالجوع والعطش وقضاء الحاجة، والثاني الغرائز وهي غريزة التدين وغريزة النوع وغريزة البقاء، وهذه الغرائز هي الشعور بالعجز، والشعور ببقاء النوع، والشعور ببقاء الذات، ولا يوجد غير ذلك، وما عدا هذه الغرائز الثلاث هي مظاهر للغرائز كالخوف والسيادة والملكية مظاهر لغريزة البقاء، والتقديس والعبادة مظاهر لغريزة التدين، والأبوة والأخوة مظاهر لغريزة النوع. فاعتبار علم النفس للغرائز اعتباراً خاطئاً، واعتباره الدماغ اعتباراً خاطئاً، أدى إلى خطأ النظريات التي بنيت على أساسهما، وبالتالي أدى إلى خطأ علوم التربية التي تأثرت بعلم النفس.

وعليه فعلم الاجتماع وعلوم التربية وعلم النفس معارف ثقافية، وفيها ما يناقض الفكرة الإسلامية، وهي في جملتها خطأ، فبقاء الإكبار لها وتحكيمها يؤدي إلى إيجاد صعوبة تقف في وجه العمل في الدولة الإسلامية، ولذلك يجب أن يبين أنها معارف ثقافية وليست علوماً، وأنها ظنية وليست حقائق قطعية، وأنها مبنية على أسس خاطئة، ولذلك لا تحكّم في الحياة وإنما يحكّم الإسلام.

5- كون المجتمع في العالم الإسلامي يحيا حياة غير إسلامية، ويعيش وفق طراز من العيش يتناقض مع الإسلام، وذلك لأن جهاز الدولة، ونظام الحكم، الذي يقوم عليه هذا الجهاز والمجتمع، وقواعد الحياة التي يقوم عليها هذا المجتمع بكل مقوماتها، والاتجاه النفسي الذي يتجهه المسلمون، والتكوين العقلي الذي يقوم عليه تفكيرهم. كل ذلك يقوم على أساس مفاهيم عن الحياة تناقض المفاهيم الإسلامية. فما لم تتغير هذه الأسس وتصحَّح هذه المفاهيم المغلوطة، يكون من الصعب تغيير حياة الناس في المجتمع، ومن الصعب تغيير جهاز الدولة وقواعد المجتمع والاتجاهات النفسية والعقلية التي تتحكم بالمسلمين.

6- بُعد الشقة بين المسلمين والحكم الإسلامي، ولا سيما في سياسة الحكم وسياسة المال، يجعل تصور المسلمين للحياة الإسلامية ضعيفاً، ويجعل تصور غير المؤمنين بالإسلام للحياة الإسلامية تصوراً عكسياً، لا سيما وقد عاش المسلمون مدةً يساء فيها تطبيق الإسلام عليهم من قبل الحكام، كما عاشوا مدة ثلث قرن يُحكمون من قبل عدوهم على نظام يناقض الإسلام في كل شيء، وفي سياسة الحكم وسياسة المال بوجه خاص، ولهذا كان لا بد من أن يرتفع الناس عن الواقع السيء الذي يعيشون فيه، وأن يتصوروا الحياة التي يجب أن يحيوها، والتي يجب أن يغيّروا واقعهم ويحوّلوه إليها. وكان لا بد أن يتصورا أن هذا التحول إلى الحياة الإسلامية لا بد أن يكون تحولاً كاملاً غير مجزأ، وأن تطبيق الإسلام لا بد أن يكون انقلابياً (أي دفعة واحدة) لا تدريجياً بالتجزئة والترقيع، حتى يقرب إليهم تصور واقع الحياة يوم كان عز الإسلام.

7- وجود حكومات في البلاد الإسلامية تقوم على أساس ديمقراطي وتطبق النظام الرأسمالي كله على الشعب وترتبط بالدول الغربية ارتباطاً سياسياً وتقوم على الإقليمية والتجزئة. وهذا يجعل العمل لاستئناف الحياة الإسلامية صعباً لأنها لا يتأتى إلاّ إذا كان شاملاً، لأن الإسلام لا يبيح جعل البلاد الإسلامية دولاً، بل يُلزم جعلها دولة واحدة. وهذا يقتضي شمول الدعوة وشمول العمل وشمول التطبيق وهو يتعرض لمقاومة هذه الحكومات للدعوة الإسلامية ولو كان رجالها من المسلمين، ولهذا كان لا بد من حمل الدعوة الإسلامية في كل إقليم، ولو أدى إلى تحمل الصعوبات والمشقات التي تنشأ عن معارضة الحكومات في البلاد الإسلامية.

8- وجود رأي عام عن الوطنية والقومية والاشتراكية، وقيام حركات سياسية على الأساس الوطني والقومي والاشتراكي، وذلك أن استيلاء الغرب على بلاد الإسلام وتسلمه زمام الحكم فيها وتطبيقه النظام الرأسمالي عليها أثار في النفوس الميل للدفاع عن النفس، فنتجت عنها العاطفة الوطنية للدفاع عن الأراضي التي يعيش عليها، وأثار العصبية العنصرية للدفاع عن النفس وعن العائلة وعن القوم والعمل لجعل الحكم لهم، فنشأت عن ذلك حركات سياسية باسم الوطنية لطرد العدو من البلاد، وباسم القومية لجعل الحكم عليها لأهلها، ثم تبين للناس فساد النظام الرأسمالي وعدم صلاحيته، وانتشرت بينهم دعاية للاشتراكية فقامت تكتلات باسم الاشتراكية لترقيع الرأسمالية، ولم يكن لهذه الحركات أي تصور لنظام الحياة إلاّ التصور الارتجالي مما أبعدهم عن المبدأ وأبعدهم عن الإسلام بوصفه مبدأ عالمياً.


من كتاب الدولة الإسلامية