بسم الله الرحمن الرحيم
سلّـم القِِـيَـم
يطلق الغربيون القيمة على درجة أهمية الشيء بالنسبة لشخص معين أو شيء آخر. فالقيمة عندهم نسبية وليست حقيقية، لأنها منسوبة لشخص معين أو شيء آخر. فالقيمة عندهم في الشيء من منفعة في ذاته مع ملاحظة عامل الندرة مجرد ملاحظة، فلا تدخل في تقدير الأشياء. وعلى أي حال فإن القيمة هي المقياس الذي تقاس به السلع والخدمات سواء عند المسلمين أم غيرهم، أي من حيث مقدار نفعها، وكان تبعا لذلك معرفة القيمة وتقديرها أمراً ضرورياً للحياة المادية أي للاقتصاد.
هذا بالنسبة للقيمة المادية، أما القيمة المعنوية والروحية فإنها تقدر عند الغربيين بدرجة منفعتها أيضاً، فالكرم والشهامة والوفاء والنجدة، كل تلك الأشياء تعتبر لها قيمة إذا كانت لها أهمية بالنسبة لشخص معين أو بالنسبة لشيء آخر، أمّا إن لم تكن لها أهمية فلا قيمة لها. وكذلك عندهم العبادة، وبناء أمكنتها، وتعلّم أحكام الدين، أي ما كان متعلقاً بالقيمة الروحية، فإن لها قيمة إذا كان لها أهمية بالنسبة لشخص معين أو شيء آخر.
أمّا بالنسبة للمسلمين، فإن القيمة عندهم ليست اعتبارية وإنما هي قيمة حقيقية، فالقيمة المعنوية والروحية كلها فرع واحد، وهي القيمة الروحية، وهي تعني التقيد حسب أوامر الله ونواهيه، فما أمر الله العمل به أو خيّر فيه فإن له قيمة، وإن نهى عنه فليست له قيمة أبداً.
هذا بالنسبة للأعمال وكذلك بالنسبة للأشياء، فإنها ليست هي قيمة اعتبارية وإنما هي مقدار ما قدر الله فيها من منفعة، فهي هي لا تتغير ولا يطرأ عليها تبديل إن زاد العرض أو قل أو كثر الرواج أو لم يكثر، فما جعل الله فيه قيمة فهي كذلك، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولما كان الإنسان يسير طبيعياً في تقدير الأشياء والأعمال حسب ما فيها من منفعة، وكانت قيمة الشيء والعمل تعني التقدير الجماعي لذلك الشيء والعمل، فإنه كذلك إذا ترك وشأنه يجري طبيعياً في تقدير الأمور الروحية حسب ما فيها من منفعة، ولذلك ترك الله للإنسان تقدير قيمة الأشياء المادية والأعمال المادية، وقدر هو قيمة الأمور الروحية بما فيها المعنوية، وعين أوجه التفاضل بينها، فجعل لطاعة الوالدين قيمة، ولكنه جعل لأعمال الجهاد قيمة أكبر، وجعل للسعي على العيال قيمة، وجعل لدفع العدو عن بلده الإسلامي قيمة أكبر، وجعل لبناء المساجد قيمة ولكنه جعل لحمل الدعوة قيمة أكبر (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله)، وهكذا، فالله تعالى كما عيّن للأعمال قيمة، قد رتّب سلّم القيم ترتيباً معيناً، فجعل في رأس سلم القيم الإسلام والجهاد في سبيل الله والدفاع عن الإسلام، ولذلك نجده تعالى يقول: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) صدق الله العظيم. ومعنى (بأمره) هنا، بعذابه، وهو تهديد لمن يجعلون هذه الأمور أحب إليهم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فرتب القيم وعيّنها وهدد على مخالفتها، ولذلك لم يبق مجال للمسلم أن يجعل أي شيء في رأس سلم القيم غير الله ورسوله وجهاد في سبيله، أي غير الإسلام والجهاد. ثم صار بعد ذلك ترتيب باقي الأمور بحسب ما جاءت به الأحكام الشرعية، ولهذا لا يحل للمسلم أن يجعل حياته في رأس سلم القيم، وأولاده ورفاهيتهم أو عيشهم ثم الإسلام والجهاد، فإنه إن فعل ذلك أثم واستحق عذاب الله، كما هو صريح، فلا بد أن يجعل المسلم الإسلام والجهاد في سبيل الله والدعوة لدين الله وإعلاء كلمة الله في رأس سلم القيم، ثم بعد ذلك تأتي باقي الأمور ولكن لا على حسب منفعتها، بل بحسب ما رتبها الله بالنسبة لبعضها من القيم. والذين أخذوا على أنفسهم حمل الدعوة الإسلامية والكفاح في سبيل استئناف حياة إسلامية فإنهم يكونون بداهة قد أضافوا إلى التزاماتهم جعل الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم.. الخ، أضافوا التزامهم العمل بذلك عملياً مع جماعة في كتلة متكتلة، ولذلك لا مجال لتذكيرهم بترتيب سلم القيم الذي رتبه الله لأنهم قرأوه في القرآن والتزموه عملياً في تكتلهم أو سيرهم مع الكتلة لا فرق بين حزبي ودارس، وهم إذا لم يراعوا هذا الترتيب في القيم وحصل عندهم اضطراب في ميزان القيم هذه فإنهم ولا شك لن يبقى مع هذه الكتلة من هم من غير جنسها. ولكن الذي يذكّر به الشباب هو قيمة القيام بأعمال الدعوة الجزئية لا القيام بحمل الدعوة نفسها، فقد صار عند البعض من حملة الدعوة زهد في الثواب والاقتصار على العمل لرفع الإثم. وصار تقصير بالواجب وترك للفرض وصار فوق ذلك عدم إحسان للعمل والاقتصار على سلم القيم من السقوط، فأبقى في الحزب بقية من أعضاء الشرف، لذلك كان لا بد من تذكير الشباب بالمحافظة على سلم القيم كله لا على الاقتصار على ما يجعله الله في رأس سلم القيم، وتذكيرهم بأن يبذل نفسه في سبيل رضاه أن الكسل الجسمي والعقلي مرض من أخبث الأمراض، وأن البخل في بذل الجهد للقيام بما يرفع الإثم أو يجلب الأمر هو من أشد أنواع البخل عند الله. إنه مما يؤلم نفس المؤمن أن يوجد فينا من يتهرب من توزيع المنشورات ومن لا يؤدي فرض توزيعها على الوجه الذي طلب منه، ومن لا يسابق على الكمية الاكثر وأن يوجد فينا من يفضّل أخذ حلقة على إعطاء حلقة مع قدرته على ذلك، وأن يوجد فينا من لا يقوم بالاتصالات والمناقشات، ومن يؤدي ما كُلف به من اتصالات أداء جزئياً في أضيق نطاق، ومن ينتحل الأعذار لعدم القيام بما كُلف به من اتصالات، ألا يدرك هؤلاء أن توزيع المنشور فرض كركعة الصلاة وكضربة للعدو بالسلاح في معركة القتال؟ فالله حين أمر بالصلاة اندرج أمره بالركعة الواحدة في هذا الأمر العام، وحين أمر بالجهاد اندرج أمره بالضربة الواحدة، وحين أمر بحمل الدعوة الإسلامية واستئناف الحياة الإسلامية اندرج أمره بتوزيع النشرات في هذا الأمر العام، فتوزيع المنشورات فرض كفرض الصلاة وكفرض الجهاد سواء بسواء، وعدم القيام به إثم كعدم القيام بالركعة في الصلاة سواء بسواء.
صحيح أنه فرض على الكفاية ولكن طالما أن الكفاية لم تتم فالقيام بفرض العين أو الفرض على الكفاية واحد لا فرق فيه، والثواب والإثم عليهما كليهما. ومتى حصلت الكفاية حتى يستحِل شاب التقصير في توزيع النشرات أو غيرها؟ لأن حكم التوزيع يجري على الحلقات والاتصالات والمناقشات، لأنها كلها أجزاء في حمل الدعوة بل هي نفسها حمل الدعوة، ثم إن فرض الجهاد هو على الكفاية ولكن حين لم تحصل الكفاية جُعل فرض عين حتى تحصل، فالله عاتب المتخلفين عن غزوة تبوك وبيّن قيمة الأعمال الجزئية في الجهاد في عتابه المتخلفين، قال تعالى: (ما كان لأهل المدينة أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلاّ كُتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) صدق الله العظيم. فبيّن الله لهؤلاء المتخلفين ما يبعث الحسرة في نفوسهم على هذا التخلف، وكان بيانه هذا في بيان الأعمال الجزئية، إذ بيّن سبعة أعمال جزئية تحصل في الجهاد، وبيّن قيمتها بتفصيل، مما يعيّن للمسلمين أن الأعمال الجزئية التي تحصل حين القيام بالعمل الكامل لها قيمة حقيقية في ثواب القيام بالعمل، وأن لها أثراً كبيراً فيه ومنزلة عظمى عند الله. وقد عاتب الله المؤمنين على حرمانهم منها حين تخلفوا عن الجهاد، وكذلك أعمال الدعوة كلها من توزيع منشورات وإعطاء حلقات والقيام بمناقشات وغير ذلك، فإنه لا يصيب المسلم منها ظمأ ولا نصب ولا مخمصة ولا يقوم بعمل يغيظ الكفار والمنافقين ولا ينفق نفقة، ولا ينتقل من مكان إلى مكان إلاّ كتب الله له عملاً صالحاً فوق إسقاط الواجب ورفع الإثم.
فكيف يطيق المسلم وقد حمل الدعوة طلباً لرضوان الله أن يتخلف عن الأعمال الجزئية وفيها فوق رفع الإثم هذا الثواب العظيم.
لهذا صار لزاماً على حملة الدعوة أن يدركوا أن قيمة ما يبذلون من جهد جسمي وعقلي هو أقل قيمة من توزيع المنشورات وإعطاء الحلقات أو القيام بمناقشات، بل هناك فرق شاسع بين القيمتين، قيمة الراحة وقيمة ما يكتبه الله له من عمل على هذا العمل. فيجب أن يصحَّح عندنا وضع قيمة الأعمال الجزئية في الدعوة تصحيحاً يقينياً منبثقاً عن العقيدة الإسلامية لما لهذا التصحيح من أثر على نفسيتنا الإسلامية وعلى قوة الحزب الذي نعتقد أن الأمّة في أشد الحاجة إليه.