بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة إلى الشباب
أخي الكريم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
فإننا نحمد الله سبحانه وتعالى الذي أكرمنا بدين الإسلام العظيم، وجعلنا من أتباعه، ومنّ علينا بحسن فهمه، وجعلنا من العاملين له، الراغبين بما عنده من جزاء وحُسن مآب، العازفين عن الدنيا ومتاعها وزينتها، وبعد:
فقد طال بنا المسير، وبعدت الشُقّة، وعظمت الخطوب، وتغطرس أعداء الله في الأرض، وأمعنوا بإيذاء الدعوة إلى الحق، واشتطوا بصد المسلمين عن دينهم، ومنعهم لهم من الدعوة لإعادة الخلافة التي أوجب الله علينا إقامتها في الأرض، ونزلت بالمسلمين الفتن كقطع الليل المظلم، ولم يعد يشق ظلامها الدامس إلا كلماتهم المضيئة التي تصل متوهجة في ظلام العتمة، حارة لتسخن مجتمعاً انشغل أهله راكضين وراء الرغيف فعادوا آخر النهار بكِسرة خبز متعَبين، يشغل تفكيرهم وحسهم هموم التحايل والعمل لتأمين كِسرة الخبز لليوم القادم، وعلى كلماتهم الحارة تُعقد الآمال لتحريك الهمم المتعَبة، والعقول المشغولة، والنفوس المتكاسلة، وعلى تلك الكلمات الحارة واللهجة الصادقة نعوّل الكثير لتسخين حرارة هذا المجتمع، غير أن هذا التعويل ليس عيشاً في الفراغ، وليس تحليقاً في الخيال، وليس إغماضاً للأعين عن الحقائق، بل هو فهم لنواميس الكون، ولطبائع الشعوب، ولتكوين المجتمعات وبنائها. هذا التعويل لم يأت إلى بعد دراسة قرآنكم وما فيه من سير الأنبياء وحال مجتمعاتهم وطريقة عرضهم للأفكار عليها، ودراسة سيرة نبيكم الكريم عليه الصلاة والسلام ومجتمعه وطريقته صلى الله عليه وسلم بطرح الأفكار على المجتمع، والتحول الذي حصل للمجتمع نتيجة تفاعل الأفكار معه، وكيف تحول الظلام فيه إلى نور مشرق، والبرودة فيه إلى حرارة متّقدة، أضاءت الدرب وحرقت الفساد، لهذا فإن ما تقومون به من أعمال، هي في نظر عدوكم أكبر مما هي في نظركم، وهي في ميزان أعمالكم يوم القيامة أثقل مما تظنون وأعظم مما تتوقعون، كيف لا وأنتم وحدكم أخذتم على عاتقكم حمل الحق الثقيل، وتواصيتم به وبالصبر عليه، ولم تجدوا عليه أعواناً، وليس لكم غير الله ولياً ونصيراً، كيف لا وأنتم تقولون للجبابرة في الأرض، الذين ركع لهم الأشقياء من بني البشر، إن دولتكم وعرشكم إلى زوال كعروش كسرى وقيصر، كيف لا وصحف أعدائكم قد كتبت مراراً أنه لم يبق من يجرؤ على معارضة الحكم في بلد كذا إلا حزبكم. إنكم أنتم الذين تقولون للظالم: يا ظالم، أنتم الذين تريدون الأخذ على يد الظالم، وتقصرونه على الحق قصراً، وتأطرونه على الحق أطراً، وبكم سيرفع الله السخط عن أمتكم، وبسببكم فإن الله لن يتبرأ من الأمّة حيث قلتم للظالم: يا ظالم، ولولاكم لكانت الأمّة قد تُوُدِّع منها.
إن ما يقوم به الشاب من الاتصالات اليومية المستمرة والمتكررة، وما يتقصده من زيارات لغير المعارف ومن احتكاك في مجتمعه بغية طرح الفكر فيه، وقصد تسخينه، ورغبة في جلب شخص للحزب، أو كسب ولائه وتأييده، لسحب البساط من تحت أرجل الظالمين، أو لتحييد خصم لدود عن معاداة الدعوة وشبابها، وبناء علاقة معه لتخفيف نقمته على الحزب، أو إفهام خصم جاهل لفكر الحزب لإنارة عقله وقلبه ليكون رديفاً لدعاة الخلافة بدل أن يكون خصماً جاهلاً مسلطاً ضدهم، أو لزعزعة ثقة السياسيين العاملين في ركاب الدولة بزعامتهم وبسلاح سوسهم للأمة لبذر الضعف في نفوسهم وبالتالي ليقوموا بأعمالهم وهم يتثاوبون تماماً كما يقوم المنافق بصلاته لعدم ثقتهم بأعمالهم وقيادتهم، هذه الاتصالات وتلكم الأهداف يثمنها عدوكم بأكثر مما تظنون، ويخشاها خصمكم أكثر مما يخشى الجيوش الجرارة، ولذا لم يكن صدفة أن تتكالب عليكم الدول كافة، وأن تحاربكم الحكومات المتعاقبة التي ترفع شعارات الانفراج السياسي قبل تلك التي تهدد بالبطش، ولا عجب أن تحاربكم الدول التي ترفع شعارات الاشتراكية كما تحاربكم الدول التي تسير علناً مع الغرب، وليس هذا إلا نتيجة لإدراك الغرب والشرق لخطورة عملكم وصعوبة الواقع الدولي بعد إقامتكم لدولتكم على دول الكفر قاطبة، رغم أن عدوكم يعرف بدقة حجمكم المتواضع، وعددكم الضئيل، ولكنه يقدركم بقدركم، ويقدّر أفكاركم بالحجم الذي يمكن أن تحدِثه في المجتمع من تغيير، ويدرك طبيعة المجتمعات، وكيف تسخّن، وكيف تبنى وتُهدم، ولذلك أتت لعملاء الكفر، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، الأوامر المشددة لحربكم، العرب منهم واليهود، النصارى منهم والنصيريين، فنفّذوا أوامر الكفار حرصاً على مصالح الكفر قبل الحرص على كراسيّهم. غير أن تثبيت الله لكم، وولاء مجتمعكم لأفكاركم، ومحبة الناس لكم، جعلكم تثبتون، وجعل منكم أمراً واقعاً رغم كيد الكائدين، ومكر الماكرين (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
إن الحلقات الأسبوعية التي تدرسونها، وتركّزون فيها أفهامكم، وتشحذون فيها هممكم، وتصقلون فيها أفكاركم، وتبنون فيها الشخصيات الإسلامية، وتربّون فيها الساسة والقادة لمجتمعكم، هي عمل سياسي فيه الأجر والمثوبة عند الله، ولا يصح التهاون بشأنها أو التكاسل، أو الاستخفاف بمردودها على الحزب والشباب، ولا بد من القيام بها بالحزم والجدية والمرونة الكافية حتى تحقق ما أريد منها من أهداف وغايات، ولا يحل التفلت منها لمن ارتضى السير في هذا الدرب وتجشم صعابه وأهواله.
أما الحلقة الشهرية، فإنها حلقة الحزب، ويجب تسييرها إما ببحث يكتبه أحد الشباب أو بدراسة بحث من كتب الدعوة المتعددة، أو من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من حياة أحد أصحابه الكرام، أو بحث في تفسير القرآن الكريم، أو تفسير آيات معينة من كتاب الله. ومقاصد الحزب من الحلقة الشهرية هذه كثيرة، سواء في بناء السياسيين أو في التعود على الانضباط أو التعود على الاستماع أو طرح الأسئلة والإجابة عليها والنقاش في الفكرة المعينة كطريقة خاصة في الدرس، عداك عن تنمية روح البحث والتنقيب لدى شباب الحزب ليرودوا المكتبات ويرتووا من معين الثقافة الإسلامية وتراثها العظيم.
أما الالتزامات المالية التي تقدمونها لتسيير أعمال الحزب، فإنها من الأهمية بمكان عظيم، ولا يحل لشاب أن يبخل على الدعوة مما آتاه الله من المال، لضمان سير الدعوة على الوجه الأمثل، فإن حزبكم قد نشأ والحمد لله ذاتياً، وبُني على أكتافكم وأنفق عليه من جيوبكم، فلا تستهينوا بما تقدمونه من المال، ولا تحقروا ما تستطيعون تقديمه.
وإن حمل الدعوة قبل كل شيء هو التزام بالإسلام، وعيش له، وبالتالي فإن حامل الدعوة هو إسلام متحرك، صلته بالناس دعوة، ورؤيتهم له دعوة، فالالتزام الكامل بالإسلام، والتأسي برسوله الكريم، والاقتداء به هو من أولويات حمل الدعوة، فلا بد أن تظهر شفافية الدعوة، ونقاؤها، وصفاء حَمَلتها، ومستواها من النضج والعمق، واستنارة فكرها من خلال الداعية نفسه، بمجرد عيشه بين الناس، وقبل أن يخاطبهم بالدعوة، فيُعرف لأول وهلة أنه ذو مواصفات خاصة.
إن ثباتكم على هذا الأمر، وتكثيركم لسواد الصف المعادي للكفر، الواعي على حال الأمّة، المتلمس لطريق النهضة، وتحمّلكم للأذى في سبيل ذلك، من سنوات أعماركم، ومن نقص بأموالكم، وتفريط بتجارتكم، وبمكانتكم بين الناس، قد أثار غيظ عدوكم، ولكم في ذلك عند الله جزيل العطاء، فإنكم لا تطئون موطئاً يغيظ الكفار، ولا تقطعون وادياً إلا كُتب لكم به عمل صالح، وإن توزيعكم لنشرات الحزب مخاطِبين أمتكم، ناصحين لها أو محذرين، مبشرين لها أو منذرين، وإغاظتكم للكفرة وعملائهم وجنود عملائهم، وإسماعكم للقوم ما يكرهون، إنْ هذا إلا تأسٍ بسيرة نبيكم في حمل دعوته، وإن تحملكم للأذى في سبيل ذلك يحقق لكم الدرجات العُلى في الجنة، لتجاوروا صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وتنالوا الجنة دون حساب. ولقد مرّ الصحب الكرام رضوان الله عليهم بمثل هذا الدور الذي أنتم به الآن، فها هو أبو عبيدة يصف حالهم فيه فيقول: "لقد كنا والله نقاسي أحوالاً تشيّب النواصي، وأهوالاً تزيل الرواسي، خائضين غمارها، راكبين تيارها، نشرب صابها ونشرح عبابها، والأنوف تعطس علينا بالكِبر، والصدور تستعر بالغيظ، والشفار تشحذ بالمكر، لا نرجو عند الصباح مساء، ولا عند المساء صباحاً، ولا نحقق أمراً إلا عند اليأس من الحياة، فادين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمال والأم والخال والعم". هذا حال من اخترتم دربهم، وسلكتم صراطهم، من الذين أنعم الله عليهم ممن سبقوكم، قد جعلوا الجنة مطلباً، ورضوان الله غاية، فكيف لا تتصبرون على الأذى كما صبروا، وتتحملون الضيم كما تحملوا، (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزُلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريب). كيف لا يتحمل جُند الإسلام وحملة لواء الخلافة ما يلاقون وهم يقرأون القرآن يبشرهم بثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، والملائكة تحفّهم في مجالسهم، والله سبحانه وتعالى قد تكفل بتثبيتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فلا تقيموا وزناً لكل ما سوى الله، ولا تعبأوا بعدوكم وقد بعتم الأموال والأنفس بجنة عرضها السموات والأرض (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين). لقد آن الأوان لشباب الحزب أن يقفوا من النُظُم موقف الند القوي طالما وضح لهم أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظهم ومؤازرتهم، وأن جند الله قد امتطوا ظهور الخيل لنصرة أتباع الحق، وملائكة الله تتنزل عليهم مطمئنين لهم أن لا تخافوا من عدوكم، ولا تحزنوا لما أصابكم ومسّكم، ولا تحزنوا لما فاتكم. لقد آن الأوان لنا أن نتطلع إلى الفردوس الأعلى في الجنة، وسيمُنّ الله سبحانه وتعالى على الذين استُضعِفوا في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين.
سيروا في حمل دعوتكم على بركة الله، وقودوا أمتكم إلى الهدى والرشاد، واستلهموا من الله العون والسداد، وهو القادر على حفظكم، ونصركم وتمكينكم، وهو معكم ولن يَتِرَكُم أعمالكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
1988 ولاية الأردن