بسم الله الرحمن الرحيم
قطعة من كتاب
أرسل لأحد المسؤولين من شباب الحزب
1- إن الحزب وقد انتقل من نواة إلى خلية إلى حلقة أولى إلى كتلة إلى حزب متكامل صار فرضاً عليه أن يكون بوتقة تصهر الأمة، فينقيها من الأدران والمفاسد التي أدت إلى انحطاطها أو تولدت عندها أثناء انحطاطها. وصار يتحتم عليه أن يتولى في الأمة العملية الصهرية التي تسبب النهضة، وإذا لم يستطع أن يكون بوتقة وعجز عن أن يتولى العملية الصهرية فإنه لا يكون حزباً متكاملاً بل كتلة لم تستكمل التكوين بعد، أما كيفية أن يكون بوتقة فهي أنه بمجرد أن أصبح متكاملاً يجب أن يأخذ في النمو الطبيعي في ناحيتين: إحداهما التكاثر في خلاياه بإيجاد خلايا أخرى تعتنق فكرته عن وعي وإدراك تامّين، والثانية إيجاد الوعي العام عند الأمة كلها. فإذا بدأ في العمل في هذين الأمرين معاً كسب أشخاصاً للحزب وإيجاد وعي عام على أفكاره، فقد أصبح بوتقة، وإذا لم يبدأ لا يكون بوتقة تصهر. أما العملية الصهرية التي يتولاها في الأمة فإن كيفية توليه لها هي سعيه لتوحيد الأفكار والآراء والمعتقدات عند الأمة توحيداً جماعياً إن لم يكن توحيداً إجماعياً، فإذا بدأ في هذا السعي تولى العملية الصهرية، وإذا لم يبدأ بالسعي لا يكون قد تولاها بعد.
هذه هي أعمال الحزب حين يصبح حزباً متكاملاً، أن يكون بوتقة تصهر الأمة، وأن يتولى في الأمة العملية الصهرية فعلاً. وإذا كان الحزب في مرحلة الثقافة كان يسير في مرحلتين: كسب أشخاص، وبث الأفكار التي يتبناها، فإنه في نقطة الانطلاق أو محاولة المخاطبة سار في معترك الحياة الحزبية وتقلبت عليه الأجواء حارة بالإشاعات الظالمة والخبيثة وباردة بالتأييد الذي كان يلقاه، وهبّت عليه الرياح عاصفة بالاضطهاد الوحشي الذي تعرض له موجات موجات، ولينه في تمكينه من السير في بعض الأحيان، وانتابته الأجواء صافية باندفاع شبابه وثباتهم وازدياد ثقتهم، وملبدة بتخاذل بعض شبابه وزعزعتهم وضعف ثقتهم. فكان لا يقصد السير في الناحيتين، وإنما كان يسير في معترك الحياة الحزبية في الطريق الخطر. أما في دور التفاعل وقد أصبح حزباً متكاملاً، فإنه وإن كان لا يزال يسير في الطريق الخطر لا بد أن يجعل كونه بوتقة تصهر الأمة أمراً ملموساً عند الشباب وعند الناس، وأن يكون توليه في الأمة العملية الصهرية أمراً ظاهراً للناس وعملاً يومياً يقوم به الشباب بشكل عادي. ومن هنا صار لزاماً على الحزب ككل، وعلى كل شاب حزبي كان أم دارساً أن يهدف عن وعي وبشكل مقصود وبعمل متلاحق، مع الملاحقة الدائمة من المسؤولين، إلى تكثير عدد المعتنقين لفكرة الحزب، وإلى إيجاد الوعي العام بهذه الفكرة.
2- لقد أدرك الحزب أن الأدران التي أدت إلى انحطاط الأمة بأنها الضعف الشديد الذي طرأ على الأذهان في فهم الإسلام، وأدرك أن الأدران التي تولدت عن الأمة أثناء انحطاطها بأنها أساس فكرة الغرب عن الحياة، وهي فصل الدين عن الحياة، ومنه فصل الدين عن الدولة، يضاف إليها ما سمم به الجو من آراء سياسية وفلسفية أفسد بها وجهه نظر المسلمين عن الحياة، وبَلبَل الفكر الذي لدى المسلمين، وما سمم به المجتمع من الوطنية والاشتراكية والقومية والديمقراطية، ولذلك تبنى الحزب من أول يوم الأفكار والآراء والمعتقدات التي يوحدها عند الأمة فيتوحد بتوحيدها هدفها، وتتوحد عقيدتها ووجهة نظرها في الحياة. ثم كان من جراء الأجواء التي تقلبت على الحزب وانتابته، والرياح التي هبت عليه أن تبلورت الأفكار لدى الحزب إن لدى مجموعة شبابه ومجموع أجهزته، وانتقلت من معاني لجمل إلى واقع متصور في الذهن، فصار لزاماً عليه أن ينقلها إلى واقع محسوس في الحياة ليجعل فترة الصراع مع الأفكار الفاسدة والعقائد المتداعية والعادات البالية، قصيرة حتى تتداعى تلك الأفكار وهاتيك العقائد والعادات.
أما كيف ينقل هذه الأفكار إلى واقع محسوس، فإنه إنما يكون بوضع الإصبع على مدلولها، فمثلاً كان ينقد الوطنية للأسباب الثلاثة التي درسها في نظام الإسلام، ثم صار ينقدها بشرح ما يتصوره في ذهنه لها. أما الآن فإن عليه أن ينقدها واضعاً الإصبع على أنها تمنع الوحدة للبلاد بضرب المثل في فصل سورية عن مصر، وابتهاج الأكثرية في سورية لهذا الفصل، وما كان ذلك إلا من الوطنية لأنها هي التي أوجدت الإقليمية؛ أي مصرية وسورية. وكان ينقد القومية للأسباب الثلاثة الموجودة في نظام الإسلام، ثم يشرح ما يتصوره في ذهنه من هذه الأسباب أو غيرها، أما الآن فإن عليه أن ينقدها واضعاً الإصبع على أنها توجِد الانفصالية في البلد الواحد، بضرب المثل في ثورة الأكراد في العراق، فقد أيد الثورة أكثرية الأكراد، وما ذلك إلا من القومية لأنها هي التي أوجدت العصبية العرقية؛ أي كردياً وعربياً. وكان الحزب والشاب يدعو لإقامة الدولة الإسلامية ويشرح جهاز الحكم ويدعو للحكم بالإسلام، أما الآن فإن عليه أن يدعو لإقامة خليفة للمسلمين بوضع الإصبع على شيء محسوس؛ أي على الكيفية العملية لإيجاد الدولة الإسلامية، وهكذا وبهذه الكيفية التي هي وضع الإصبع على الواقع المحسوس الذي يدل عليه الفكر المراد هدمه والفكر المراد إعطاؤه، تجري العملية الصهرية للأمة بشكل ممتاز، إذ يُقصر النقاش مع صاحب الفكر الفاسد وتُصرع أفكاره بسرعة مذهلة، ولذلك يقول في نشرة دخول المجتمع عن انصباب التحريك السياسي بقسميه الصراع الفكري والكفاح السياسي على العلاقات الداخلية والخارجية ما نصه "إلا أن هذا لا ينتج إلا إذا كان واقع العلاقات التي يتعرض لها الحزب مدركاً محسوساً، وواقع الأفكار التي يبثها متصوراً". ولهذا يجب درس الوقائع الجارية من قبل الحزب ككل ومن قبل كل شاب بمفرده لتنزيل الأفكار عليها حتى يضرب المفهوم المغلوط ويركز فكر الحزب الذي يتبناه.
3- هاتان توضحان بشكل لا بأس فيه أن عمل الحزب حين يصبح متكاملاً هو أن يكسب أشخاصاً لاعتناق فكرته سواءً أصاروا أعضاء في الحزب أم لم يصيروا، وأن يكون بوتقة تصهر وأن يتولى في الأمة العملية الصهرية. ومن أجل أن يقوم بعمله هذا يجب أن يدأب على درس الوقائع الجارية وأن ينزل عليها ما تبناه من أفكار. قد يقال إن الحزب منذ بدأ بطرق باب المجتمع؛ أي منذ بدأ بضرب العلاقات وهو يضع الإصبع على وقائع محسوسة سواءً في التبني والكشف أو نشرات التحريك، ومنذ أن وُجد وهو يهاجم الأفكار الفاسدة والأعمال الفاسدة، وهذه هي العملية الصهرية، فكيف يقال إن الحزب يجب أن يبدأ الآن بالعملية الصهرية ؟ والجواب على ذلك هو أن الحزب وهو في مرحلة الثقافة كان عمله أقرب إلى العملية الصهرية منه وهو في محاولة المخاطبة، ولكنها كانت لتكوين الحزب وإيجاد كيانه في المجتمع ولم تكن عملية صهرية للمجتمع، وأما محاولة المخاطبة فلم يكن هناك أي أثر للعملية الصهرية، فإنه وإن كان يصارع الأفكار ويكافح الأعمال ولكنه لم يكن يُعنى العناية المقصودة بكسب الأشخاص، وكان عمله سيراً في معترك الحياة الحزبية لاستكمال تكوينه، وعندما بدأ بطرق باب المجتمع؛ أي بدأ بضرب العلاقات، وُجد الإحساس عند ضرورة القيام بالعملية الصهرية، فبدأ الحزب يضع الإصبع على بعض الوقائع الجارية، ولكن ذلك كان من الحزب ككل، ولم يكن من كل شاب، وكان لإيجاد الوعي العام ولم يصحبه تقصد كسب أشخاص لاعتناق الفكرة عن وعي وإدراك تامّين، ولذلك لم تستكمل العملية الصهرية مقوماتها. فلما نجح في البدء بطرق باب المجتمع وصار يتابع ضرب العلاقات، صار يطرق باب المجتمع؛ أي صار يضرب العلاقات بشكل عادي دون أي تكلف، فكان يجب أن يقوم الشباب كذلك بالصراع الفكري بوضع الإصبع على واقع الأعمال، باعتباره مدلولاً لفكر. وكان يجب كذلك أن يحصل التعمد من الحزب ككل، ومن كل شاب لكسب أشخاص لاعتناق الفكرة. وبما أنه لم يحصل حتى الآن شيء من ذلك فتكون العملية الصهرية لم توجد بعد. وعليه فإن الذي يتحتم على الحزب ككل وعلى كل شاب أن يبادر دون إبطاء إلى السعي بشكل مقصود بكسب أشخاص لاعتناق الفكرة عن وعي وإدراك تامّين أي للدراسة في الحلقات وأن يبادر دون إبطاء إلى السعي بشكل مقصود لتوحيد الأفكار والآراء والمعتقدات على وجه يجعل هذا التوحيد لها مؤدياً إلى توحيد هدف الأمة بإقامة الخلافة وحمل الدعوة إلى العالم عن طريق الجهاد وتوحيد عقيدتها بربطها في واقع الحياة ووقائعها المتجددة، وببعث الحيوية فيها. وتتوحد وجهة نظرها في الحياة بأن يُجعل مقياسها الكفر والإيمان، والحلال والحرام، وأن يُجعل كيفية الوصول إلى ذلك ليس التثقيف فحسب وإنما وضع الإصبع على الوقائع المحسوسة. وبذلك يتم للحزب أن يكون بوتقة تصهر، ويتم له أن يتولى في الأمة العملية الصهرية.
4- إن قيام الحزب بالعملية الصهرية لا يعني أنه يقوم بالكشف والتبني، وإنما يعني أن يصبح الكشف والتبني ليس مقصوداً بذاته كما كان الحال في محاولة المخاطبة، وإنما يصبح عملاً من أعمال العملية الصهرية، فيصحبه قصد وضع الإصبع على مدلول فكر ولا يكتفي فيه بمجرد النشر بل يحاول تحقيق ما تبناه، ويحاول كذلك إيجاد اليقظة والحذر مما كشفه. وعلى ذلك يظل الحزب متابعاً ما تبناه قبلاً مثل إزالة الكيان الأردني في الأردن والإحصاء العام في لبنان، وجعل النفط ملكية عامة في العراق وما شاكل ذلك، ويتبنى المصالح العامة مثل عدم الاشتراك في الوزارة، ومثل عدم فرض الضرائب، ومثل نقد كل بيان وزاري، ومثل نقد كل موازنة. وكذلك يتبنى المصالح الحيوية مثل مسائل الإصلاح الزراعي والقوانين البارزة والاتفاقيات بين الدول وبين غيرها من الدول، وكذلك المصالح الحساسة مثل طرد الشركات الأجنبية ومقاومة كل قرض يعقد مع دولة من الدول أو من هو تابع لها، والخبراء الأجانب وما شاكل ذلك. وكذلك يظل الحزب متابعاً للكشف، إلا أنه في دور التفاعل يقتصر في التبني والكشف على الأمور البارزة التي لا يستغني عنها، واعتاد الجمهور أن يسمع رأي الحزب في أمثالها، وكذلك يتابع نشرات التحريك، ولكن يقتصر على الأفكار البارزة من الأفكار الجارية مثل خطاب رئيس جمهورية لبنان في رفع شأن الديمقراطية وتفضيلها على جميع الأنظمة، ومثل خطاب عبدالكريم قاسم في مدحه لنظام الخلافة وتذكيره بأعمالها. ويكون كل ذلك من أعمال إيجاد الوعي العام ومن أعمال توحيد الأفكار، الآراء والمعتقدات؛ أي يكون عملاً من العملية الصهرية، فلا يستغرق جميع أوقات الحزب ولا أكثرها، بل يأخذ أقل ما يمكن من الوقت حتى يترك الوقت الكافي لكسب الأشخاص للدراسة في الحلقات، وحتى يترك الوقت للشباب للقيام بالصراع الفكري في الأفكار الطاغية والجارية والكفاح السياسي في الأعمال اليومية والأعمال المتجددة. وعليه فإن قيام الحزب بأعماله في دور التفاعل -أي حين يصبح حزباً مبدئياً متكاملاً- يتحتم ثلاثة أمور:
أحدها: تخفيف الكشف والتبني ونشرات التحريك، فلا يصح أن تتصيد مصلحة تصيداً، ولا يُعنى بكشف ما هو غير مؤثر وغير مهم، ولا يبحث عن فكر لإيجاد التحريك به، وإنما يقتصر على ما يواجه الحزب من مصالح لا بد من تبنيها وخفايا لا بد من كشفها وأفكار لا بد من ضربها بحيث يكون مقصراً إن سكت عنها.
ثانيها: أن يشتغل الحزب -أي مجموع الأجهزة ومجموع الشباب- بدراسة الوقائع التي تحصل في معترك الحياة، وتتبُّعها ومعرفة وقائعها كدراسة التاجر للأسواق، وذلك للاشتغال بالصراع الفكري أو الكفاح السياسي لشبابها. ولا يشتغل الحزب إلا الشباب بالثـقافة والعلم مما يتعلق بالدعوة بل يقتصرون فيهما على المراجعة لاستكمال ما يلزمهم لعمل معين قد حدث يريدون كفاحه، أو فكر معين قد نزل يريدون صراعه؛ أي يجب أن يغلب عليهم دراسة وقائع الحياة لا دراسة الكتب.
ثالثها: أن يكون عمل المسؤولين والأجهزة هو الملاحقة الدائمة للشباب، ولكن لا لإعطائهم تعليمات، بل لتقديم ما يلزمهم من توضيح مفهوم أو الإجابة على سؤال أو المساعدة في مناقشة أو ما شاكل ذلك، ولجعل الأعمال متلاحقة ولكن بشكل عادي على المدى الطويل، مع تجنب أن تكون الملاحقة كملاحقة الانتخابات بالقيام برحلة، أو كملاحقة تبني مصلحة معينة موضوعة للعمل بالقيام بالتوزيع وإرسال الوفود، فإن مثل هذه الملاحقة تضر إذا كانت دائمة، بل تكون الملاحقة كملاحقة المشرف على الحلقة لأفراد حلقته في حضور الحلقة في موعدها بالضبط، وفي الوعي على الأفكار التي تعطى في الحلقة.
وبهذا يكون عمل الحزب في دور التفاعل -أي حين يكون حزباً مبدئياً متكاملاً- هو قيام الشباب بالمناقشات مع الناس، بنقد الأفكار الخاطئة والمفاهيم المغلوطة بشكل هجومي، وبيان الأفكار الصائبة والمفاهيم الصحيحة، وبنقد الأعمال الخاطئة بشكل هجومي مع العناية عند اللزوم بنوع من أنواع الكفاح السياسي، ألا وهو النقد اللاذع، وإظهار الأخطار بشكل فاضح، ولا يبقى عمل لمجموع الأجهزة ومجموع الشباب -أي الحزب ككل- سوى الإشراف والملاحقة والقيام بالعمل العام الذي يدهَم الحزب ويجبره على أن يقوم به بحيث يكون عدم القيام به تقصيراً.
5- إن الحزب حين يصبح حزباً متكاملاً -أي حين يدخل في مرحلة التفاعل- يستهدف تسلم السلطة استهدافاً مباشراً فيحاول أخذ قيادة الأمة حتى يتمكن من قيادتها لتسلُّم الحكم وحمل الدعوة إلى العالم، ويبدأ ببناء قاعدة كبرى من جمهرة الأمة وسواد الناس -أي ما يسمى بالقاعدة الشعبية -. وأما العملية الصهرية التي يقوم بها في هذه المرحلة فإنه سيكون من نتائجها بناء هذه القاعدة الكبرى، إذ العملية الصهرية هي توحيد الأفكار والآراء والمعتقدات عند الأمة على وجه يؤدي إلى توحيد هدف الأمة بأنه إقامة الخلافة وحمل الدعوة إلى العالم. والذي يقوم بذلك هو الحزب، والأفكار والآراء والمعتقدات التي يوحدها عند الأمة هي الأفكار والآراء والمعتقدات التي يتبناها الحزب، والهدف الذي توحد عند الأمة وصار هو هدفها كلها هو هدف الحزب في شقيه، استئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة إلى العالم. ولذلك كان طبيعياً أن يكون من نتائج العملية الصهرية بناء قاعدة كبرى من جماهير الأمة وسواد الناس. فإن العملية الصهرية هي التي تسبب النهضة وتقيم الدولة وتبني المجتمع، وتجعل الأمة صاحبة رسالة تحرص على أدائها أكثر من حرصها على الحياة. فيكون بناء القاعدة الشعبية من أجل إقامة الدولة واستمرارها من بعض ما في العملية الصهرية. وهنا يبرز أن الحزب في هذه المرحلة، مرحلة التفاعل، وإن كان سيظهر عليه أنه يعمل لأخذ السلطة عن طريق بناء القاعدة الشعبية وقوة الأشخاص الأقوياء الذين يكونون من أعضائه وقوة شخصيته، فإن عمله الأساسي ليس هذا وإنما هو صهر الأمة في بوتقته، ويكون هذا عملاً من أعمال هذا الصهر ونتيجة من نتائجه. ولذلك فإن الاتصال الحي بما يقتضيه من الأمور الخمسة التي منها بناء القاعدة الشعبية يجب أن يسير باعتباره قياماً بالعملية الصهرية لأنها هي الأساس وهي عمل الحزب. وما أروع ما ورد في كتابك في هذا الموضوع حيث قلت: "وإني يا أخي كثيراً ما أستعرض وقائع الأحداث في الماضي والحاضر، فلا أجد من ينطبق عليه ذلك انطباقاً تاماً لمن أقام الحكم ابتداءً وانقلاباً إلا الرسول الكريم، فإنه استلم الحكم حقيقة بعد أن حصل الرأي العام المبني على الوعي العام. ولذلك التف الجميع حوله وحول ما أتى به، ولم يجرؤ المخالفون من اليهود والمشركين والمنافقين على إعلان معاداته خوفاً من الرأي العام الذي حصل، أما غير الرسول من الدول التي قامت ابتداءً فما أجد ذلك قد حصل".
نعم إن قولك هذا حق وهو صحيح. ونحن إنما نقتدي بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونسير على هداه، وليس قصدنا أن نأخذ الحكم أولاً ثم نحاول حمل الأمة على حمل ما نحمله، وإنما نريد أن نجعل الأمة تحمل الدعوة كما نحملها بحيث تكون الأمة كلها في الحزب، وبحيث يكون الحزب، وإن لم يكن بعدُ هو الحاكم، ولكن وضعه الحقيقي يكون بارزاً بأنه القوة الحاكمة الحقيقية، تماماً كما كانت الحال في المدينة مع الرسول والصحابة حين ذهب من مكة إلى المدينة ليستلم السلطة منها. في هذه الحال يستلم الحزب السلطة ويبدأ التطبيق وحمل الدعوة من الأمة كلها. والحزب كشخصية معنوية، فردٌ من أفرادها. ولهذا لا بد من أن يكون عمل الحزب هو أن يتولى في الأمة العملية الصهرية تماماً كما حصل مع مصعب، وتكون الأعمال لتسلّم السلطة جزءاً من هذه العملية وعملاً من أعمالها. ولا بد من التشديد على هذا، والتركيز عليه، وجعلِه واضحاً لا عند المسؤولين فحسب، بل عند كل شاب في الحزب، وإذا أمكن أن يكون كذلك واضحاً عند الأمة أو عند الغيورين على الإسلام من أبنائها.
6- إن تولي العملية الصهرية في الأمة باعتبار بناء القاعدة الشعبية جزءاً منها وعملاً من أعمالها، يحتّم على الحزب أن يكون قد أحكم تنظيم جهاز على درجة عالية من الدقة والقوة، وفي منتهى البساطة، خالياً من التعقيد والتداخل. وقد وضع الحزب منذ أن بدأ ضرب العلاقات جهاز المناطق. إلا أنه تعرض لما تعرضت له اللجان من ضربات متتالية من السلطات الحاكمة. ولكنه بالرغم من ذلك فقد برهن عملياً في البلدان التي أتيح لها تطبيقه كاملاً، ووجدت فيها الملاحقة لالتزامه، على أنه فعلاً على درجة عالية من الدقة والقوة مع البساطة والخلو من التعقيد، بحيث كان قادراً على مواصلة العمل وكفاح السلطة ويُحدِث أعظم النتائج بأقل القوى وأيسر مجهود. إلا أنه لا بد أن يلاحَظ فيه في مرحلة التفاعل أنه يراد منه ليس النشر الواسع فحسب بل يراد منه أولاً وبالذات إعطاء الجرعة القوية والقوّامة على العلاقات بالنسبة للأفكار والمشاعر، والقيام بمحاولة أخذ قيادة الأمة، ثم يراد منه النشر الواسع. ولذلك يوضع مخطط البلد كلها أولاً، ثم يبدأ فيه بقسم منها حسب القوى الموجودة فعلاً، ثم يوسّع العمل إلى أن يشمل في النهاية جميع البلد، فيسار به على الوجه التالي:
حسب رسم خريطة المدينة "برسمها" تبين أن العمل فيها بالنسبة للموقع الجغرافي وبالنسبة لإقامة السكان يحتاج لأن تقسم إلى كذا مناطق: إحداها كذا والثانية كذا والثالثة كذا.. الخ، وأن كل منطقة من هذه المناطق تحتاج إلى مسؤول خاص بها تُحصر مسؤوليته فيها, وبما أن المسؤولين عادة يكونون أعضاء اللجنة المحلية، والمسؤول العام هو النقيب، وبما أن المدينة لا تحتاج لأكثر من لجنة محلية فيُحصر المسؤولون بأعضاء اللجنة المحلية ولا يُعطى لغيرهم، فإن كان عدد المناطق أقل من عدد أعضاء اللجنة المحلية بأن كانت ثلاث مناطق أو منطقتين، فإنه لكل منطقة مسؤول منهم، ومن بقي من الأعضاء يتسلم مكاناً معيناً في المنطقة تابعاً لأحد المسؤولين. وإن كان عدد المناطق مساوياً لعدد أعضاء اللجنة المحلية فيُعطى كل عضو منطقة يكون هو المسؤول فيها. أما إن كانت المناطق أكثر من أربعة، فإنه حينئذ يوضع عليها مسؤول من الشباب غير أعضاء اللجنة المحلية، ولكن لا يكون من أعضاء لجنة الولاية، ويُختار هؤلاء الشباب، الذين يُنتدبون لأن يكونوا مسؤولين في المناطق، من الذين يقدّرون المسؤولية ويستطيعون القيام بتبعاتها. وعلى أي حال يبقى النقيب هو المسؤول العام ولا تكون له منطقة، ولا يستلم أي عمل، ولا يوزع منشورات، بل هو للمراقبة العامة وللمسؤولية العامة، وعمله محصور بالمسؤولية العامة ولو كانت البلد منطقتين فقط.
وبعد تعيين المسؤول عن كل منطقة تقسم اللجنة المحلية الشباب على المناطق: الحزبيين والدارسين سواء، إلا أن الدارس الجديد الذي لم يُكمل طريق الإيمان، أي لم توجَد عنده مادة بعدُ للنقاش، لا يسلّم مكاناً معيناً في المناطق حتى يصبح قادراً على النقاش ولو في موضوع واحد. ويكون تقسيم الشباب على المناطق بتخصيص مكان معين لكل شاب، محدد أوله وآخره، ويراعى أن يكون توزيع الشباب على المناطق بحسب سكناهم أو بحسب أماكن أعمالهم أو بحسب اختيارهم هم، فيوضع الشخص في المنطقة التي يسكنها أو يعمل فيها أو يختارها. وإذا وُجدت مناطق لا يسكنها شباب أو لا يعمل فيها شباب، فلا يُشتغل في هذه المنطقة حتى يوجد فيها شباب، إلا إذا كانت منطقة حيوية هامة ومن الضروري أن يعمل فيها الحزب، فحينئذ يرسَل لها شباب من أقرب المناطق لها أو أسهلها على الشباب.
وعليه فليس من الواجب العمل في جميع هذه المناطق، بل يُعمل في المنطقة التي فيها شباب وفي المنطقة الهامة جداً، حتى يكون العمل مؤثراً وتكون الجرعة التي تعطى في المنطقة كبيرة وقوية، فلا يصح بعثرة القوى على جميع البلد، بل توضع القوى على شكل يُحدِث أثراً فيكثر العدد في المنطقة، ويُختار الأشخاص الأقوياء، أي تُحصر القوى في المناطق الهامة جداً، وما فَضُل عن ذلك يُرسل لمنطقة أخرى. وعلى هذا فإنه يجب أن يُنظر أولاً في القوى الموجودة هل تكفي للعمل في جميع المناطق أم لا، فإن كانت القوى كافية لجميع المناطق وُضع لكل منطقة مسؤول ووُضع المسؤول العام وقسّم الشباب على جميع المناطق ووُزعوا بحسب أهميتها. وإن كانت القوى غير كافية فتُختار المناطق الهامة أولاً، ويُجعل على كل منطقة مسؤول، ويُجعل على الجميع مسؤول عام وهو النقيب، ويوزَّع الشباب على المناطق التي تقرر العمل بها، ويُفهّم كل شباب من هو المسؤول عنه في المنطقة، كما يسلّم المسؤول جميع الشباب الذين هو مسؤول عنهم أي شباب المنطقة. ويفهّم المسؤولون من هو المسؤول عنهم. وكلما وُجدت قوى كافية بوشر بالعمل في المنطقة الأهم، وهكذا حتى تستكمل المناطق.
وعند تقسيم الشباب على المناطق يلاحَظ أن المدينة عادة مقسمة عملياً من حيث النشاط إلى قسمين: قسم ينصبّ عليه النشاط فيكون موضع النشاط والحركة في البلد، وقسم لا ينصبّ فيه النشاط بل يكون محل سكنى وموضع راحة, وبلغة الحزب قسم هو مجال النشاط وقسم هو محل التعبئة، فيوضع أكثر الشباب في مجال النشاط أي في المنطقة أو المناطق التي هي مجال النشاط، ويوضع الأقل في مكان التعبئة، بحيث يأخذ الأهم عدداً أكثر مما دونه أهمية.
ولأجل أن تسهل الملاحقة وهي هامة جداً، ويظل بسيطاً غير معقد وهو أمر ضروري لا يُعطى المسؤول العام، أي النقيب، مكاناً معيناً في المنطقة، ولا مسؤولية عن منطقة، ولا أي عمل، ولا يوزِّع منشورات ويعفى من كل شيء سوى ملاحقة المسؤولين. وأما المسؤولون عن المناطق فإنه يُنظر في كل مسؤول على حدة حسب منطقته، فالمسؤول الذي تحتاج منطقته إلى جهد والى وقت يعامَل معاملة المسؤول العام سواء بسواء، فلا يعطى مكاناً في منطقته، ولا يكلَّف بأي عمل، ويُحصر عمله بالملاحقة أي بالمسؤولية. وأما المسؤول الذي لا يحتاج عمله إلى جهد أو وقت كأن كانت منطقته صغيرة، أو كان عدد الشباب في منطقته قليلاً، فإنه يأخذ محلاً معيناً في منطقته ويكلَّف بالعمل كأي شاب من شباب منطقته دون أي فرق بالنسبة للقيام بالأعمال، ولا ميزة له سوى المسؤولية عن الشباب تجاه النقيب أي تجاه المسؤول العام.
أما لجنة الولاية فإن المعتمَد يعامَل معاملة النقيب أي معاملة المسؤول العام، فلا يعطى أي منطقة ولا أي محل في أية منطقة، ولا يوزِّع منشورات، ولا يكلف بأي عمل حتى يتولى النظر العام بخلاف أعضاء لجنة الولاية فإن على كل واحد منهم أن يستلم مكاناً معيناً في منطقة من المناطق، ويكلَّف بالأعمال كأي شاب من الشباب، ولا يسلَّم المسؤولية عن أية منطقة.
ولإدراك أهمية المسؤول عن المنطقة، يجب أن يُعرف أنه مسؤول عن الشباب، ومسؤول عن الناس، أي كحاكم لمنطقته. فبالنسبة للشباب، يثابر على تفقدهم والاختلاط بهم ليوضح لهما ما يحتاج إلى توضيح من الأفكار أو الحوادث السياسية أو الأعمال الإدارية ويجيب على أسئلتهم، ويبلغهم ما يحتاج إلى تبليغ، ويعطيهم المنشورات ويراقب توزيعها، وإذا طلب منه أحد الشباب أن يصحبه في المناقشات فليصحبه إن كان لديه وقت لإرشاده أو لإعانته أو للقيام بما أظهر الشاب العجز عن القيام به، وملاحقة كل شيء ملاحقة واعية بدأب متواصل. وهو وإن كان لا يكلَّف بعمل، ولكن حقيقته مكلَّف بجميع الأعمال. وأما بالنسبة للناس فإنه يختلط بهم في جميع المنطقة ويأخذ انطباعات عنهم ويراقب تحول منطقته من حال إلى حال فكرياً ومشاعرياً، ويحاول حل المشاكل الفكرية من ناحية إسلامية فيما تبناه الحزب فقط، ومن ناحية سياسية بآراء الحزب، وهو لا يقوم قصداً بجمع المعلومات، لا من الشباب ولا من الناس، ولا يسأل أحداً عن أية معلومات، إلا أنه باختلاطه بالشباب وبالناس يحصل طبيعياً على معلومات، فينقلها طبيعياً للمسؤول العام عند الاجتماع به اجتماعاً عادياً وطبيعياً كحديث عادي عن الدعوة من غير أن يقصد توصيل المعلومات إليه، وليُحرص على هذه النقطة كل الحرص، فإن الشباب حملة دعوة، وعملهم هو تولي العملية الصهرية في الأمة ومنها بناء القاعدة الشعبية, فلا يصح أن يقوموا بجمع أية معلومات، لأنه فوق كونه يشغلهم عن عملهم ولو وقتاً قصيراً فإنه قد يسبب لهم مشاكل وقد يعطي صورة غير صحيحة عنهم، وفيه شيء من الانحراف عن العمل، ولذلك لا يُشغلون بجمع المعلومات مطلقاً، إلا أنه إذا احتاج الحزب إلى معلومات للقيام بعمل ما فإنه يكلف اختيارياً أحد الشباب في حدود مسألة معينة، ثم ينتهي جمع هذا الشاب للمعلومات إلى أن يأتي تكليف غيره.
ويجب أن يلاحَظ أن الحزب يقوم بالعملية الصهرية ومن نتائجها إيجاد القاعدة الشعبية فيكون المسؤول العام مراقباً القيام بالعملية الصهرية، وبالطبع مراقباً القيام ببناء القاعدة الشعبية، وذلك في جميع المدينة، أما في كل منطقة فيكون المسؤول عن المنطقة هو المراقب لقيام الشباب بالعملية الصهرية، وبالطبع مراقباً لهم في بناء القاعدة الشعبية. وبذلك يكون العمل في المدينة وفي كل منطقة سائراً عن وعي وإدراك وبقصد معين، وملاحظاً التقدم أو الوقوف أو التأخر للمبادرة بالمعالجة إن احتاج أمر إلى علاج، أو المبادرة باغتنام الفرص لازدياد التقدم إذا حصلت هناك فرص.
7- قد يظن البعض أن الشباب لا يعرفون معالم الطريق التي قطعوها، وغير مدركين أين يقفون. وقد يُظن بهم كذلك أنهم قد نسوا الثقافة التي درسوها وغير متذكرين للأفكار التي فهموها. وهذا الظن خاطئ. فإنهم قد ساروا في طريق واضحة المعالم مرسومة في الكتب التي يدرسونها ثقافة حزبية، وقد قطعوها فعلاً وشاهدوا معالمها، فهم لا شك يعرفونها، إلا أنهم ككل سائر في طريق لأول مرة يسير فيها لا يتذكر بعض معالمها إلا إذا ذُكّر بها. ولذلك يكفي أن يذكَّر بما سبق أن شاهده حتى يتذكره. ولهذا فإن قراءة الشباب لما صدر من نشرات تشير إلى معالم الطريق تكفي لأن يعرفوا هذه المعالم للطريق التي قطعت، وتكفي لأن يعرفوا أين يقفون الآن. ولهذا لا بد أن يقرأ كل شاب نقطة الانطلاق ونشرة التحريك ودخول المجتمع والتعميم الصادر في 23/4/1961 ونشرة الأعمال الحزبية، وأن يمكّن الجميع تمكيناً عملياً من الاطلاع على الخطاب المؤرخ في 21 رجب 1383 الموافق 29/12/1961 ليساعدهم ذلك على الاندفاع لإكمال الطريق أي للسير في المرحلة الثانية.
أما مسألة نسيان الثقافة والأفكار، فإن ما يلاحظ عليهم من هبوط فكري إنما هو نتيجة لعدم استعمال الأفكار وليس نسياناً لهم. فإن الموجة المشاعرية التي استمرت مدة ست سنوات قد اضطرت الشباب لأن يلاحق الأحداث السياسية وأن يعيش في الجو الذي يعيش فيه الناس في مجاله وهو الجو السياسي لا الجو الفكري. ولذلك حصل هذا الهبوط الفكري من عدم استعمال الأفكار في المناقشات. ولهذا فإن استئناف المناقشات الفكرية وطغيان الاتصال الحي على المنشورات يكفي لاستعمل الأفكار فيؤدي ذلك إلى الارتفاع الفكري لدى الشباب. إلا أنه وقد صار لزاماً على الحزب أن يقوم بالعملية الصهرية لتوحيد الأفكار والآراء والمعتقدات عند الأمة على وجه يتوحد بتوحيدها هدف الأمة بأنه إقامة الخلافة وحمْل الدعوة إلى العالم، صار لا بد للشاب من أن يركز على الأفكار المتعلقة بهذه الغاية وهي العقيدة والخلافة والجهاد، فلا بد من إعطائها عناية بالدراسة. وهذه العناية تكفي فيها الحلقة العامة أسبوعياً لتُشرح فيها هذه الأفكار الثلاث منزَّلة على الوقائع الجارية. وبهذا يكون الشباب يتمتعون بالكفاية التامة والمقدرة الطيبة للقيام بالعملية الصهرية وببناء القاعدة الشعبية أي للسير في مرحلة التفاعل بنجاح منقطع النظير.
هذه هي التفصيلات الجزئية للسير في مرحلة التفاعل حسب ما جاء في كتاب التكتل الحزبي. وتنفيذها إنما يتم بالملاحقة الصابرة الواعية الحازمة، والوصول إلى تحقيق الغاية إنما هو بيد الله وحده، فعلينا أن نصدُق الله في الدعوة، والله هو الموفق.
12 شعبان 1381
18/1/1962