بسم الله الرحمن الرحيم
قصـــــــة الإسلام كشجرة
1- إن الإسلام كان حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي كشجرة ضخمة قوية الفروع وارفة الأغصان تفيض حيوية ونضارة وجمالاً وتعطي بغزارة أشهى الثمرات.
2- هذه الشجرة كانت العقيدة الإسلامية بذرتها التي أنبتتها، وأفكار الإسلام عن الحياة وأحكامه التي تعالج مشاكل الحياة جذور هذه الشجرة، والجذع الباسق من هذه الجذور هو الحكم -أي السلطان-. وكانت فروعها القوية وأغصانها النضرة هي خوض الأمّة معارك الحياة الإسلامية وحملها الدعوة الإسلامية إلى العالم.
3- في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي حصل الانقلاب الصناعي في أوروبا فأحدث خللاً في توازن القوى في العالم أدى إلى تغيير الموقف الدولي، فسقطت الدولة الإسلامية، وكانت الدولة الأولى، عن مركزها، تتدهور دولياً بشكل سريع، وأحدثت العلوم والاختراعات والصناعات هزة فكرية ضخمة في عقول المسلمين كان من جرائها أنهم صاروا يعيدون النظر في فهمهم للإسلام، بل صار بعضهم يعيد النظر في بعض أفكار الإسلام وأحكامه، فكان من جراء ذلك أن ذبلت الأغصان وضعفت الفروع، وبالطبع قلّت الثمار وفقدت لذة طعمها. غير أنه بقي الجذع، ولكن ذهبت قوة الحيوية التي فيه، وأخذ يدب إليه الجفاف. ولما هُزم المسلمون في الحرب العالمية الأولى ضربت إنجلترا بواسطة مصطفى كمال ذلك الجذع الجاف فقطعته من جذوره فلم يبق من الشجرة إلا الجذور، ولكن كان قد دب إليها الجفاف ويبس بعضها، فلما باشر العدو حكم بلاد الإسلام، وأخذ يُعمِل فأسه بالجذور يقلعها ويقصها عن البذرة، ويقطع عنها الماء، لما فعل ذلك جفت أكثر الجذور، ومات قسم منها، وطلع مكان بعضها جذور لبذرة أخرى، وبذلك لم يبق من جذور الشجرة سوى القليل المغطى بالأتربة، وأقل منه جذور حية ولكنها قد جفّ أعلاها وظل داخلها حياً، وأكثر جذور الشجرة صار بين جذور لبذور أخرى، وبين جذور يابسة لا حيوية فيها، وجذور انفصلت عن بذرتها الأصلية إلا من خيط رفيع جداً لا تزال عالقة به.
4- هذه حال الإسلام حين وُجد حزب التحرير، فأخذ يعمل لأن ينشئ جذعاً أقوى، وفروعاً وأغصاناً أكثر نضارة؛ أي أخذ يعمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم.
5- إن الحزب أدرك تمام الإدراك حالة الجذور، وأنها في وضعها الحالي يستحيل أن تُنبت جذعاً مهما سقيتها ومهما حرثت حولها، فبدأ في علاج الجذور من نقطة انبثاقها من البذرة، فبدأ بالأفكار الإسلامية عن الحياة وبالأحكام الشرعية التي تعالج مشاكل الحياة يوصلها بالعقيدة الإسلامية، ولا يقبل منها إلا ما كان منبثـقاً عن البذرة، منبثـقاً عن العقيدة الإسلامية أي مأخوذاً من الكتاب والسنّة، وأخذ يسقي هذه الجذور ويحرث حولها ويكسر اليابس منها ويحاول قلع بذور الجذور النابتة من غير بذرة الشجرة، كل ذلك لينشئ جذعاً أقوى من جذعها الذي قُطِع، وفروعاً وأغصاناً أكثر نضارة من تلك التي كانت يوم دب إليها الجفاف.
6- وقد استطاع أن يحيي بعض الجذور حتى أنبتت، وأن يجعل الحيوية تدب في بعضها حتى ذهب الجفاف عن قسم منه واخضرّ القسم الآخر، وبذلك برزت جذور للشجرة مرة أخرى مخضرّة مورِقة أنبتت قضباناً وبراعم وأوراقاً، ولكن في بعض نواحيها وفي جهات مختلفة منها بشكل متفاوت القوة، ولكنها ظهرت ولو في بعض جنباتها تتجه فيه إلى إنبات الجذع بما علا بعض الجذور من خضرة الأوراق والبراعم والقضبان، وبما يبرز عليها من السقي وما يظهر حولها من عزق وحراثة.
7- إن الهدف في هذه المرحلة هو تسلم الحكم كطريقة لاستئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، أو بعبارة أخرى هو إقامة الحكم على الفكرة الإسلامية، وهذا يعني أن الهدف هو جعل الجذع ينبثق باسقاً من الجذور حتى تتفرع عنه الفروع والأغصان، فالهدف ليس إيجاد جذع لهذه الشجرة بأي شكل كان، فإنه لا يكون جذعاً وإنما يكون خشبة قد تكون خضراء حية في أول الأمر ثم تيبس ويستحيل أن تتفرع عنها فروع وأغصان، ويستحيل أن تظل متصلة بالجذور، وإنما الهدف جعل هذه الجذور بعينها ينبثق عنها الجذع فتتفرع عنه الفروع والأغصان. فالهدف ليس أخذ الحكم فقط حتى تُجمع له قوى تستطيع أخذه، فإنه حينئذ لا يكون حكماً إسلامياً ولو جعل القوانين من الأحكام الشرعية، فإنه لا يلبث أن يزيله الخصم أو يتحول إلى حكم غير إسلامي، ويستحيل أن يستمر في تطبيق الإسلام ويحمله للعالم. وإنما الهدف إقامة الحكم على الفكرة الإسلامية، والحكم إنما يكمن في الأمّة، فلا بد أن يقوم على الفكرة التي تعتنقها الأمّة. وعليه فإن العملية في تسلم الحكم على الفكرة الإسلامية هي العملية لجعل الجذع ينبثق باسقاً من الجذور، وهذه العملية هي معالجة هذه الجذور من نقطة انبثاقها من البذرة، والاستمرار في هذه المعالجة بدأب متواصل، وأعصاب فولاذية، وصبر حازم، إلى أن يتم انبثاق الجذع باسقاً من الجذور بشكل طبيعي. هذه هي العملية التي يجب القيام بها لأنها هي وحدها التي تحقق الهدف.
8- وعلى هذا فإنه من الخطأ بل العبث طلب تسلم الحكم عن غير طريق الأمّة، ومن الخطأ بل العبث الاشتغال في غير معالجة الجذور لإنبات الجذع، ومن هنا كان العمل كله في الحزب كله محصوراً في معالجة الجذور، بكسر الجذور اليابسة، وإزالة الأتربة والغبار عن الجذور الضامرة، وسقي الشجرة كلها، وعزق ما حولها وحرثه، وتشذيب ما ينبت من الجذور من قضبان.
9- إن ما وصلت إليه الشجرة من عملية جعل الجذع ينبثق عن الجذور حري أن يلفت نظرنا لأمرين: أحدهما: أن الأمل بانبثاق الجذع صار قوياً أقوى من أي وقت مضى، وثانيهما: أنه يجب أن نحصر عملنا في أربعة أمور هي: كسر الجذور اليابسة، وإزالة الأتربة والغبار عن الجذور الضامرة، وسقي الشجرة كلها وعزق وحرث ما حولها. فيجب أن نجعل كل أعمالنا بأية وسيلة وبأي أسلوب تدور حول هذه الأمور الأربعة ليس غير.
أما كسر الجذور اليابسة، فإن ذلك يعني تحطيم المفاهيم المغلوطة، فتحطَّم قاعدة "حيثما تكون المصلحة فثَمّ شرع الله"، ونسفه فكرة الاشتراكية الإسلامية، ويهاجِم مفهوم الوطنية، ويحمِل على القومية، وهكذا يهاجِم كل فكر يدّعى أنه من الإسلام وهو ليس من الإسلام، وكل فكر يناقض الإسلام.
وأما إزالة الأتربة والغبار عن الجذور فإن ذلك يكون بربط الأفكار والأحكام بالعقيدة الإسلامية وبيان انبثاقها عن الكتاب والسنّة، فربطها يكون ببيان علاقتها بالإيمان وعلاقة طاعة الله ومعصيته بالعقيدة، وأن الحلال ما أحلّ الله والحرام ما حرّمه. وأما بيان انبثاقها عن الكتاب والسنّة فإنما يكون بالإتيان بالدليل الشرعي لكل فكر ولكل حكم.
وأما سقي الشجرة كلها فإنه يعني تنزيل الأفكار على الوقائع الجارية والمشاكل اليومية، فإن هذا هو الذي يحيي الأفكار والأحكام، وبغيره تبقى أفكاراً ميتة لا حياة فيها، فسقيها هو جعل الوقائع الحية تعالَج بأفكار الإسلام وأحكامه فيكون هذا هو الماء الذي يحييها.
وأما عزق ما حولها وحرثه فإن ذلك يكون بالاتصال الجماهيري بالأفكار والأحكام، فالبلد الذي تكون فيه الأفكار هو كالأرض التي تكون فيها الشجرة، فكما أن الشجرة لا بد أن تُعزق وتُحرث كذلك لا بد أن يُحرك البلد التي يكون فيها الفكر، ما يحيي ذلك الفكر، وهذا إنما يكون بالحديث الجماهيري بها أي بجعل كل من حولها من الناس يسمعها ويهتم بها وبذكرها، فالحديث في الأمكنة العامة بجرأة ودون تحفظ يقلب البلد فيخفي الأفكار والأعراف الموجودة ويضع مكانها أفكاراً وأعرافاً أخرى، وهذا هو عزق الشجرة وحرثها.
هذه هي الأمور الأربعة التي يجب أن يدون العمل حولها وأن يُحصر بها، وأما التشذيب فإنه قد يلزم في أول الإنبات حتى يبدأ الجذع يرتفع ثم لا يبقى له لزوم، ولكن الأعمال الأربعة دائمة، وهي قوام عملية انبثاق الجذع من الجذور.
10- فالإسلام لم يبقَ منه إلا البذرة، وهي العقيدة، وإلا جذور أكثرها ميت جاف، والسير في طريق إعادته قُطع منه أول الشوط، فقد ظهرت الحياة في جذور الشجرة بظهور الاخضرار في بعض نواحيها المختلفة، أي برز أصل الشجرة.
هذه قصة الإسلام كشجرة، فمن الجهل أن يقال إنه موجود في الحياة، ومن اليأس أن يقال إنه لا يمكن إعادته، ومن الظلم أن يقال إن الجهود التي بذلت حديثاً لم تزحزحه عما كان عليه، والقول الدقيق هو أن الأمل بإعادته بات أقوى مما سبق، وأن الجهود التي تُبذل إذا استمرت انبثق الجذع باسقاً من الجذور ثم لا يلبث أن تتفرع الفروع والأغصان. فالمسألة لجعل إعادته أمراً واقعاً منوطة بعملية معالجة الجذور، منوطة بكسر الجذور اليابسة، وإزالة الأتربة والغبار عن الجذور الضامرة، وسقي الشجرة كلها، وعزق ما حولها وحرثه. فإذا استمر الدأب على هذه العملية قامت الدولة الإسلامية قطعاً بكل تأكيد.
26 من جمادى الآخرة سنة 1384
2/10/1964