بسم الله الرحمن الرحيم

قضيتنا ليست استلام حكم، وإنما قضيتنا هي بناء دولة

إن الارتفاع الفكري هو الذي يُحدِث النهضة، وأما الارتفاع الاقتصادي فلا يُحدِث نهضة، بدليل أن الكويت مرتفعة اقتصادياً أكثر بكثير من هولندا ومع ذلك فهولندا ناهضة والكويت ليست ناهضة، وكذلك الارتفاع الأخلاقي ليس نهضة بدليل أن المدينة المنورة هي من أعلى بلدان الدنيا أخلاقاً وباريس تشتهر بدعارتها ومع ذلك فالأولى ليست ناهضة والثانية ناهضة، وكذلك إقامة الحكم على أنظمة وقوانين لا يوجِد نهضة بدليل أن مصطفى كمال أخذ الأنظمة الغربية والقوانين الغربية وأقام الحكم عليها في تركيا وأخذ يطبقها واستطاع أن يطبقها بالفعل عن طريق القوة ولكنه لم يوجِد نهضة، فلم تنهض تركيا بل انحطت عما كانت عليه وأصبحت في الوقت الحاضر من أحط البلدان.

ثم إن أقرب مثال على ذلك ما قام به جمال عبدالناصر في مصر فإنه منذ سنة 1952م أقام الحكم على أنظمة وقوانين، فأقامه في أول الأمر على تغيير نظام الحكم بوضع النظام الجمهوري مكان النظام الملكي وعلى توزيع الأراضي، ثم انتقل به الأمر على أنظمة اشتراكية، مما يسمى اشتراكية الدولة، ومضى عليه الآن ستة عشر عاماً ولم يوجِد أي نهضة بل على العكس مصر اليوم من ناحية فكرية واقتصادية وسياسية أحط منها قبل سنة 1952 أي قبل انقلاب الضباط، ومقارنة أعضاء برلمانها اليوم أي مجلس الأمّة بأعضاء برلمانها قبل سنة 1952 من حيث المقدرة الفكرية والسياسية يرى الفارق فكرياً وسياسياً بين الأمس واليوم، والوضع فيها يحول دون النهضة لأن إقامة الحكم على أنظمة وقوانين لا يوجِد نهضة وإنما الذي يوجِد النهضة هو فقط إقامة الحكم على فكرة. غير أن هذه النهضة قد تكون نهضة صحيحة وقد تكون نهضة غير صحيحة، فأوروبا نهضت على فكرة فصل الدين عن الدولة، وكذلك روسيا نهضت على فكرة المادية والتطور المادي وأقامت الحكم على هذه الفكرة سنة 1917 ولكن هاتين النهضتين باطلتان، لأن كلا منها ليست قائمة على أساس روحي، إذ النهضة الصحيحة هي الارتفاع الفكري القائم على أساس روحي، فإن لم يكن الارتفاع الفكري قائماً على الأساس الروحي فإنه يكون نهضة ولكن لا تكون نهضة صحيحة. ولا توجَد نهضة صحيحة مطلقاً سوى النهضة على أساس الفكرة الإسلامية، أي سوى النهضة الإسلامية، لأنها وحدها ارتفاع فكري قائم على الأساس الروحي، غير أن إقامة الحكم على فكرة الإسلام لا تعني القيام بانقلاب عسكري وأخذ الحكم وإقامته على هذه الفكرة، فإن هذا لا يوجِد نهضة ولا يمكّن من الثبات في الحكم وإنما يعني إفهام الأمّة أو الفئة الأقوى في الشعب الفكرة الإسلامية المراد إنهاض الأمّة عليها، وجعْلها تبني حياتها عليها، وتتجه في معترك الحياة على أساس هذه الفكرة، وحينئذ يقوم الحكم عن طريق الأمّة على هذه الفكرة، وبذلك تحصل النهضة قطعاً. والمثال الصحيح على ذلك ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حين بعثه الله تعالى برسالة الإسلام دعا الناس إلى العقيدة الإسلامية، أي للفكرة الإسلامية، ثم لمّا جمع أهل المدينة الأوس والخزرج على العقيدة الإسلامية، أي على الفكرة الإسلامية، وجعلهم يتجهون في حياتهم عليها، أخذ الحكم في المدينة، وأقامه على العقيدة الإسلامية، ثم صار يقول: (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها) أي صار يدعو للفكرة الإسلامية وبذلك حصلت النهضة الصحيحة في المدينة ثم في العرب ثم في كل شعب دخل في الإسلام أي اعتنق الفكرة الإسلامية وكان سلطانه الذي يرعى شؤونه قائماً عليها.

فالأصل في النهضة ليس أخذ الحكم وإنما هو جمع الأمّة على الفكرة الإسلامية وجعلها تتجه في حياتها على هذه الفكرة ثم يؤخذ الحكم ويقام على تلك الفكرة، وأخذ الحكم ليس غاية ولا يصح أن يكون غاية، وإنما هو طريقة للنهضة عن طريق إقامته على الفكرة، فهو يؤخذ ليقام على الفكرة الإسلامية حتى تحصل النهضة، فقضيتنا هي ليست استلام حكم فحسب بل قضيتنا هي بناء دولة، ببعث الحياة في العقيدة الإسلامية عند المسلمين، لأنه صحيح أن العقيدة الإسلامية موجودة عند الأمّة والأمة أمة مسلمة وليست كافرة، ولكن هذه العقيدة فقدت علاقتها بأفكار الحياة وأنظمة التشريع، فغاضت منها الحيوية وصارت عقيدة جامدة بل عقيدة ميتة، ولم يعد لدى المسلمين ذلك الحافز الحاد الذي دفعهم لفتح الدنيا وحكم البشر ونشر الهدى وحمل لواء العدل والحق، بل إن هذه العقيدة عندهم فَقدت ذكر الله والتطلع إليه والاستعانة به، واتجهت نحو النظرة إلى الخلق واستمداد العون من البشر وأخذ القوة من المال، بل إن هذه العقيدة فَقدت في نفوس المسلمين تصوّر يوم القيامة، وفقدت الخوف من وعيد الله وعذابه، وفقدت الشوق إلى الجنة والحنين إلى نعيم الآخرة، فَقدت المثل الأعلى وهو نوال رضوان الله، وحصرت همّها في كسب متاع الدنيا، فصار شوقها إلى منزل فخم وفراش وثير وسيارة فارهة، وصار حنينها إلى متع زائلة كالمال والجاه والسلطان، وصار مثلها الأعلى تحقيق رغباتها المادية وإرضاء من بيدهم تحقيق هذه الرغبات، ولذلك سكتت هذه الأمّة على سيادة أنظمة الكفر على المسلمين وبقاء عملاء الكفر في سدة الحكم وضياع أراضي المسلمين ومقدساتهم، هذه العقيدة الإسلامية، حتى عند المتهجدين بالليل والصائمين تطوعاً بالنهار والمتحرجين عن ارتكاب المعاصي والمحرمات، لا تعني عندهم إلا هذه الأعمال وينصرفون بعدها إلى الدنيا وحدها، ولم يعد التقيد بحكم الله كما جاء من عند الله هو المسيطر على الأمّة، ولم يعد لرفع كلمة الله وجعلها هي العليا في أعمالهم أي وجود ولا في تفكيرها أي نصيب. لهذا كله كان لزاماً على حملة الدعوة الإسلامية ورجالات الدولة من العمل الدؤوب لبعث الحياة المتألقة في العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين باعتبار الأفكار والأحكام التي انبثقت عنها وحياً من الله، جاء بها جبريل عليه السلام علاجاً لأفعال العباد وإسعادهم، أي لا بد أن نجعل الأمّة الإسلامية اليوم تتجه في حياتها على أساس العقيدة الإسلامية وتقيم الحكم والسلطان عليها ثم تعالِج المشاكل اليومية بالأحكام المنبثقة عن هذه العقيدة أي الأحكام الشرعية بوصفها فقط أوامر ونواه من الله، لا بأي وصف آخر، أي حتى تنطق قلوب هذه الأمّة قبل ألسنتهم بأن أفكار الإسلام وأحكامه هي أكبر مبرر لوجودنا جميعاً، وأن إخلاصنا لها يجب أن يرتفع على كل إخلاص وأن ولاءنا لها يجب أن يرتفع على كل ولاء، فإذا نطقت قلوبهم بهذا ومثله وصار الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما، فإنه حينئذ تكون الفكرة التي تجمع الأمّة كافة وتقوم عليها الدولة وتنبثق عنها القوانين والأحكام التي تضبطهم قد أوجدت الحياة النضرة في الأمّة وحصلت عندها النهضة الصحيحة.

لذا يتحتم علينا نحن حملة الدعوة الإسلامية أن نخوض النضال بشكل عقائدي ضد جميع الاتجاهات التي تناقض اتجاه الإسلام وضد جميع المفاهيم التي تخالف مفاهيم الإسلام في الوقت الذي نخوض فيه النضال لتركيز مفاهيمنا وغرس اتجاهاتنا الإسلامية لأن أحدهما لا ينفصل عن الآخر في النضال قيد شعرة حتى نوجِد الوعي السياسي عند غالبية الأمّة والذي هو تدبّر الإنسان لرعاية شؤونه، وذلك بالنظر إليه من وجهة نظر الإسلام، ولأن الأمّة بدون هذا الوعي السياسي لا تدرك قيمة الإسلام في حياة الأفراد والمجتمع، وبدون الوعي السياسي لا يضمن سير الأمّة مع حملة الدعوة الذين يكافحون الكفر وأعوانه، ولأنه بدون الوعي السياسي تزداد حالة الأمّة سوءاً وتنقطع بها الأسباب للنهضة والرقي حيث أن الوعي السياسي بالنسبة للأمة الإسلامية هو مسألة حياة أو موت، لأن إيجاد الإسلام في معترك الحياة بدون دولة الخلافة خيال، وتحقيق دولة الخلافة بدون الأمّة الإسلامية وهْم، وجعْل الأمّة تحقق دولة الخلافة بدون الوعي السياسي أكثر خيالاً وأشد وهماً، فإذا تمكن حملة الدعوة الإسلامية من تغيير أفكار الناس واستبدالها بأفكار الإسلام، وتمكنوا من إيجاد الرأي العام لهذه الفكرة الإسلامية وما ينبثق عنها وضرورة إيجادها في معترك الحياة عن طريق إيجاد دولة الخلافة، واستطاعوا أن يجعلوا إيجادها في معترك الحياة عن طريق إيجاد دولة الخلافة، واستطاعوا أن يجعلوا الناس يسترخصون دماءهم وأموالهم في سبيل الفكرة الإسلامية التي حملوها معهم، واستطاعوا أيضاً أن يفتحوا أعين الناس على طريق الإسلام وتوضيحها لهم ودفعهم دفعاً لأن يسيروا فيها ولو كان في ذلك المشقة والعناء، وجعلوا الأمّة تسير في الطريق الأشق والدرب الأصعب، ببذل المهج والأرواح وبالسخاء بالنفيس من المال فداء للإسلام وإعلاء لرايته، وبعبارة أوضح، فمن حيث أن الدولة هي كيان تنفيذي لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات، أي أن الدولة هي كيان يقوم على فكرة، فلا بد لبناء هذا الكيان والتأكد من سلامة بنائه بناءً متيناً من العمل من قِبل حملة الدعوة الإسلامية ليل نهار، وبشكل متواصل كله إقدام وجرأة لا يعرف الكسل والسأم لإيجاد ثلاثة أمور هي:

1- الرأي العام في المجتمع للفكرة الإسلامية التي يحملها حزب التحرير ويتبناها.

2- احتضان الناس لهذه الفكرة الإسلامية وحملتها.

3- توفر المقدرة لدى الحزب وجهازه التي تمكّنه من تصريف شؤون الحكم دون عناء أو بذل جهد.

وبعد إيجاد هذه الأمور الثلاثة يأتي استلام الحكم طبيعياً بإذن الله بإعلان الخلافة الإسلامية، فيكون عملنا هو بناء دولة واستلام حكم. والأمثلة على ذلك كثيرة، فالرسول صلوات الله وسلامه عليه بنى دولة واستلم حكماً، ولينين بنى دولة واستلم حكماً، وماوتسي تونغ بنى دولة واستلم حكماً، وستالين استلم حكماً ولم يبنِ دولة لأن الدولة كانت قد بنيت، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما استلما حكماً ولم يبنيا دولة لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بناها. ولكن مصطفى كمال هدم دولة واستلم حكماً، وعبدالناصر استلم حكماً ولم يبن دولة، والبعثيون في الشام استلموا الحكم ولم يبنوا دولة، ولكنهم في العراق استلموا الحكم وانهدم على رؤوسهم لأنهم لم يبنوا دولة. وإذا تمكن الحزب من إيجاد هذه الأمور الثلاثة، يتمكن بعدها من أن يأخذ الحكم -الذي هو عمل من أعمال بناء الدولة- فتوجد بذلك دولة الخلافة التي تستطيع وقتئذ وبكل جدارة وإقدام من أن تتوسع لتشمل جميع بلاد الإسلام، لتركز راية العُقاب على كل رابية وفي كل بناية ومرتفع أمام جحافل جيش الإسلام، لتتحدى دولة الخلافة هذه جميع دول الأرض وتصمد لتهديداتهم المنتظرة وتتقدم بفيالق جيشها تحت لواء الجهاد لتحطم كل ما يقف أمامها من حواجز مادية وتزيلها لتنقل الشعوب الأخرى من ضلالة الكفر إلى هداية الإسلام، ولتعمل دولة الخلافة هذه على تسلم مركز الدولة الأولى في العالم لتنتزع قيادة السفينة الإنسانية وتنقذها من الغرق وتسوقها نحو شاطئ السلامة والأمان لتدلها وتسير بها على طريق الجنة في الآخرة والعزة في الدنيا بتفيؤ جميع هذه الشعوب ظلال حكم الإسلام والتمتع باعتناقه.

فقضيتنا إذن والحالة هذه العمل بنضالية مستمرة وأن يكون رائدنا في كل عمل من أعمالنا وكل تضحية من تضحياتنا النضالية كما علّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (كونوا كأصحاب عيسى بن مريم، نُشروا بالمناشير وحُملوا على الخشب، فما كان ذلك يثنيهم عن دينهم، فوالذي نفس محمد بيده ليتمّنّ هذا الأمر حتى أن الظعينة منكم لتسير من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها، ولكنكم تعجلون).

9 من ذي الحجة سنة 1387

8/3/1968

حاشية ملحقة هامة:

ليست الأمور الثلاثة التي ذكرها ضرورية،

فإنه يكفي في البلد أن يوجَد فيها عدد كاف من الشباب،

وأن يكون فيها رأي عام للحزب، وأن تكون قوتها المادية

كافية للدفاع حتى يتسلم الحكم فيها.