بسم الله الرحمن الرحيم
نقطة الانطلاق لحزب التحرير
اجتاز حزب التحرير أخطر مراحله وأدق أدواره الأولى بنجاح عظيم، وهو في سبيله لأن يصبح حزباً يفرض نفسه على المجتمع، فيكون فاعلاً فيه محدثاً الانقلاب الفكري والشعوري الشامل، كما أنه في طريقه إلى نقطة الانطلاق، وصار يتحتم عليه أن يخاطب الأمة وأن يعمل في المجتمع. وإنه وإن كانت نقطة الانطلاق تأتي طبيعية حسب سير الحزب إلا أنها خطيرة ودقيقة، تحتاج إلى محاولة ناجحة تؤدي إلى انطلاق بشكل حتمي، وهذه المحاولة من الدقة على جانب عظيم، لأنها تمر بعواصف تحدث في المجتمع، واجتياز الحزب لهذه المحاولة بنجاح هو الذي يؤدي إلى مرحلة الانطلاق.
والحزب في هذه المرحلة يواجه الظلاميين والمضبوعين بالثـقافة الأجنبية والفئات الحاكمة وجهاً لوجه، وهو لا يريدها ولا يقصدها أو لا يعتبرها خصماً له، وإنما يعمد إلى الكافر المستعمر لأنه وحده العدو للأمة.
ويواجه الحزب في هذه المرحلة أيضاً المنظمات الأخرى على مختلف أشكالها التكتلية، ولكنه لا يقصدها ولا يُعني نفسه بها، لأنها وإن كانت عُقَداً في المجتمع لكنها عُقَد تحل حلاً طبيعياً من جراء تغلغل الدعوة في الأمة.
والحزب في هذه المرحلة وإن كان يدأب على العمل لتنمية نفسه تنمية مطردة، وبناء كيانه بناء سليماً، وتنقية جوه تنقية تامة، إلا أنه يتحتم عليه أن يقوم بأربعة أعمال: فيستمر بالثقافة المركزة، والثقافة الجماعية، ويتقدم لأن يتبنى مصالح الأمة، ويكشف للناس خطط الاستعمار.
ولأجل أن يواجه الحزب المجتمع ويقوم بالأعباء التي اضطلع بها كان لزاماً عليه أن يكون واعياً على المجتمع، مدركاً للأوضاع إدراكاً دقيقاً، لا من قِبَل قيادته فحسب، بل من قِبَل الحزب كله بوصفه كلاً لا يتجزأ، بل بوصفه كلاً فكرياً شعورياً يتوحد فيه الإدراك والشعور، لأنه عميق الفكر مرهف الإحساس. وستبدو له حين انطلاقه الأمور التالية:
1- أنه وإن كانت الأمة الإسلامية كلها تدرك فكرياً أنها في واقع سيئ وأنها في حاجة إلى قيادة مخلصة واعية وتشعر بذلك، إلا أن هذا إدراك غامض وشعور مبهم، وهي لا تزال ضحلة التفكير ضعيفة الإحساس، تسيطر عليها أوشاب مختلطة من الآراء والأفكار، وتستولي عليها مشاعر مختلفة تكاد تكون متناقضة، فهي في مستوى منخفض فكرياً وشعورياً.
2- أن المجتمع في البلاد الإسلامية مجتمع غير إسلامي، تتحكم فيه الأفكار الرأسمالية والديمقراطية، وتسيطر عليه الحضارة الغربية، ويطبَّق عليه النظام الرأسمالي الديمقراطي، وتسوده المشاعر الوطنية والمشاعر القومية، والمشاعر الروحية الكهنوتية. والناس الذين يعيشون فيه مسلمون في عقائدهم وجدانياً، ولا يزالون في شؤونهم الاجتماعية (أي علاقة المرأة بالرجل) يسيرون حسب الإسلام.
3- إنه وإن كان العالم الإسلامي خالياً من جميع الحركات السياسية، ولا يكاد يوجد فيه عمل سياسي إلا أن الاستعمار وضعه في ظروف أدت إلى أن تقوم فيه أعمال تتشابه مع الأعمال السياسية، فسميت أعمالاً سياسية وأدت إلى أن تنشأ فيه منظمات مختلفة الأشكال، أُطلق على بعضها أنها منظمات سياسية، وهذا ما جعلها تشتبه على الناس فيظنون أنها أعمال سياسية ومنظمات سياسية، وهذا الظن هو الذي أوقع المجتمع تحت سيطرة هذه المنظمات، كما جعله مسرحاً لتلك الأعمال.
4- أن المنظمات الحزبية تعتبر أعلى أنواع المنظمات الموجودة في المجتمع، ومع ذلك فإنها لا ترتفع على مستوى الشعب من ناحية فكرية وسياسية، فهي لا تزال تعيش في مستوى منخفض عن التفكير العادي ولم تصل بعد إلى التفكير العادي، ولذلك لم تصل بعد إلى منظمات حزبية سياسية بالمعنى السياسي حتى حسب السياسة السائدة، وهذا أمر عام في كافة البلاد الإسلامية.
5- أن الأمة لم تدرك بعد ضرورة وجود منظمة سياسية مبدئية إدراكاً تاماً، وإن كانت تتحسسها واعتادت على المنظمات الموجودة حالياً، وإن كانت تبدي التذمر منها والملل من أساليبها واليأس من إنتاج طريقتها، ولعدم إدراكها ضرورة وجود منظمة مبدئية كان لا غرابة أن نرى الأمة بمجموعها متأثرة بالأشكال التي تظهر في هذه المنظمات وسائرة سيراً لا شعورياً مع هذه الأشكال.
6- الأشكال الوطنية والقومية والروحية هي الأشكال التي تظهر في المنظمات القائمة في العالم الإسلامي، وهي الأشكال السائدة عند جميع الشعوب في الأمة الإسلامية، وهي المسيطرة على أذهان الأمة كلها، ولذلك نجد الناس قد تبلور ذوقهم على ذلك، واستقر استقراراً جعلهم لا يألفون غيرها مع إحساسهم بعقمها عن الإنتاج وبضررها، ولذلك يدافع الشعب عن كيانه كشعب لا كأمة إسلامية، مع احتفاظه بالإسلام وحرصه عليه من الناحية الروحية والاجتماعية.
7- الأمة مادة خام تتشكل بالأفكار التي تسيطر عليها ما دامت لا تطبَّق عليها نظامها. والأمة الإسلامية اليوم تتجاذبها منظمات متعددة وأفكار مختلفة، ولسلطان الفكر السائد أثر كبير عليها، وهو أقوى من أي سلطان، ولذلك تكون الأمة بجانب المنظمة التي تحمل نفس الأفكار السائدة عندها، وبالطبع تصبح هذه الأفكار هي المسيطرة على كل شيء، وتبعاً لذلك تكون طريقة التكتل الحزبي أو الجمعي السائدة هي التي اعتادت عليها الأمة، وطبيعياً يكون لعمل الذي اعتادت عليه هذه الكتل هو المألوف عندها. ولهذا تجد الأمة لا تزال تستجيب لداعي المظاهرات والاحتجاجات والبرقيات والخطب العاطفية، رغم اقتناعها بعقمها. ولذلك لابد من تهيئة الأمة قبل العمل.
8- إن تهيئة الأمة تعني تهيئة أفكارها ومشاعرها، وهذا يعني تماماً إثارة ناحية التفكير العميق ومحاربة السطحية فيها، ويعني أيضاً إثارة مشاعرها وإرهاف إحساسها، وجعل شوقها لحمل الدعوة الإسلامية أشد من شوقها إلى أي شيء آخر، وجعل الإسلام وحده مركز تنبهها الطبيعي، ويعني أيضاً محاربة عدم المبالاة السائدة فيها وتحريك الحوادث التي توقظها من نومها وتُبعد عنها الخمول. وهذا يوجب جعل ثـقافة حزب التحرير هي المستساغة وهي السائدة في المجتمع، وجعل الثـقافة الإسلامية بوجه عام هي وحدها الثقافة التي تستولي على جميع الناس.
9- إن تهيئة الأمة لحمل الدعوة الإسلامية يعني تماماً تهيئة الأمة للعمل السياسي على أساس الإسلام، وهذا لا يمكن أن يتم ما لم تصبح الأفكار الإسلامية هي السائدة، وما لم يكن الطريق السياسي بالمفهوم الإسلامي واضحاً وسائداً على جميع الأفكار الأخرى، وهذا يوجب على الحزب توضيح هذه الأفكار في ثـقافته، وتوضيح الطريق السياسي لا بثقافته فحسب، بل بتطبيق هذه الطريق على الحوادث اليومية التي تحصل في العالم، سواء السياسة العالمية أو السياسة في البلاد الإسلامية، وهذا يوجب الإسراع في العمل السياسي الذي يتجلى في تبني مصالح الأمة وكشف خطط الاستعمار.
10- بما أن الحزب يحمل الدعوة الإسلامية قيادة فكرية تنبثق عنها أنظمة الحياة، ويتخذ السياسة الطريق الوحيدة لهذه الدعوة، لذلك كانت الفئات الثلاث التي تقف في وجه الدعوة هي الفئات الحاكمة والظلاميون والمضبوعون بالثقافة الأجنبية. ومن خطة الاستعمار أن يضعها أمام الدعوة كصخور تقوم في الطريق، لتعيق عن الوصل إلى الهدف، حتى يَكسب المستعمر الزمن، وهو يعلم أنها لا تحول دون الوصول إلى الغاية ولكنه يضعها للإعاقة فقط، ولذلك يجب تجنب الاصطدام بهذه الصخور وبكل الصخور القائمة من كل نوع ما أمكن هذا التجنب، لأن هذه الصخور يجب أن تستعمل في بناء الحصون، لا أن تكون عائقاً في الطريق؛ أي يجب أن تُكسب هذه الفئات الثلاث للدعوة أو يجب على الأقل أن يُفهم وأن يكون واضحاً عندها وعند الجميع أنها وسائل استعمارية للكافر المستعمر ليذهب أثرها إن لم يكن بالإمكان تحويلها.
11- ليس معنى تجنب الاصطدام بالصخور؛ أي بالفئات الثلاث، هو عدم الدخول معها في معركة فكرية، بل معناه عدم الدخول معها في اصطدام قولي أو فعلي مهما كانت الظروف. أما المعركة الفكرية بين الدعوة والأفكار الأخرى كافة فهي حتمية لا يمكن التخلي عنها لحظة واحدة، لأنها هي التي تقرر مصير جميع الأفكار السائدة وتقضي عليها.
12- السلاح الوحيد الذي في يد الحزب هو الإسلام، ولا يصح أن يستعمل سواه، والناحية الفكرية هي التي يجب أن يكون الحزب -بوصفه كلاً- مسلحاً بها. وكلما ارتـفع عن الواقع وكلما قلَّب الأفكار كان قادراً على التأثير وعلى اجتذاب الناس لمبدئه وله في آن واحد، وكلما ربط أفكاره –بوصفها معالجات- بالحوادث اليومية التي تحصل استطاع أن يُحدِث التأثير في الأذهان.
13- فمثلاً لا يجوز تشبيه مجلس الشورى بمجلس النواب، ولا تشبيه الخليفة برئيس الجمهورية، لأن هذا يُبعد تصور الحكم الإسلامي، بل يجب أن يرتـفع عن الواقع، ويشرح مجلس الشورى ويشرح الخلافة كما جاءت بهما الأحكام الشرعية، لتُرسم في الذهن صورة الحكم الإسلامي. كما لا يجوز تبني فكرة العدالة الاجتماعية، وفكرة السلام العالمي، وما شاكل ذلك من الأفكار غير الإسلامية، ومثلاً إذا رأى المسلم أحداً يفضل المعسكر الغربي على المعسكر الشرقي بحجة أنهم أهل كتاب لفت نظره إلى أن المبدأ الرأسمالي غير النصرانية، وأن المعسكر الغربي بأكمله يتحكم في حياته كلها المبدأ الرأسمالي لا النصرانية، فلا علاقة لموضوع أهل الكتاب في هذا المجال.
وإذا رأى المسلم أحداً يعزو تـفشي الموبقات كشرب الخمر والزنى والسرقات إلى فقدان الأخلاق، لفت النظر إلى أن هذا ناتج عن عدم تنفيذ الحد الشرعي، فحرمات الله لا تصان إلا بحدود الله، وإنه وإن كان حمل المبدأ الإسلامي لا يتأتى إلا كاملاً فكرة وطريقة، إلا أن الطريقة بشكل خاص يجب حملها للتنفيذ، ويجب إيضاحها للناس جميعاً، لأن أكثر الخطأ والغموض في الحركات القديمة وعند الناس، إنما هو في الطريقة.
14- العناية الفائقة في تثبيت مفاهيم الحزب عن الإسلام وعن السياسة هي حجر الزاوية. ولذلك كانت الثـقافة المركزة في الحلقات تقتضي أن تصحبها الثـقافة الجماعية لانتزاع سلطان الأفكار السائدة في المجتمع ثم قلعها من جذورها وإحلال الأفكار الإسلامية محلها، وهذا يوجب على الحزب أن يجعل النشاط منصباً –مع الناحية السياسية- على جعل شباب الحزب الفاهمين الواعين متغلغلين في الأوساط كافة وفي جميع النواحي، متصلين بالناس دائماً وحريصين على هذا الاتصال.
15- تقتضي العناية الفائقة في تثبيت المفاهيم التي يتبناها الحزب عن الإسلام وعن السياسة أن يكون حملة الدعوة حزبيين، ولذلك يجب اعتبار كل من يدرس أنه وإن تفاعلت معه الفكرة، لم يدرك -بعد- معنى المنظمة السياسية ولم يدرك -بعد- معنى العلاقة الحزبية. وعليه فيجب بذل العناية الكافية في إيضاح العلاقة الحزبية في الثقافة وفي كل مناسبة حتى يصبح الدارس جزءاً من الحزب، وهذا يأتي بعد انصهاره فكرياً ونفسياً. ولا بد من إيضاح العلاقة الفكرية ثم العلاقة الحزبية، حتى يتسنى جعل علاقة العمل في الدعوة بديهية طبيعية، وحتى يكون أداء الفكرة وحمل الدعوة كاملاً، وبهذا يحصل التأثير التام ويسير العمل الحزبي سيراً ممتازاً.
16- لا بد أن يكون لكل عمل قصد متصور قبل القيام بالعمل، وهذا القصد هو جزء من الجو الإيماني لأن الجو الإيماني يتكون من الإيمان بالمبدأ؛ أي بالإسلام. ومن القاعدة العملية التي هي اقتران الفكر بالعمل وأن يكونا من أجل غاية، وكون الفكر والعمل من أجل غاية معينة هو المراد أنه يجب أن يكون لكل عمل قصد، وهذا لا بد من وجوده لدى الحزب باعتباره كلاً، ولدى كل عضو من أعضاء الحزب، ويجب أن يربّى هذا القصد، وأن يوجد في نفوس الجميع.
17- الاستسلام للتواكل وما تأتي به الظروف؛ أي الاستسلام للعفوية، من الحزب أو أي عضو من أعضائه معناه الوقوف الذي قد يؤدي إلى الانتكاس. ولذلك لا بد من دوام التفكير باستعراض ما عمل، وما هو في سبيل عمله وما يجب أن يعمله، ولا يصح أن ينتظر الظروف وما تأتي به الظروف، بل عليه أن يوجد الظروف وأن يستغل الظروف التي تحصل، والذي يحمي من التواكل والاعتماد على الظروف هو وجود القصد من العمل، ودوام التفكير في الدعوة والدأب عليها، وعدم الركون إلى كل ما يأتي اتفاقاً أو عفواً دون بذل جهد، وأن يكون ربط الأسباب بالمسببات هو المسيطر على الأذهان، وأن لا يركن إلى ما يشعر به الإنسان داخلياً حتى ولو كان هذا الشعور صادقاً.
18- يجب أن يدرك الحزب الصعوبات التي يمر بها والتي ستواجهه، وأن يدرك ظروف العمل الذي يقوم به والظروف التي يمكن أن تحيط به حين يريد أن يقوم بعمل من الأعمال. وأن يدرك التكتيك إدراكاً تاماً، والمواضع التي يصلح لها هذا التكتيك أو لا يصلح لها. نعم إن التكتيك أسلوب يقرره نوع العمل، إلا أنه يختلف ويتغير بما يطرأ من ظروف لم تكن في الحسبان. ولذلك لا بد أن يكون متحركاً متغيراً.
19- يجب أن يدرك الحزب قواه التي يملكها إدراكاً صحيحاً، ومدى تأثير الأجواء التي أحدثها، والوعي الذي أوجده قبل القيام بالعمل سواء أكان هذا التأثير في أعضاء الحزب أو في الشعب، لأن إدراك ذلك يجعله يعرف كيف يقدّر المسؤولية حق قدرها، لأنها إن قدّرت أكثر من حقيقتها كان منها خطر التخاذل، وإن قدّرت أقل من حقيقتها كان منها خطر التهور. ولذلك كان تقدير المسؤولية على وجهها الصحيح أمراً حتمياً.
20- يجب أن يدرك الحزب أن هذا الدور الذي تمر به الأمّة الإسلامية هو دور الانقلاب الفكري والشعوري الذي يؤدي إلى جعل المسلمين يحملون قيادتهم الفكرية دولياً إلى العالم لتظهر على سائر القيادات الفكرية في جميع الوجود، ويدرك أن عليه، أي على حزب التحرير، مهمة القيام بهذا الدور، ولذلك كان لا بد أن تظل الناحية الفكرية هي الأساس، وأن يظل اقترانها بالعمل السياسي فقط هو حجر الزاوية في العمل. ومن هنا كان لزاماً على الحزب أن يظل محيطاُ بالأحوال السياسية العالمية، والأحوال السياسية في العالم الإسلامي، ولا سيما الأحوال السياسية في مجال عمله، وكذلك كان لزاماً عليه أن يسعى لأن يجعل الأفكار الإسلامية وحدها هو التي توضع موضع المناقشة وموضع البحث في جميع البلاد الإسلامية. وكان لزاماً عليه أيضاً أن يحيط دائماً بالأفكار التي تدور في البلاد الإسلامية.
21- يجب أن يكون الحزب متيقظاً دائماً وأن يكون واعياً على المجتمع وعياً تاماً، وأن يُعنى بتسجيل ما يفكر به الناس وما يشعرون به، حتى يعلم مدى تأثير ثقافته ومدى تغلغل الأفكار التي يبثها والمشاعر التي يوقظها ومدى تحول المجتمع من البرودة إلى السخونة ومن السخونة إلى الغليان حتى يركز ثقافته في نفوس الناس، لأنها هي الوقود الذي يشتعل في المجتمع، فيوجِد الحرارة فيه ويحوله، حتى يتمكن من رفع الأمة إلى المستوى الذي تدرِك فيه إدراكاً عقلياً، وتَشعر شعوراً صادقاً بأن وجودها إنما هو من أجل الإسلام، ومن أجل حمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وأن حزب التحرير هو الذي يسير في هذه المهمة.
22- طريقة قياس أفكار المجتمع ومشاعره هي في منتهى البساطة، فإنها تكون بملاحظة التأثير الذي تحدثه الحوادث السياسية على الأفكار، أي هل أَحدثت أفكار جديدة أم أَكدت، فحسب، الأفكار القديمة؟ وملاحظة التأثير الذي تحدثه الحوادث السياسية على المشاعر؛ أي هل أحدثت مشاعر جديدة أم أكدت، فحسب، المشاعر القديمة؟ والمراد بالمشاعر ما يحدث من سرور أو حزن أو رضى أو غضب، هذا بالنسبة لما يَجدّ من أفكار ومشاعر وما يؤكَّد من أفكار ومشاعر. أما بالنسبة للأفكار والمشاعر الموجودة فإنها تكون بملاحظة الأمور التي يتحدث بها الجمهور وملاحظة المشاعر المتيقظة لديه وذلك كحديث المسلمين اليوم عن الجمعيات التعاونية والشركات المساهمة بدل أن يتحدثوا عن شركة العنان أو شركة المضاربة. وكغضبهم لقوميتهم بدل أن يغضبوا لحرمات الإسلام، وعلى هذا المقياس يجري تسجيل الأفكار والمشاعر. ولا بد أن يُعنى بملاحظة جميع الناس سواء المفكرين وغيرهم، لأن الأفكار في الجماعة واحدة والمشاعر واحدة.
23- أن يقاس أفكار المجتمع ومشاعره إنما يكون من أجل معالجتها بمهاجمة الأفكار المغلوطة وبيان زيفها وتحويل مشاعر السرور مما لا يُسر له المسلم إلى ما ينبغي أن يُسر له، ومشاعر الغضب مما لا يغضب له المسلم إلى ما ينبغي أن يغضب له. ولذلك لا بد أن يُعنى بمعرفة الرجع الذي تحدثه الأحداث والأفكار؛ أي معرفة رد الفعل الذي يحدث عند الناس من جراء الأحداث والأفكار، أي هل أحدثت رد فعل أم لا؟ فإن أحدثت رد فعل دل ذلك على أنهم صدّقوها، فلا بد من بيان زيف الأفكار وتحويل المشاعر، وإن لم تحدث رد فعل فإنه لا لزوم للاشتغال بها لأنه يكون حينئذ اشتغالاً في عبث.
24- وحيث أن حجر الزاوية في معالجة الأفكار والمشاعر هو تغيير المفاهيم، كان لا بد من معرفة مدى الرجع الذي يحصل حين إجراء تغيير المفاهيم؛ أي هل أحدث تغيير الحزب في مفاهيم الناس المغلوطة رد فعل لديهم وتأثيراً عليهم أم لا؟ فإن كان أحدث رد فعل لديهم وتأثيراً عليهم دل ذلك على أن الأفكار التي أعطاها الحزب قد أحدثت مفاهيم عندهم، ودل على أن ما حصل عندهم من أخذ الفكر هو تغيير مفاهيم حقيقة، وأما إن كان لم يحدث رد فعل لديهم مع فهمهم لأفكاره كان ما حصل عندهم هو أخذ معلومات فقط ولم تتغير بها مفاهيم.
25- وحيث أن الحزب هو الذي يعالج أفكار المجتمع ومشاعره بالأفكار التي يتبناها، فإنه لا بد من أن يعنى بمعرفة الميول التي عند الناس لأفكار الحزب وللحزب نفسه؛ أي هل يحبذ الناس أفكار الحزب أو ينفرون منها، وهل يحبون الحزب نفسه أو يبغضونه أم أنهم لا يحبونه ولا يبغضونه وإنما يقفون منه موقف الإهمال أو موقف اللامبالاة.
26- معرفة الحزب لأفكار المجتمع ومشاعره ضرورية عند مخاطبة المجتمع، حتى يوجه العناية للأفكار وحتى يعرف الأفكار التي يجب أن تؤدى في الوقت المناسب. إلا أنه لا بد أن يعلم أن العناية بالأفكار هي جزء من العمل الفكري للحزب،لأن الحزب يجب أن يسعى أولاً لتغيير طريقة التفكير عند الناس، وثانياً لتغيير القاعدة الفكرية التي يبنون عليها أفكارهم، وثالثاً لتغيير الأفكار الموجودة لديهم، ورابعاً لربط جميع الأفكار التي تطرأ عليهم في الحياة بقاعدتهم الفكرية. وبهذا يسهل عليه أن يغير الأفكار ويسهل عليه أن يضمن أن الناس أنفسهم صاروا يغيرون أفكارهم ويربطونها بقاعدتهم الفكرية. وبذلك يضمن انتقال الأمة الإسلامية ويتحقق الدور الانقلابي.
27- انتقال الأمة الإسلامية من الحالة السيئة التي هي فيها إلى حال حسنة يتوقف على نجاح الدور الانقلابي، وهو متوقف على وجود الأفكار الإسلامية في أذهان الناس، لأن مفاهيم الإنسان عن الحياة تنبثق عن الأفكار الأساسية الموجودة لديه وتؤثر عليه الأفكار العرضية. ولذلك كان لزاماً أن يبذل الجهد الجبار لإيجاد أفكار أساسية وإزالة الأفكار العرضية، وجعل الأفكار الإسلامية وحدها هي الأفكار الأساسية عند الناس. إلا أنه يجب أن يكون واضحاً وضوحاً تاماً أن وجود الأفكار عند الناس ليس كافياً لنجاح دور الانقلاب الفكري، وليس كافياً لانتقال الأمة من حال إلى حال، بل لا بد أن يرى الناس هذه الأفكار أنها معانٍ ملموسة وأن يسيطر عليهم الشعور بأنه لا بد لهم من وجودها في واقع حياتهم حتى تصبح مفاهيم تدفع للعمل. ولا بد من استقرار هذه الأفكار في الأفراد والجماعات استقراراً يجعل لها العراقة والتركيز ويوجد لها القوة والنفوذ، حتى تحدث التحول الجارف، فيحصل حينئذ التحول والانتقال في الأمة.
28- يلاحظ في المجتمع في البلاد الإسلامية أن الأفكار الأساسية عن الحياة هي أفكار رأسمالية ديمقراطية ولكنها أفكار مزعزعة غير متركزة إذ لم يتخذها الناس أفكاراً أساسية لهم بسبب أن عقيدتهم هي العقيدة الإسلامية، وهم حين تبنوا هذه الأفكار أخذوها أخذاً لا اعتقاداً، وخدعهم من أعطاهم إياها بأنها لا تناقض عقيدتهم بل هي متفقة مع عقيدتهم. ولهذا تجدها غير متركزة في أذهانهم وإن كانت تصرفاتهم تسير حسبها. فإذا ما اقتنعوا بأنها تناقض عقيدتهم فإنهم ما أسرع ما يتركونها ويرجعون للأفكار الإسلامية. وبهذا الرجوع من الناس يحصل التحول في المجتمع.
29- توجد في المجتمع أفكار عرضية، هي وليدة مؤثرات وقتية كالأفكار التي تثير المشاعر الوطنية والقومية، وكالأفكار الاستقلالية وما شابهها. وهذه الأفكار العرضية يثبتها الوضع الراهن القلق وليست هي ناشئة من فكر عن الحياة. وما أسرع ما تذهب هذه الأفكار العرضية كلها، حين يجري تركيز الأفكار السياسية.
30- يوجد في المجتمع خلط بين الأفكار الاستنتاجية الناتجة عن الطريقة العقلية والأفكار العلمية الناتجة عن الطريقة العلمية. وبناءً على هذا الخلط يعتبرون ما يسمى علما النفس علماً، ويعتبرون أفكاره أفكاراً علمية لأنها جاءت بناءً على ملاحظات جرى تتبعها على الأطفال في ظروف مختلفة وأعمار مختلفة، فسمّوا تكرار هذه الملاحظات تجارب. والحقيقة أن أفكار علم النفس ليست أفكاراً علمية وإنما هي أفكارٌ عقلية. لأن التجارب العلمية هي إخضاع المادة لظروف وعوامل غير ظروفها وعواملها الأصلية، وملاحظة أثر هذا الإخضاع؛ أي هي إجراء نفس التجارب على المادة كتجارب الطبيعة والكيمياء. أما ملاحظة الشيء في أوقات وأحوال مختلفة فليس بتجارب علمية، وعليه فملاحظة الطفل في أحوال مختلفة وفي أعمار مختلفة لا يدخل في بحث التجارب العلمية، فلا يعتبر طريقة علمية وإنما هو ملاحظة وتكرار للملاحظة واستنتاج وحسب؛ فهو طريقة عقلية وليست طريقة علمية، وعليه فإن أفكار علم النفس أفكار عقلية وتدخل في الثقافة ولا تدخل في العلم ومثلها علوم التربية وعلم الاجتماع.
31- توجد في المجتمع قداسة للأفكار العلمية وللطريقة العلمية فكان لا بد من بيان أن قابلية الخطأ في الطريقة العلمية أساس من الأسس التي يجب أن تلاحظ فيها حسب ما هو مقرر في البحث العلمي وقد حصل الخطأ في نتائجها بالفعل، وظهر ذلك في كثير من المعارف العلمية التي تبين فسادها، بعد أن كان يطلق عليها حقائق علمية. فمثلاً الذرة كان يقال عنها إنها أصغر جزء في المادة ولا تنقسم، فظهر خطأ ذلك وتبين بالطريقة العلمية نفسها أنها تنقسم، وكذلك كان يقال إن المادة لا تفنى فظهر خطأ ذلك وتبين بالطريقة العلمية نفسها أن المادة تفنى، ولذلك لا يجوز أن تُتخذ الطريقة العلمية أساساً. وذلك أن الطريقة العلمية توجِد نتيجة ظنية عن وجود الشيء وعن صفته، وأما الطريقة العقلية فإنها تعطي نتيجة قطعية عن وجود الشيء وعن وجود صفات معينة له، وإن كانت تعطي نتيجة ظنية عن كُنهِ ذلك الشيء؛ فهي من حيث حكمها على وجود الشيء ووجود صفات معينة له، قطعية يقينية، فيجب أن تُتخذ هي أساساً للبحث باعتبار أن نتائجها قطعية. وعلى هذا فلو تعارضت نتيجة عقلية مع نتيجة علمية عن وجود الشيء وعن وجود صفة معينة له تؤخذ النتيجة العقلية حتماً، وتترك النتيجة العلمية التي تتعارض مع النتيجة العقلية. لأن القطعي هو الذي يؤخذ لا الظني.
32- مهمة حزب التحرير الأساسية حمل الدعوة الإسلامية، وهذه تجعل من أهم أعماله الأعمال الآتية:
-
تغيير طريقة التفكير عند العالم بطريقة التفكير الإسلامية.
-
تغيير القاعدة الفكرية التي يبني الناس عليها أفكارهم بالقاعدة الفكرية الإسلامية.
-
تغيير الأفكار التي يحملونها بأفكار إسلامية.
-
ربط جميع الأفكار بالقاعدة الفكرية الإسلامية.
أما تغيير طريقة التفكير فهي أن العالم المتأخر فكرياً، ومنه العالم الإسلامي، سطحي التفكير لأن طريقة تفكيره سطحية ضحلة، فلا بد من جعل طريقة التفكير عنده عميقة. فمثلاً بدلاً من مقاومة الاستعمار بالمظاهرات والاحتجاجات يُعمل لقلع جذور الاستعمار بحمل القيادة الفكرية الإسلامية وإيجاد الدولة الإسلامية، وبدل أن يُفكر في إنتاج الثروة فقط يُفكر في كيفية توزيعها، لأن المشكلة الاقتصادية في العالم آتية من سوء التوزيع، لا من قلة الإنتاج. هذا في العالم المتأخر فكرياً، أما العالم المتقدم فكرياً فإنه منحرف التفكير، ضال عن الصراط المستقيم، لأن طريقته في التفكير هي الطريقة العلمية، يجعلها وحدها أساس التفكير، ويُحكِّمها في جميع الأشياء، فلا بد من جعل طريقة التفكير العقلية هي أساس الفكر عنده، كما وأن تُجعل الطريقة العلمية نتيجة من نتائجها التي تشمل العلمية وغيرها. وذلك أن الطريقة العلمية تفرض التخلي عن جميع المعلومات السابقة عن الشيء الذي يُبحث وعدم وجودها، ثم تبدأ بملاحظ المادة وتجربتها؛ أي بإخضاعها لظروف وعوامل غير ظروفها وعواملها الأصلية وملاحظة ذلك ثم تُستنتج من هذه العملية على المادة حقيقة مادية ملموسة، كما هي الحال في المختبرات. وعلى ذلك فكل ما لا يُلمس مادياً لا وجود له في نظر الطريقة العلمية. وإذاً لا وجود للمنطق والتاريخ وغيرهما، لأن ذلك لم يثبت علمياً؛ أي لم يثبت عن طريق ملاحظة المادة وتجربتها والاستنتاج المادي للأشياء الملموسة، وهذا هو الخطأ الفاحش، لأن العلوم الطبيعية فرع من فروع المعرفة وفكر من الأفكار، وباقي معارف الحياة كثيرة وهي لم تثبت بالطريقة العلمية، بل تثبت بالطريقة العقلية. ولذلك لا يجوز أن تتخذ الطريقة العلمية أساساً للتفكير. والذي يُتخذ أساساً للتفكير هو الطريقة العقلية. وهي أن الفكر أو الإدراك العقلي إنما يأتي عن طريق نقل الحس بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ، ووجود معلومات سابقة يُفسر بواسطتها الواقع فيصدر الدماغ حكمه عليه وهذا الحكم والفكر أو الإدراك العقلي، وهو الأساس في التفكير. فيوجد بواسطته إدراك الحقائق العلمية بالملاحظة والتجربة والاستنتاج، ويوجد بواسطته إدراك الحقائق المنطقية في المنطق وما شابهه، ويوجد بواسطته إدراك حقائق التاريخ وتمييز الصواب من الخطأ فيها، وتوجد بواسطته الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، وعن خالق الكون والإنسان والحياة، وعن علاقة هذه الحياة بما قبلها وما بعدها. هذه هي الطريقة العقلية التي يجب أن تصبح طريقة التفكير عند العالم، فيجعلها هي أساس التفكير، أما تغيير القاعدة الفكرية عند الناس فهي في حمل القيادة الفكرية للعالم؛ أي حمل العقيدة الإسلامية عن طريق عقلي حتى تتغير القاعدة الفكرية الموجودة عندهم والتي هي إما الإيمان الوجداني بالله وفصله عن الحياة، وأما إنكار وجوده، وهذا كله ليس قاعدة فكرية صحيحة فيجب أن يزال وأن توضع بدله القاعدة الفكرية الإسلامية.
وأما تغيير الأفكار التي يحملونها فإنها تأتي ببيان الخطأ الموجود في أفكارهم، وشرح الأفكار الصحيحة لتحل محلها. والطريق العملي لذلك هو ربط الأفكار بالتصرفات، فمثلاً حين يهتف الناس بأن العزة للعرب يُذكَّرون بأن ذلك يتناقض مع الإسلام لأن العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين، وحين ينادُون بالقومة العربية، يُذكَّرون بوجوب المناداة بالإسلام وهو يهاجم العصبية القبلية وعصبية العرق والجنس، وهذه هي القومية وبذلك يظهر لهم خطأ تصرفاتهم لمخالفتهم للشرع فيبرز لهم خطأ أفكارهم. وأما ربط الأفكار بالقاعدة الفكرية فيأتي بعملين:
أما العمل الأول فهو أن يكون أعضاء الحزب مثالاً في تصرفاتهم وربطها بالعقيدة الإسلامية، ولو خالفت العادات والتقاليد، ولو خالفت ما عليه غيرهم من الأمم والشعوب المتقدمة مادياً.
وأما العمل الثاني فهو التصدي لكافة المشاكل الحديثة لبيان حلولها، والآراء السائدة لبيان زيفها والإسراع في تصحيح المفاهيم المغلوطة وتغيير الأفكار الخاطئة وإبطال رجع المشاعر التافهة وتحويلها إلى مشاعر إسلامية.
33- إن هذه المهمة التي يقوم بها الحزب تحتاج إلى مفكرين، والمتعلمون هم من أقدر الناس على العمل لأن يصبحوا مفكرين، فهم أقدر الناس على القيام بهذه المهمة. وقد يتبادر إلى الأذهان أن الحزب إنما يكون من المتعلمين، لكن الحقيقة هي أن الحزب يكون من جميع الناس، سواء أكانوا متعلمين أم غير متعلمين، لكنهم يصبحون بعد انصهارهم به من المفكرين، لأنهم مثـقفون بثـقافته، بوصفها ثـقافة إسلامية حزبية، وبالثـقافة الإسلامية بوجه عام. ومن طبيعة هذه الثـقافة أنها عميقة، وتُعلِّم العمق في التفكير، وأما المتعلمون مهما تنوعت معارفهم فهم كباقي الناس في نظر الحزب، ولا بد أن يبدأ بتثـقيفهم من جديد بثـقافته، ثـقافة مركزة وثـقافة جماعية، ويجب أن يُفرض أن كل إنسان خالٍ من كل ثـقافة مهما كانت درجته من المعارف، سواء أكانت معارفه السابقة التي تلقاها معارف إسلامية أم معارف أخرى، وأن يُبدأ بتثـقيفه من جديد. وهذا الفرض في كل إنسان لا بد منه لسببين اثنين:
أحدهما: أن الفكر والاستعداد العقلي موجود عند جميع الناس، سواء أكانوا متعلمين أم غير متعلمين، ويتـفاضلون باعتبار الاستعداد الطبيعي، لا باعتبار زيادة المعلومات، فقد تكشف الثـقافة الإسلامية عن عبقرية في رجل قليل المعارف فتمسها فإذا هي مشرقة، فيتقدم فكرياً خطوات يسبق فيها من هو أكثر معرفة وأغزر علماً منه، ولذلك كان المعوَّل عليه هو وجود الاستعداد الفكري في الدرجة الأولى، لأنه هو الذي يجعل الإنسان أقدر على حمل القيادة الفكرية وعلى إيجاد الانقلاب الفكري والشعوري في المجتمع.
ثانيهما: أن طريقة التـفكير الموجودة عند المتعلمين رغم وجود المعارف هي إما سطحية، وإما متأثرة بالطريقة العلمية، وكلتاهما بعيدة عن طريقة التـفكير العقلية، وما لم تُغير طريقة التفكير الموجودة لدى المتعلمين وتوضع بدلها الطريقة العقلية، وتُغير قاعدتهم الفكرية والأفكار التي يحملونها لا يمكن أن يُعَدوا من المفكرين، ولذلك لا بد من تحويلهم إلى مفكرين بطريقة التـفكير العقلية حتى يُعَدوا من المفكرين، وعلى ذلك كان على حزب التحرير أن يوجِد في الأمة المفكرين الممتازين.
34- قيام الحزب في مهمته وهي حمل الدعوة الإسلامية تحتم عليه أن يكون سائراً حسب الطريقة الإسلامية. وطريقة الإسلام في حمل الدعوة إلى العالم هي الجهاد، وطريقته في حملها للناس في المجتمع هي دعوتهم له بطريقة الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن. قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين). والحكمة هي البرهان العقلي، والموعظة الحسنة هي التذكير الجميل، ويعني إثارة مشاعر الناس عند مخاطبة عقولهم، وإثارة أفكارهم حين مخاطبة مشاعرهم، حتى تكون المشاعر مرتبطة مع الأفكار، فيُنتج العمل إنتاجاً كاملاً. وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو النقاش الذي يُحصر بالفكرة ولا يتعداها إلى الأشخاص، وهذه الأحوال الثلاث في طريقة الدعوة لا بد من ملاحظتها لأن أكثر من يواجه الدعوة في المجتمع ثلاث فئات:
إحداها: فئة تريد أن تـفهم الإسلام وأن تحمل الدعوة له، ولكنها تريد أن تقف عليه من طريق عقلي حتى يقتنع عقلها ويطمئن قلبها، وهذه لا بد من دعوتها بالبرهان العقلي والدراسة العميقة، ويكون ذلك بالثـقافة المركزة التي لا تأتي لأي إنسان إلا في الحلقات يلتقي بها في أول مرة، ثم يصبح هو يثـقف حلقات أخرى، والذي يتثـقف بالحلقات يُدعى بالحكمة، والذي يثـقِّف الحلقات يدعو بالحكمة. وهذه هي الثـقافة الواعية التي تُحدث الانقلاب الفكري في الإنسان وتجعله قادراً على أن يُحدث الانقلاب الفكري في غيره وفي المجتمع.
ثانيها: فئة جمهور الناس، وهم الذين لا يجدون من وقتهم أو من استعدادهم أو من ظروفهم ما يمكّنهم من متابعة الثـقافة المركزة. وهؤلاء منهم من درس في الحلقات وانقطع، ومنهم من لم يدرس في الحلقات، وهؤلاء يُدعَون بالثـقافة الجماعية، وهي تشمل الخطابة والكتابة والإذاعة والصحف ووسائل النشر كافة، على أن يُفهم جلياً أن الثـقافة التي تعطى جماعياً يجب أن يلاحَظ فيها التأثير على المشاعر حين البحث العقلي، وإعطاء الأفكار العميقة، وأن يلاحَظ فيها إثارة الأفكار العميقة حين البحث العاطفي ومخاطبة المشاعر، حتى لا تكون عقلية بحتة فتغدوا جامدة غير مستساغة عند جمهور الناس، ولا تكون عاطفية محضة فتصبح تافهة غير مقبولة عند المفكرين. وليلاحَظْ أن هذه الثـقافة الجماعية هي التي تحرك الجماهير وتوجِد الفهم فيهم، وهي التي تجعل الدعوة في المجتمع إعصاراً جارفاً وتياراً كاسحاً يسوق الناس في الدعوة سَوْقاً لتحقيق أهدافها. ولذلك كان لا بد من العناية بهذه الثـقافة عناية خاصة.
ثالثها: الذين استهوتهم أفكار أخرى، ومنظمات أخرى، أو الذين هم في دَوْر الحيرة. وهؤلاء المضبوعون بالأفكار الأخرى والحائرون لا بد من الدخول معهم في مناقشات في الفكرة الإسلامية، وتجب دعوتهم لتفهُّم الإسلام وحمل دعوته، مع العلم بأنهم سيتصدون للدعوة في إثارة الشكوك فيها، وإعطاء المفاهيم المغلوطة عنها ومهاجمتها. ولذلك لا بد أن يكون حامل الدعوة واسع الصدر معهم، وأن يأخذ دور الهجوم على أفكارهم الفاسدة ومفاهيمهم المغلوطة وطرقهم المعْوَجَّة، وأن يتجنب دور الدفاع، وأن لا يقبل أن يكون الإسلام متهماً، بل يرفض ذلك كل الرفض، ويبادر بشرح الأفكار الإسلامية بأسلوب البيان والشرح لا بأسلوب الدفاع، ويجب أن يكون جدله بالتي هي أحسن؛ أي أن يكون الجدل نقاشاً لا جدلاً عقيماً، وأن يحاذر في نقاشه مسألتين يحاول أصحاب الأفكار الفاسدة تحويل البحث نحوهما حين يحسون بالهزيمة. أما المسألة الأولى فهي الانتـقال من بحث كاد يصل حامل الدعوة فيه إلى الحقيقة المقنعة إلى بحث آخر قبل أن يتم البحث الأول. وهذا الانتـقال يجعل النقاش يدور في حلقة مفرغة ينتـقل من بحث إلى بحث فيمضي وقت طويل دون أن يصل إلى الغاية من النقاش. وأما المسألة الثانية فهي أن حمَـلة الأفكار الفاسدة حين ينهـزمون يلجأون إلى الشتائم وإلى الهجوم على شخص المناقِش أو أشخاص الدعوة حتى يحوّلوا حامل الدعوة إلى الشتائم، أو إلى الدفاع عن شخصه أو عن أشخاص الدعوة، فليحذر ذلك. ولا يجوز الدخول في الدفاع عن شخصه أو عن أي شخص في الدعوة، وكذلك ليحذر الإجابة على الشتائم، فإن كل ذلك تحويل عن الفكرة وعن التـفكير العميق وهذا ما يريده أصحاب الفكر الفاسد. ولذلك لا بد من حصر البحث في الأفكار فقط، وفي الدعوة فحسب، ويجب أن تكون كذلك أفكاراً مسلَّم بها عند الطرفين حتى يُرجَع إليها في البحث، وما لم توجد هذه الأفكار أساساً مسلَّماً به بين الطرفين لا يمكن الدخول في نقاش، لأنه لا يكون نقاشاً.
35- يجب أن تكون الآراء والأفكار والأحكام الإسلامية التي يتبناها الحزب هي موضع البحث والمناقشة وأن يكون التثـقيف بها. ولذلك يجب أن تكون الدعوة عن طريق الحزب وباسم الحزب؛ أي أن الدعوة هي الإسلام، والعمل هو لاستئناف حياة إسلامية، لكن الذي يحمل الدعوة الإسلامية ويعمل لاستئناف الحياة الإسلامية هو حزب التحرير لأنه لا بد أن يؤمن المجتمع إيماناً لا يتطرق إليه ارتياب بأنه لا خلاص له إلا بالإسلام، وأنه لا حياة له إلا بحمل الدعوة الإسلامية، ويجب أن يقوى فيه هذا الإيمان في كل لحظة. كما أنه لا بد من تركيز ثـقة المجتمع بالحزب، وأنه هو الذي يُحسِن حمل الدعوة وقيادة الأمة. ولذلـك يجب أن يظل الحزب متصلاً بالمجتمع، فيظل أعضاء الحزب متصلين بالناس كاتصالهم بالحزب. ويجب أن يدرك الحزب ويشعر بأن الأمة كلها هي الحزب، كما يجب أن تدرك الأمة وتشعر بأن الحزب حزبها، وأنها كلها هي الحزب، وبذلك تصبح الأمة حزباً واحداً طبيعياً، وتسير صفاً واحداً.
36- وكما يجب أن يدرك الحزب أحوال الأمة، يجب أن يدرك وعي الاستعمار على الدعوة ووعيه على الحزب نفسه، لأنه هو الذي أعلن حربه على الإسلام وعلى الدعوة الإسلامية، وهو الذي قضى على الدولة الإسلامية وعمل كل ما يستطيع للحيلولة دون إيجادها، وهو الذي يحمل قيادة فكرية تناقض قيادة الإسلام الفكرية ويعمل لتركيزها في البلاد الإسلامية. وبما أن الحزب يحمل الدعوة الإسلامية قيادة فكرية تنبثق عنها أنظمة الحياة، ويعمل لإيجاد دولة إسلامية في العالم الإسلامي لتُحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، كان طبيعياً وحتمياً أن يقف الاستعمار في وجهه وأن يحاربه ويحارب الإسلام. لذلك كان لا بد من الوعي على الاستعمار لمعرفة طرقه وأساليبه.
وقد أرشد الوعي على الاستعمار أنه يراقب المسلمين ويراقب الإسلام ويراقب الحركات الإسلامية، وقد أفادته مراقبته فيما مضى فائدة كبرى، فاستطاع بمراقبته للمسلمين أن يخضعهم وأن يبعدهم عن الفكرة الإسلامية.
وأفاد له مراقبته للإسلام أنه استطاع أن يُدخل المفاهيم الرأسمالية الديمقراطية ويعطيها للمسلمين باعتبارها مفاهيم إسلامية. وأفادته مراقبته للحركات الإسلامية أنه استطاع أن يحولها إلى حركات دينية بالمفهوم الغربي أو حركات وطنية، وقضى على الحركات التي لم يستطع تحويلها، وهو دائب على هذه المراقبة بالمنظار المكبر يرى به ما لا يراه عامة المسلمين.
37- لقد أدت مراقبة الاستعمار للمسلمين والإسلام والحركات الإسلامية إلى أن يعي على حزب التحرير وعياً ظاهراً ويدرك أنه هو التكتل الصحيح الصادق في العالم الإسلامي. ووعيه هذا على الحزب أدّاه إلى استعادة وعيه على الإسلام بوصفه مبدأ لا بوصفه ديناً فيه العبادات والأخلاق فحسب، كما يعمل هو لتصويره وأدّاه إلى أن يعي على المسلمين حين رأى التأثير الفعال لثـقافة الحزب، وللحزب نفسه في كل وسط يوجد فيه. وهذا الوعي في نظر الكثيرين جاء مبكراً لأن الحزب لم يتجاوز نقطة الابتداء إلا قليلاً، ولم يظهر بَعدُ للناس الذي يعيش بينهم، فكيف سبق الاستعمار إلى هذا الوعي؟ ولكن العليمين بمبلغ خبث الاستعمار وكيده للإسلام والمسلمين وخوفه الدائم من قيام الدولة الإسلامية ومعرفته بأن الدولة الإسلامية لا تقتصر على قلعه من جذوره ولكنها تأخذ مركز الدولة الأولى في العالم، وتحمل الدعوة لكل إنسان، لكن هؤلاء العليمين يدركون أن الكافر المستعمر دائم النظر بالمنظار المكبر، فيرى الأشياء التي لا يراها الناس، ويدركها ويُعِد لها إعداده. ولهذا لم يكن غريباً أن بدأ في منطقة نفوذه يسخّر كل حاكم بمختلف الوسائل لأن يمنع تداول الكتب الإسلامية في بلاد إسلامية ويصادرها من أيدي الناس، ويُداهِم البيوت ويفتـشها بحثاً عنها، ويستولي عليها ويحرقها، ويمنع تنقلات المسلمين في بلادهم، ويعتقلهم ويقيد إقاماتهم في أمكنة معينة ويتحرى عنهم ويلاحقهم، لا لشيء سوى أنهم يحملون القيادة الفكرية الإسلامية، ويدْعون الناس للإسلام. ولكن لا غرو أن يفعل الكافر المستعمر ذلك والدعوة لم تتجاوز بعد دراسة الحلقات ودروس المساجد، وبعبارة أخرى لم تتعد محاولة المخاطبة، لأنه يعلم القوة الخارقة الموجودة في الإسلام، في تأثيره في الإنسان، فكيف بتأثيره في المسلم؟ ويعلم القوة الخارقة الموجودة في المؤمنين بالإسلام، وفي تأثيرهم في قلب الأفكار والمشاعر. ولذلك يتشبث بكل ما يستطيع للحيلولة دون نجاح الدعوة الإسلامية، ودون قيام دولة إسلامية.
38- لذلك يجب على الحزب أن يكون واعياً على الاستعمار، وعلى الطرق التي يسلكها، وعلى الأساليب التي يستعملها، وأن يكشفها للناس، وأن يجعل الأمة كلها واعية على الكافر المستعمر، وعلى طرقه وأساليبه. كما يجب على الحزب أن يعلم (أنه في نقطة الانطلاق) يبدأ في مواجهة هذا الاستعمار، لأن الحزب سيخاطب الناس، ويتبنى مصالحهم، ويكشف خطط الاستعمار. وفي هذه الحالة لا يقف الاستعمار مكتوف الأيدي، ولا سيما عند كشف خططه. ولذلك تحصل حينئذ نقطة الاحتكاك المباشر مع الكافر المستعمر، وربما أدت هذه إلى محاولته الاصطدام مع الحزب، إلا أنه وقد هيأ نفسه لأن يجعل المسلمين يصطدمون مع بعضهم، واتخذ ذلك خطته، فسيجعل فئات من أهل البلاد يصطدمون مع الحزب وسيدأب على هذه الخطة، ولن يواجه الحزبَ إلا في حال يأسه وإلا حين يصبح يقاتل في آخر الخنادق التي يملكها، ويحمل آخر سلاح لديه. ولذلك كان على الحزب أن يتجنب الاصطدام مع أهل البلاد مطلقاً، وأن يجعل اصطدام الاستعمار مع الأمة جميعها لا مع الحزب وحده، ولذلك كان لزاماً على الحزب أن يجعل الأمة كلها هي الحزب، وأن يصهرها بالإسلام، وأن يجعل ثـقتها المطلقة بالحزب، وأن يركز طاعتها الواعية له، وأن تكون قيادتها له والمبدأ الذي يحمل دعوته وهو الإسلام. وبذلك تسير الأمة صفاً واحداً عن وعي وإدراك وفي قوة واندفاع كالإعصار الجارف، وتكون المعركة الحقيقية بين الأمة، بل بين جميع أهل البلد وبين الاستعمار، حتى يُزال كل أثر له. هذا التحويل للمعركة من معركة بين الحزب وبين الاستعمار إلى معركة بين أهل البلاد وبين الاستعمار حتمي وطبيعي، وهو يحتم على الحزب أن يكشف للأمة العداء اللئيم الذي يحمله عدوها المستعمر لها والمؤامرات الخبيثة التي يدبرها ضدها، والدسائس الفظيعة التي يحيكها لها لإذلالها ثم إفنائها والقضاء على مبدئها. وبذلك تكون الأمة قد حملت بمجموعها مع الحزب مهمة حمل الدعوة الإسلامية، واستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية، وأزالت من طريقها كل ما يقف حاجزاً دون ذلك.
صدرت عام 1954م