بسم الله الرحمن الرحيم
مرحلة التفاعل
إن من البديهيات لدينا أن لكل مرحلة من مراحل الحزب في حمل الدعوة الإسلامية بداية ومحتوى ونهاية، وأن هذه الجوانب الثلاثة لا تحد بحدود جامدة مرسومة على الورق وإنما بأعمال حية متداخلة متشابكة.
بداية مرحلة الثقافة (اقرأ باسم ربك الذي خلق) أنها فكرة الإسلام الأولى تشرِق في نفس فرد فتملك عليها جوانبها وتدفعها لنقلها لآخرين وآخرين، تتركز في نفوسهم وعقولهم وتشع في الوسط الحي الذي يعيشون فيه فتأخذ هي، وما ينبثق عنها ويبنى عليها من أفكار، طريقها إلى الأفئدة والألباب ولكن كيف؟ إنه بمحتوى مرحلة الثقافة، إنه بتركيز الأفكار لدى هذه الفئة المؤمنة الدائمة النمو والحركة بالثقافة المركّزة، ونقل هذه الأفكار التي تأبى أن تبقى حبيسة من قِبل تلك الفئة المؤمنة إلى الناس الآخرين بشكل مثير ومؤثر بالثقافة الجماعية.
وما هي إلا فترة قصيرة من عمر الزمن حتى تحس هذه الفئة المؤمنة بالثقة بنفسها ومن حولها فتأخذ بالتطلع إلى هناك، إلى حيث الحياة لفكرتها، إلى حيث الحياة لها ولمن حولها وللناس جميعاً على فكرتها، إلى حيث تخفق فكرتها مع الرايات والبنود بدلاً بل جنباً إلى جنب مع الجمل والكلمات، إنها الدولة، وهنا تنتهي مرحلة الثقافة كمرحلة من مراحل الحزب في سير الإسلام إلى الحياة، ولكنها لا تنتهي كأعمال بل هي أساس الأعمال ومحتواها مصدر الحياة للأعمال.
وهنا تبدأ مرحلة التفاعل، نقول "تبدأ.." ولا نقول "وهنا مرحلة التفاعل".. وبدايتها بالتحضير.. فما هذه المرحلة؟ وما التحضير لها؟ وكيف؟ وماذا تقتضي من أعمال، أي ما هو محتواها؟ ثم ما هي نهايتها؟
إن هذه المرحلة، وهي المرحلة الثانية من مراحل الحزب، هي مرحلة إفهام الأمّة مبدأ الحزب لغاية محددة معينة هي ليكون مبدأها وليس لمجرد العلم والتعليم. وهنا يحصل مع عملية الإفهام الاحتكاك بالأمة، فتعطي رأيها في الأفكار التي تُعرَض عليها إما بالتأييد أو المعارضة، وفي كلتا الحالتين يحصل التفاعل. ومن هنا أخذت هذه المرحلة تسميتها. ولكن كيف تجري عملية الإفهام تلك بنجاح؟ إن للإفهام كما قلنا نتيجة محددة نبتغيها هي أن يصبح مبدأ الحزب مبدأ للأمّة وأفكاره أفكاراً لها، وبمعنى آخر أن تلتف الأمّة حول الحزب وتنقاد له وفقاً لمبدئه وأفكاره. ولمّا كان لدى الأمّة الكثير الكثير من الانحراف والفساد مما يبعدها عن الانقياد السهل للمبدأ وأفكاره، فلا بد أن يحاوَل معها أولاً فتجري محاولة مخاطبتها ومتى نجحت هذه المحاولة تم الانتقال إلى ما بعدها بدون عناء وبسهولة، وهكذا يكون قد جرى التحضير لهذه المرحلة.
ومحتوى التحضير بعد محاولة المخاطبة ومع بدء طرق باب المجتمع، هو مباشرة ضرب العلاقات وخاصة المحلية منها بشكل متقصّد ومتعمّد وبأسلوب التتابع بقوة وثبات وفي نفس الوقت تجري محاولة أخذ قيادة الناس، وهذا في دور طرق باب المجتمع، لأن المحاولة تهيئ طبيعياً للانتقال إلى أخذ القيادة بنجاح، وأما إذا استمر العمل مجرد ضرب علاقات بدون محاولة أخذ القيادة فإنه يتجمد وينتكس، والانتكاس يحصل بسبب التطلع لأخذ القيادة بدون ممارسة أعمال توصِل لها، فيصبح الأمر كمن يحاول الوصول إلى القمر بمجرد وجود الصواريخ والمركبات الفضائية لديه ولكن بدون أن يحاول استخدامها واختبارها، لأن الانتكاس لا يحصل بتجمد الناس والمجتمع ولا حتى بتجمد الشباب ولكن بتجمد سير الحزب بأن يبقى يدور حول عمل واحد دون إدخال أعمال أخرى تهيئ للانتقال إلى المرحلة التالية أو إلى الدور التالي من نفس المرحلة، وهكذا فقد انتقل الحزب من مرحلة الثقافة عندما كان يكتفي بالتطلع لأخذ قيادة الأمّة وبالأمل أن يأتي الوقت الذي يصبح فيه مبدأ الحزب مبدأ للأمّة وأفكاره أفكاراً لها، انتقل من هذه المرحلة إلى مرحلة التفاعل عندما أخذ يحضّر لها بمحاولة مخاطبة الأمّة ثم بالبدء بطرق باب المجتمع بقصد وتعمد لضرب العلاقات القائمة فيه وبنائها من جديد فكانت هذه المحاولة ثم هذا المبدأ هما الدورين الأول والثاني لمرحلة التفاعل الذي سرعان ما انتقل الحزب منه إلى الدور إلذي يليه، ولكنه ليس انتقال قطع بل انتقال وصْل بمعنى أنه أضاف أعمالاً جديدة إلى أعمال سابقة دون أن يتخلى عنها، فهو وصلها بما بعدها ولم يقطعها عنها. فانتقل إلى المخاطبة نفسها، إلى طرق باب المجتمع ومحاولة قيادة الأمّة بالفعل، إلى التفاعل في أوجِه، وفي محاولة المخاطبة كان ينقل آراءه في الأحداث السياسية كلما تيسر له النقل ودون أن يتقصد أو يتعمد ضرب العلاقات، وفي البدء بطرق باب المجتمع كان ينقل آراءه كلما لزم النقل بالتعليقات السياسية وأحكام الإسلام والبيانات، وكان ذلك بتقصد وتعمد لضرب العلاقات، واصطنع في ذلك الوسائل المتعددة من بيانات ونشرات واتصالات، ولم يظل كما كان في محاولة المخاطبة مكتفياً بإصدار البيانات السياسية والتعليقات، لأنه لو حصل ذلك لتجمد سيره وحصل الانتكاس، فإنه ما أن انتهى دور المحاولة بمشاهدة إحساس الشباب المتطلع إلى الحكم رغم تجمد المجتمع وإحساس الناس بخطر الحزب على الذين يحبونهم من الحكام وطلبهم مهاجمة من يبغضونهم من الحكام، مجرد أن انتهى ذلك فإنه في مجموع أجهزته وشبابه بدأ يطرق باب المجتمع بالتعرض للعلاقات لا سيما العلاقات المحلية، وكان الظاهر من تجميد الناس وتجميد المجتمع أنه لا يستطيع أن يتابع ضرب العلاقات، ولكن وقوف التيارات الخارجية ومحاولة العملاء تركيز الأمور الداخلية لديهم مكّن الحزب من أن يتابع ضرب العلاقات مع متابعة البيانات السياسية والآراء السياسية، وتمكن أن يقوم بالعمل كلما لزم بسهولة ويُسر، وهذا سهّل عليه الانتقال من البدء بطرق باب المجتمع إلى طرق باب المجتمع. والفرق بين البدء بطرق باب المجتمع وبين طرق باب المجتمع هو أن البدء يكون بالتعرض للعلاقات عن قصد متعمد، فهو لا يختلف عن محاولة المخاطبة إلا بالقصد المتعمد، وبتحري العلاقة الممكن ضربها لضربها ويكون سيره كلما تيسر، أما طرق باب المجتمع فهو ليس التعرض للعلاقات لتحري ما يمكن ضربه كلما تيسر، وإنما هو ضرب العلاقات بشكل متتابع بغض النظر عن نوع العلاقة، وبغض النظر عن البحث عن إمكانية ضربها أو عدم إمكانية ضربها، بل تضرب كل علاقة واقعة بمجرد وقوعها مهما كان الأمر، وهذا حتّم عليه أن يقوم بالعمل كلما لزم، وبذلك دخل دور التفاعل في لبّه وأصبح عليه حتماً أن يصحب تتابع ضرب العلاقات محاولة أخذ قيادة الناس. ولو ظل الحزب سائراً في تتابع ضرب العلاقات ولم يحاول أخذ قيادة الناس لتجمّد وحصل الانتكاس، ولو قامت جميع الأجهزة وجميع الشباب بالعمل معاً، لأن العبرة بماهية السير لا بالكم الذي يقوم بالعمل من الأجهزة والشباب. والسير يتحقق إذا قام مجموع الشباب ومجموع الأجهزة معاً وفي وقت واحد وفي كل عمل صغيراً كان أو كبيراً. وهذا ما هو حاصل في الحزب حتى الآن لأن الأعمال التي قام بها لا تتأتى أن تكون إلا من مجموع أجهزته ومجموع شبابه، ولذلك كان شباب الحزب يسيرون مع الأجهزة سوية في وقت واحد في كل عمل دون أن يؤثر جمود الشباب وتساقطهم على السير.
وما أن أخذ الحزب يخوض غمار لباب التفاعل بتتابع ضرب العلاقات ومحاولة أخذ قيادة الناس وأخذ يبحث عن النصرة حتى أخذت الأحداث السياسية في المنطقة برقاب بعضها البعض، الأمر الذي جعل مراكز القيادة في الناس تتساقط من الاعتبار الواحد تلو الآخر، مما سهّل على الحزب الحصول على النصرة. والنصرة كما هو معلوم تتحقق بوجود أشخاص أقوياء أو فئات قوية تساند الدعوة إيجاباً أو سلباً أو الاثنين معاً، بمعنى أنها تسير مع الدعوة وتساندها وتحاول معها اقتناص الفرص لاستلام الحكم أو تحمي الدعوة وشبابها من الأذى أو هما معاً.
ومع تحقق النصرة لم يبق في مرحلة التفاعل إلا الدور الأخير، إنه النجاح في قيادة الأمّة، فينتقل الحزب من محاولة أخذ القيادة إلى أخذها بالفعل فيتسلم السلطة وتقوم الخلافة... ولكن العمل القيادي، وهذا أمر هام وخطر لا بد من ملاحظته دائماً، العمل القيادي لا يتأتى قيام الحزب فيه إلا بالقصد الواعي من الأجهزة والشباب معاً، فمحاولة مباشرة أخذ قيادة الناس تتطلب القصد الواعي حتى توجد المحاولة، فإذا وُجد مثل هذا القصد من الأجهزة في مجموعها ولم يوجد من الشباب في مجموعهم مع الأجهزة في وقت واحد في كل عمل أو بالعكس، أي وُجد عند الشباب ولم يوجد عند الأجهزة، فإنه لا يمكن أن يقوم العمل من قِبل الحزب وتكون النتيجة إما عدم قيام العمل القيادي بالمرة أو قيام بعض شباب به أو قيام جهاز دون شباب، فلا يوجد حينئذ قيام بالعمل فيجمد السير وتذهب طاقة العمل بمجرد البيانات والمنشورات وضرب العلاقات، وبذلك يحصل الانتكاس، ولكن والحمد لله الذي يرعى هذه الدعوة فإن القصد الواعي قد تحقق وجوده لدى الشباب والأجهزة معاً ولو في أوقات متفاوتة في أجزاء المجال. وسار الحزب وما زال في محاولة أخذ القيادة، ولكنه من المهم جداً أن يبقى القصد الواعي، أي أننا نريد أخذ قيادة الأمّة كذا وكذا وعلى كذا وكذا من الآراء والأحكام والأفكار لتحمل معنا الدعوة فنقيم الخلافة ونحرسها ونحمل رايات الجهاد لنشرها في الأرض، فمن المهم جداً أن يبقى هذا القصد الواعي ماثلاً في الأذهان والأعمال فيعرف كل شاب معرفة واضحة وبشكل يلفت النظر أهمية واجباته في هذا الدور، فمن الشباب تتشكل الأجهزة، وبهم تقوم الأعمال، فهم الحزب وبسيرهم يسير الحزب، وبتجمدهم يتجمد الحزب.. فصار لزاماً إذن على الشباب جميعاً أن يستمروا مع القصد المتعمد لضرب العلاقات في محاولة مباشرة أخذ قيادة الناس حتى يتمكن الحزب أن يظل سائراً بقوة في هذا الدور ليصل إلى قيادة الأمّة.
ولكن السؤال الذي يأتي هنا هو: ما السلاح الذي يحتاجه كل شاب للقيام بواجباته في هذا الدور على أكمل وجه؟
إن كل شاب يحتاج إلى ثلاثة أمور مجتمعة، إذا فقد أحدها تعثر في سيره، وهذه الأمور الثلاثة هي:
أولاً: المعلومات الكافية عن الفكرة التي يبثها وعن العمل الذي يقوم به.
ثانياً: الخبرة العملية بالأعمال الحزبية وبطبيعة سير الدعوة.
ثالثاً: الثقة بالنفس ثقة لا حد لها.
ولنتحدث عن هذه الأمور الثلاثة بإيجاز:
أما المعلومات النظرية فيستمر كل شاب في طلب المزيد منها فردياً من جهة، وفي الحلقات بالإعطاء والأخذ من جهة أخرى، ويكفيه من ذلك المعرفة الصحيحة الواضحة ولو لبضعة أفكار ولبضعة أحكام ليقوم بالدور العملي دور التفاعل بنجاح لأن الحزب في دور التفاعل وليس في الدور الثقافي ولا في محاولة المخاطبة. ولكن المهم هنا أن يستزيد دائماً في تحصيل المعلومات المتعلقة بالإسلام وحده ليواصل في إنماء شخصيته، وأما المعلومات المتعلقة بالعمل فلا يَلزم منها إلا ما يتعلق بالعمل عند القيام به، فمثلاً تبنى الحزب الإحصاء في لبنان، والقروض في مصر، والملكية العامة للبترول في العراق، وقانون التأمين في الكويت، ونظام الموظفين في الأردن، ففي هذه الحالات تلزم المعلومات عن هذه الأشياء بمقدار ما لا بد منه للتبني دون الحاجة للتفصيلات الزائدة.
وأما الخبرة فإنها تتكون من دوام تطبيق سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم على السير مع التفريق بين ما هو أسلوب كإعلانه الكتلة في صفين، وبين ما هو طريقة كنفس الإعلان إجابة لقوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) والمهم أن يلاحظ أن الخبرة لا تتحقق من التجارب وحدها لأنها خبرة معينة ولكن لا بد من دوام تطبيق السيرة على السير، سيما وأنه يُخشى من التجارب وحدها أن تسبب الانحراف عن الطريقة.
وأما الثقة بالنفس فإنها تنتج من مباشرة الشاب الاتصال بالناس فردياً ومن زياراته في وفود ومن اشتراكه بالمناقشة والتوجيه وشعوره بتحمل المسؤولية، وتتركز هذه الثقة لدى الشاب من تتابع قيامه بالأعمال.
هذه الأمور الثلاثة لا بد منها لكل شاب ليتلافى التعثر في سيره، ولكن كيف تحصل لديه مجتمعة؟
إن ذلك يتحقق بإلقاء نفسه في الاتصالات والزيارات دون تهيّب من الإخفاق أو التعثر سواء كُلّف بذلك أو لم يُكلّف، فهذا الإلقاء يدفعه بما يصادف أثناء مناقشاته واتصالاته إلى الرجوع إلى السيرة، وإلى المزيد من الأفكار النظرية وإلى معرفة الأعمال التي يجابهها، فتتوفر لديه الثقة بالنفس وتتركز إلى أبعد مدى، وهكذا يستطيع الشاب أن يقوم بواجباته بدون تعثر ولا إخفاق، ويستطيع أن يباشر عملياً أخذ قيادة الناس الذين يتصل بهم عامة وفي منطقته خاصة. ولا شك أن ذلك يتحقق حين يباشر الحزب محاولة تسخير قوى غير قوى الحزب لأن تقوم بأعمال الحزب. فالشاب الذي يعطي أفراداً من الناس فكراً معيناً ويجعلهم يحملونه لبعضهم أو للسياسيين يكون مباشراً عملياً محاولة أخذ قيادتهم، وهو أيضاً حين يحمل أفراداً من الناس على مشاركته في الأعمال الحزبية كتوزيعهم معه بعض منشورات الحزب، وكتوقيعهم له عريضة معينة بفكرة معينة، وكأن يؤلف منهم وفوداً للقيام بعمل حزبي، وكأن يصاحبوه في الزيارات للقيام بعمل من أعمال الحزب، وما شاكل ذلك، فإنه يكون قد باشر عملياً محاولة أخذ قيادتهم. وهكذا جميع الأعمال الفكرية والسياسية التي يقوم بها الحزب، إذا استطاع الشاب أو أي جهاز أن يجعل غيره من غير الدارسين أن يقوموا بها فإنه يكون قد باشر محاولة أخذ قيادة الناس، وإذا تكررت هذه المحاولات وتتابعت فإن الشاب ثم الحزب يكون قد استطاع أن يباشر أخذ قيادة المجتمع فعلاً. ولهذا كان لزاماً علينا جميعاً أن نضع هذا الأمر في اعتبارنا دائماً أثناء الاتصالات بالناس وزيارتهم، هذا عامة، وأثناء العيش في المناطق، وهذا خاصة. فنباشر دائماً القيام بهذه المحاولات لأخذ قيادة الناس فنكون بالفعل في مستوى الدور الذي فيه يسير الحزب ألا وهو دور التفاعل.
ولا يجوز أن يخطر بذهن أي شاب أن هذه المحاولات خاصة بلجنة محلية أو لجنة ولاية أو قيادة، بل هي عامة تشمل الجميع دون أن يستثنى من ذلك أي جهاز من أجهزة الحزب ولا أي شاب من شبابه، ذلك أن الأمر الذي عليه الحزب في جميع أجهزته وجميع شبابه أن يقوم به فعلاً هو مباشرة أخذ قيادة الناس في كل بلد من مجاله دون استثناء لبلد دون بلد ليصل إلى قيادة الأمّة لا فرق بين أخذ قيادتهم الفكرية في تأييد أناس معينين أفراداً أو جماعات لأفكار معينة يبثها الحزب، أو أخذ قيادتهم عملياً في حمل أناس معينين أفراداً أو جماعات على القيام بأعمال حزبية معينة.
والحزب كان قد باشر هذا العمل منذ مدة في مجموع مجاله في عدة مناسبات كان أبرزها عملية العرائض والوفود أثناء زيارة البابا للقدس للوقوف ضد التدويل.
وهكذا يكون الشاب قد تحققت لديه الأمور الثلاثة (المعلومات والخبرة والثقة) مجتمعة بإلقاء نفسه غير هيّاب ولا وَجِل في الاتصالات وتتابع ضرب العلاقات مع محاولة أخذ قيادة الأمّة دون أن ينتقص من هذه الواجبات واجباً واحداً.
أما ما هي هذه الواجبات؟ فهي على سبيل التذكير: ما يلازِم اتصال كل شاب بالناس عادياً، وهي ذات شقين أحدهما المناقشة المحددة الأفكار والغاية، فيصل مع المناقَش إلى إفهامه الإسلام بوصفه مبدأ وطريقة متميزة في الحياة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إفهامه وجوب العمل للإسلام تماماً كوجوب العمل به سواء بسواء، وفي نفس الوقت إفهامه السياسة مع إفهامه حزب التحرير، فتكون الأفكار التي يرجى النقاش بها موصِلة إلى هذا الإفهام بأطرافه الأربعة فيكون بالفعل تبليغاً بصورة تلفت النظر، وما لم يكن على هذا الوجه والغاية فإنه يبقى ناقصاً. أما الشق الثاني فهو المناقشات العامة الجماهيرية في الفكرة على ضوء ما في المجتمع أو الجو أو الواقع من حوادث وأحداث ومن مشاعر وأفكار، وذلك لنشر الدعوة ولإيجاد أجواء لها. وليحذَر الشباب هنا التسرع في إعطاء أي رأي في حدث لم يَتبنَّ فيه الحزب رأياً بعد، فهذا الأمر علاوة على أنه يسيء لأفكار الدعوة إذا كان الرأي خطأ فإنه يسيء ويؤذي سير الدعوة، إذ يجعل هذا الأمر يفسح المجال لتعدد الآراء في الحدث الواحد عندما يخوض أكثر من شاب في إعطاء الرأي في الحدث، وهذا من شأنه أن يسبب بلبلة في أذهان الشباب، وما أخطر مثل هذا على الشاب وخاصة على الدارس الجديد، إذ تتشوش أفكاره فيضطرب سلوكه، هذا ناهيك عن خطر فقدان ثقة الأمّة بالشباب واعتبارها لهم غير قادرين على قيادتها.
وعليه لا بد والشاب يتصدى للجماهير في مناقشاته أكان في المنطقة أو المسجد أو غيرهما من أن يتحرى الرأي الصحيح في الحكم على الحوادث والأحداث والمشاعر والأفكار، فلا يسارع للقول إن انقلاب العراق مثلاً الذي حدث في 17 تموز هو خير أو هو شر بمجرد التخمين، فأمامه واقع بالنسبة لهذا الانقلاب وهو أن من قاموا به أعلنوا ما يريدون في بيانهم الأول، وهذا البيان يمكن الحكم عليه من تفصيلاته، فهو مليء بالباطل والفساد، وبعيد كل البعد عن الإسلام. أما هذا الانقلاب أنه للانجليز أو للأمريكان فأمر يحتاج إلى رأي من الحزب لا يجوز الخلط فيه. فالشاب يناقش بإنزال الأفكار الموجودة لديه على الوقائع الجارية، لا أنه يأتي بأفكار لم تكن موجودة لديه أصلاً ثم يأخذ في تفسير الواقع كما يخيَّل إليه فيصدِر أحكاماً ليس من السهل عليه كجزء من الحزب ولا على الحزب أن يتحملها وهو في دور محاولة قيادة الأمّة. فالشاب يناقش في الأفكار وإنزالها على الوقائع بقصد محدد وغاية معينة هي نشر الدعوة وإيجاد أجواء لها وقيادة الأمّة بها ولا يناقش بتوزيع آراء خاطئة، ثم من ناحية أخرى لا يتبرع بإيراد معلومات لا علاقة لها بالآراء والأفكار وإنما هي إدارية كأن يتحدث بغفلة، ولا نقول بحسن نية، عن عدم السفر إلى الكويت. فماذا يجني الحزب، بل الشاب، من حديثه هذا غير الأذى به أكثر من الأذى؟ فلا بد على سبيل التذكير أن لا ينسى الواحد منا أنه حامل دعوة في إطار حزب وأنه ملزَم بالتقيد بما تمليه عليه الدعوة من الحرص عليها في تبليغها وحراستها، فلا يفرط بها من جانبه فيستحق عذاب الله وعقابه. كما أنه ملزم بالحفاظ على الحزب لأن وجود الحزب فرض من الله وسيره هو مع الحزب فرض من الله أيضاً، فكيف له أن يحافظ على هذا الفرض وهو يتساهل في انضباطه بالتزامات الحزب الإدارية؟ إنه لا شك تفريط يُلحق بالإنسان الإثم والعقاب.
وختاماً أذكّركم أننا بين يدي تسلم السلطة، وهذا يُلزِمنا أن ندأب بشكل جدي ومتواصل على ضرب العلاقات القائمة بين الناس، وبينهم وبين الحكام، وبين الحكام والدول الأخرى، محاولين دائماً بأساليب ووسائل متنوعة، وَرَد ذكر بعضها سابقاً، أن نأخذ قيادة الأمّة فيكون كل واحد منا على بيّنة تامة وبشكل دقيق من مدى قدرته على قيادة الأمّة في منطقته وخارجها، وليعمد دون إبطاء ولا تأخير إلى إبداع في الأساليب لمحاولة قيادة الناس الذين يتصل بهم.
راجين الله تعالى أن يأخذ بأيدينا جميعاً لرفع رايته وإعلاء كلمته في القريب العاجل، إنه السميع المجيب.
والسلام عليكم ورحمة الله
7 جمادى الأولى 1388هـ
2/8/1968م