بسم الله الرحمن الرحيم
مقتطفات سياسية
السياسي والعمل السياسي(1)
1- إن قيادة الشعوب فن يختلف كل الاختلاف عن قيادة الأفكار النظرية فقيادة الأفكار النظرية إنما يقوم بها الفيلسوف، وأما قيادة الشعوب فإنما يقوم بها السياسي، والفيلسوف هنا إنما المراد به المفكر الذي لا يمارس عملياً سنة السياسة، أما إن مارس عملياً وكان مفكراً مثل لينين فإنه سياسي وليس فيلسوفاً، وإن كان في حقيقته فيلسوفاً مفكراً، ولكنه بممارسته أفكاره هذه عملياً؛ أي بممارسة السياسة فعلاً، صار سياسي وليس فيلسوفاً.
2- إن فن قيادة الشعوب فن يتصل بالحياة الصحيحة للمجتمع، فيتميز بالحيوية بمعنى أن الأفكار التي يقوم بالعمل لها أو العمل بها لا بد أن تنزّل على واقع موجود حي يحسه الناس وهو يجري بينهم فعلاً، وحينئذ يقع بصرهم عليه ويلمسونه بأصابعهم فينقادون نحوه، وبذلك تكون القيادة حية.
3- إن قيادة الشعوب هي ذروة الأعمال السياسية ولا يصل إليها أحد إلا بقيامه بالأعمال السياسية ولا يتأتى القيام بها الا بالأعمال السياسية، فالعمل السياسي هو الطريقة لقيادة الشعوب، وهو عينه المادة التي تتكون منها قيادة الشعوب، والروح التي تبعث الحياة والنشاط والسير في قيادة الشعوب.
4- منطق السياسي منطق حي صار شديد التعقيد وهو عملي، له واقع، ويجب أن يكون له واقع وليس من همّه أن يحافظ على الأساليب ولكنه من همه المحافظة على سلامة الأهداف، فهو يجد من شروط حيويته عدم التقيد بالوسائل ولا بالأساليب ولكن من شروط ثباته سلامة الأهداف سلامة تامة من غير أي خدش أو انحراف.
5- العمل السياسي هو أعقد مهنة وأدق أداة عرفها تاريخ البشر ولا بد أن يكون السقط فيه كثيراًً وأن يكون الفشل أكثر وأكثر، إنه عبارة عن محاولات متعددة ومتلاحقة تبلغ نسبتها في النجاح على أعلى تقدير، الفشل ثلاث محاولات حتى يمكن أن يصل إلى نجاح محاولة واحدة.
6- العمل السياسي يبدو من بعيد أنه عمل يسير أو يخيل لكل إنسان يعيش بعيداً عنه أنه لعبة من لعب الأطفال ولكن الإنسان لا يكاد يتصل به وينغمس في صميمه، حتى يصيبه الدوار حيث تصطدم أفكاره مع عواطف الشهوات وموجات المصالح ونزعات التمرد والتقلبات النفسية الجماعية والفردية، فهو يباشر معاناة البشر، لهم نفوس خفية المسالك متشعبة الدروب معقدة التركيب، لا يمكن أن يحيط بها علماً سوى خالقها، وهو يريد أن يخضعها لأفكاره وأن يكيفها بحسبها فيحصل هذا الاصطدام الذي لا بد أن تنتهي المعركة فيه بانتصاره أو بانتصارها، فإن كان عقائدياً انتصر هو، وإن كانت أفكاره حقائق لها واقع أو مما يجب أن يكون له واقع وإن كان محترفاً تراجع تحت اسم الفلسفة المناورة فيبدأ انهزامه وانتصار المصالح والشهوات، وفي كلتا الحالتين لم يتم العمل السياسي إلا بعد معركة عنيفة قاسية، ولذلك كان من أصعب الأعمال.
7- السياسي هو الذي يعيش على أعصابه ويحتاج إلى قدر كبير من الرصانة والهدوء والذكاء واليقظة الدائمة ليتمكن من سبر أغوار المشكلات التي تعترضه، وفي ميدانه يتلاقى الغباء القوي والذكاء الخبيث والمصالح المتعارضة والمفاجآت غير المرتقبة، وهو دائماً يسير في طريق مملوء بالزوايا والمنعطفات ولا يدري من أي زاوية سيفاجأ بمكروه ومن أي منعطف سيلتقي بعقبة، ولذلك لا بد أن يتميز بإرادة نضال وعزيمة مصممة مع إيمان بأفكاره إيماناً لا يتطرق إليه أي ارتياب وثقة مطلقة لا حد لها بنفسه وبقدرتها الفائقة، إذ أنه إنما كان سياسياً من أجل أفكاره، فيجب أن يعيش من أجلها وعلى أساسها، ولأنه بما أوتي من قدرة يستطيع أن يختار من الوسائل والأساليب ما يعتقد أنه صالح للفعل الذي يقوم به، وفي الاختيار مسؤولية، والمسؤولية عملية إيجاد مستمر وفي استمرار لإيجاد المهم والاهتمام والخوف من النتائج وغموض ميدان المعركة التي يخوضها صاحب الاختبار.
8- السياسي مناضل مستمر النضال، فهو يقذف بكل قواه في المعركة دون أن يترك أي احتياطي، فإذا هزِم اعتبر هزيمته خسارة معركة لا خسارة حرب، ولذلك يستأنف النضال في معركة ثانية مهما تبقى لديه من قوى، وإذا خسر جميع قواه جمع من القوى ما يمكنه من استئناف النضال، فيستأنفه مهما كانت هذه القوى دون انتظار لتجميع قوى أخرى، لأنّ تلاحق المعارك هو الذي يمكّنه من السير ومن جمع القوى.
4 شعبان 1380هـ
21/1/1961م