بسم الله الرحمن الرحيم
مقتطفات سياسية
الفكر السياسي والقيادة السياسية
1- الفكر السياسي:
هو أعلى أنواع الفكر على الإطلاق، وهو يعني التفكير المتعلق برعاية شؤون الأمة، وأعلى أنواعه التفكير المتعلق بالإنسان وفي العالم من زاوية خاصة.
2- السياسة:
تتطلب الاهتمام بالواقع بعناية ودقة.
3- يجب: أ) استبعاد التعميم في السياسة.
ب) استبعاد تجريدها من ظروفها وأحوالها.
ج) مراعاة الظروف الخاصة بالنسبة للواقع. فلا يُقاس شيء من أحوال العمران على الآخر لمجرد الاشتباه، إذ يجوز أن يحصل الاشتباه في أمر ويكون الاختلاف واقعاً في أمور متعددة. ومن أخطر الأمور على السياسة استعمال (القياس الشمولي).
4- ما كان يتعلق بالإنسان في السياسة:
يطبَّق على كل إنسان، بغض النظر عن الظروف والبيئات وغيرها، لأنها لا تملك أن تغير شيئاً من إنسانيته.
وما كان يتعلق بالوقائع والأحوال: لا يطبَّق إلا على الواقعة أو الحال في ظروفها، وهنا يمتنع القياس مطلقاً.
5- الفكر السياسي لا بد له من قيادة سياسية حتى يوجد، إذ وجوده في الكتب وأدمغة العلماء لا قيمة له ولا يُعتبر وجوداً حقيقياً.
6- القيادة السياسية: هي التي تعي الفكر السياسي بشيء من الإبداع، وتباشر استعماله في منأى عن التكلف. ويكون الإبداع السياسي لديها سجية من السجايا، ويقال لمن يتصف بها رجل دولة.
7- السياسي المبدع: هو الذي يقود الدولة أو المجتمع ولا ينقاد لهما.
8- القيادة السياسة أو رجل الدولة: لا يتجاهل الواقع ولكنه لا يخضع له، بل يحاول استخدامه للسير بالمجتمع والدولة نحو الوضع الذي ترتسم في مخيلته تصاميمه عن إدراك وتدبر.
9- القائد السياسي المبدع: هو الذي يفرض نفسه على جماعته ثم على مجتمعه، ولا يُنتخب انتخاباً، ولكن عملية الانتخاب تظهر من فرض نفسه على غيره، وتعطيه مشروعية القيادة.
10- يجب أن يعتمد القائد السياسي في تعامله مع مقوديه الإقناع لا القسر والإكراه، ولكنه يستعمل الحزم، فيسير بالنهاية بما هو حق وصدق.
11- أهم ما يجب أن يتميز به القائد هو: قدرته على أن يشيع في الناس -لا سيما جماعته التي يقودها- قيماً رفيعة تستأهل التـفاني والتضحية ممن يعتـنقها. وإذا كانت هذه القيم حقائق خالدة كانت قيادة الجماعة التي تعتنقها طويلة النفس بعيدة المدى، مديدة العمر على مر الزمان ما دامت تعتقد هذه القيم.
12- القيادة المبدعة: هي التي يلتقي ما عندها من قدرة على الإدراك وعلى الإبداع بما يكمن في نفوس الناس؛ أي هي التي تلتقي قدرتها على إدراك الواقع بالواقع كما هو، وبالحقائق المنطبقة على هذا الواقع.
13- القيادة السياسية المبدعة: لا تكون فرداً وإنما تكون أفراداً كثيرين، أي أن القيادة السياسية المبدعة هي قادة وليست قائداً. وهؤلاء القادة المبدعون تشع في نفوسهم القيم التي يعتقدونها إشعاعاً تبرز فيه الحرارة والقوة. فإذا فقد الواحد منهم شيئاً من هذه الحرارة فليَعد إلى القيم ليستمد منها، فإن فقد الحرارة كلها فلا بد من معالجة منطقة الإيمان فيه، وإلا سقط وربما مات.
14- القيادة المبدعة لا تكون إلا قيادة فكرة ليعتنقها شعب أو شعوب لأن واقع القيادة المبدعة أنها تقود الفكرة فينقاد الناس لها ثم ينقادون بها ويقودونها، فتكون قيادتها في حقيقتها قيادة للفكرة، وإن كان يظهر في أعمالها وتصرفاتها أنها قيادة للأمة.
15- إبداع القيادة: هو تطبيق الفكرة على الوقائع المتجددة بدقة، والتقيد بها مهما اختلفت الوقائع وتباينت، فإذا اضطرب التطبيق أو دخل التأويل يكون الإبداع قد ضعُف وتكون القيادة هدفاً للانهيار والانحراف.
16- ليست القيادة المبدعة فرداً يصنع التاريخ، وما هي بأفراد يصنعهم التاريخ، وإنما هي فكرة تلمع في ذهن شعب أو أمة أو تحاول التعبير عنها، ولكن يكون بعض أفراده أو أفرادها أقدر على التعبير عن الفكرة، ويكون فرداً من هؤلاء الأفراد أدق في هذا التعبير، فتنشأ القيادة السياسية المبدعة من هذه الفكرة في تعبير هؤلاء الأفراد جميعاً وليس من الفرد ولا من التاريخ.
17- الفكرة التي تتكون القيادة السياسية المبدعة منها: لا ضرورة لأن تكون موجودة في الأمة التي وُجدت منها، ولكن يجب أن تكون منطبقة على هذه الأمة، فقد تأتي من الله، وقد تأتي من الكتب، وقد تُنقَل عن أمة أخرى، وقد تؤخذ من واقع الأمة نفسها أو من تراثها الفكري أو التشريعي أو التاريخي، وأياً كان فلا قيمة لها إذا لم تطبَّق عليها.
18- القيادة المبدعة: يجب أن تكون ملتـزمة بالواقع مقيَّدة به تماماً، كالقيادة الإصلاحية أو الشخصية العادية، إلا أن الفرق بينهما هو أن القيادة المبدعة تتقيد بالواقع لتتحكم به فتغيره، بخلاف الأخرى، فإن الواقع يتحكم بها وتتغير بحسبه.
19- القيادة المبدعة أقدر على تصور ما هو كائن، وعلى تصور ما هو صائر إليه وعلى ملاحقته في كل حال لأنها حية تسير مع الحياة، ولذلك كانت أقرب الناس إلى الاتباع وإلى النجاح.
20- القيادة المبدعة: هي التي لا يتحكم فيها الزمان ولا المكان، بل هي التي تختار الزمان والمكان، ولكن واقع الناس يُلزِمها بنوع العمل فتدور حول هذا الواقع، ولا تستطيع أن تتجاوزه فتجعل معالجتها لواقع موجود، لا لِما يمكن أن يكون واقعاً، ولكنها لا تتقيد بأي مكان ولا أي زمان مطلقاً.
21- يتحتم على القيادة المبدعة أن تكون قيادة سياسية، وأن تشتغل فعلا بالسياسة، ولذلك لا بد أن يدرَك ما هو فن السياسة بمعناها اللغوي والشرعي، وهو: رعاية شؤون الأمة.
22- السياسي: هو الذي يقود الدولة أو المجتمع فعلاً أو يقوم بأعمال محسوسة من شأنها أن تؤثر في العلاقات للوصول إلى قيادة الدولة أو المجتمع.
23- السياسة تتطلب الوعي على الأفكار والأحكام التي يراد تطبيقها على الواقع، وتتطلب الاهتمام الخاص بهذا الواقع بشكل متتال ويقظة تامة على ما يطرأ عليه من تحول وتغير ولكنها تتطلب قبل ذلك وبعد ذلك التفكير بالأعمال التي توصل لمباشرة هذا التطبيق فعلاً.
24- الأعمال السياسية يجب أن تُتخذ للقيام بها الوسائل والأساليب التي تؤدي إلى نتائج محسوسة على أن تظل تتحكم بها الأفكار والأحكام المراد رعاية شؤون الأمة بها.
25- السياسة صدق وليست بكذب، والثغرة التي يدخل منها ما يظهرها بالكذب ولا يخرجها عن مستواها العالي هي: الحذق في التعبير عن الغايات أو في إخفائها وراء الحق والعمل الحق، والبراعة في صياغة هذا التعبير وإذا دخل الكذب السياسة سقطت عن مستوى السياسة بمفهومها الأصلي.
26- السياسة أفكار تعبر عن وقائع عملية بحتة، وأعمال تكون وقائع معبرة عن أفكار ونظراً لاختلاف ظروف الوقائع وأحوالها لا بد أن يظهر للرجل العادي وجود التناقض أو ما يشبهه فيها، ولكن قبل الحكم بالتناقض يجب أن يُنظر إلى ظروف كل فكر وكل عمل، مع النظرة إلى الأساس الذي تقوم عليه، فإن كانت غير مبنية على عقيدة حصل فيها التناقض، وإن كانت مبنية على عقيدة عقلية لا يحصل فيها التناقض، إلا إذا حصل اجتهاد في نفس العقيدة أو حصل ارتياب في بعض أفكارها، أو حصل انحراف عنها. أما إن ظلت العقيدة مأخوذة جزماً في جميع أفكارها اليقينية؛ فإنه لا يحصل تناقض في السياسة، بل تبقى منسجمة مع بعضها ومع الأساس الذي تقوم عليه سواء أكانت منبثقة عنه؛ كالأحكام، أو مبنية عليه كالأفكار.
27- ليست السياسة فن الممكنات ولا هي اختيار أفضل الممكنات، وإنما السياسة فعالية مؤثرة في الممكنات لتحويلها إلى الوضع الذي نريده نحن بقطع النظر عن نظرة الناس إليه، وقطع النظر عن كونه الأسهل أو الأشق الأصعب.
28- السياسي المبدع في المجتمعات المنحطة فكرياً يطول وقت وصوله للدرجة المؤثرة، ولكنه إذا وصل تحكم في المجتمع وصار عسيراً على غيره اللاحق به.
29- السياسي المبدع: بالرغم من يقينه الكامل بفكرته وطريقته يجب أن يتلمس أسباب النجاح بدوام التفكير وبمباشرة الأعمال والاستفادة من تجاربها، وبالقيام بالمحاولات التي يظن فيها الإنتاج، لأن الفكرة والطريقة أسس تحتاج إلى أساليب ووسائل وهذه لا بد فيها من المحاولات المتكررة والتجارب العديدة، ولا مناص من احتمال وقوع الخطأ.
30- السياسي المبدع مع كونه ينظر إلى ما وراء الجدار لكنه لا يغمض عينيه عن الجدار نفسه فهو وإن كان يقود الناس إلى الوضع الذي يريده لهم لكنه يجب أن يقودهم عن طريق رؤية الوضع الذي هم فيه؛ ولهذا كان تبني الجزئيات الآنية طريقة للوصول إلى تغيير المجتمع.
31- يجب أن تتوفر لدى السياسي المبدع الأمور التالية:
أولاً: أن يكون لديه إدراك عميق للمجتمع من حيث هو أفكاره ومشاعره وعاداته وللرأي العام، وأن يصل هذا الإدراك في دقته وسرعته إلى درجة التمييز الذي يحصل من الإحساس حتى يتكون لديه إحساس اجتماعي مرهف فيحس بما في المجتمع من انحطاط وارتـفاع، وبما يطرأ عليه ويختفي فيه من أفكار ومشاعر وعادات، وبما يحصل في الرأي العام من تغيير، ويرى ما بينه وبين الناس من شقة فيما يرى وفيما يفهم، وما يطرأ على هذه الشقة من اتساع أو ضيق، يحس بكل ذلك أو بمثله كما يحس بأي شيء مادي محسوس.
ثانياً: تقدير ما بين الجماعات الفكرية والسياسية من خلافات سواء كان ذلك بين أفراد الجماعة الواحدة، أو بين جماعة وجماعة أخرى.
ثالثاً: أن يكون على حظ من الذكاء والجرأة لأنه من الرجال الذين يقودون الدولة والأمة عبر الطريق الخطر.
رابعاً: أن يجمع بين الفضل والعقل، فيجعل من سجاياه قول عمر: (لست بخب ولا الخب يخدعني).
خامساً: أن يكون دقيقاً في تعبيراته دقة تجعلها غير قابلة لفهم ما يناقضها، وتجعلها في نفس الوقت مؤثرة ومثيرة.
سادساً: أن يأنس بمخالطة الجماهير، وأن يشتاق لمحادثة الجماهير والتحدث إليهم، وأن يكون أكثر عيشة في الجو الجماعي والأوساط الجماهيرية.
سابعاً: أن يدأب على الاتصال بالأمة مهما لاقى في ذلك من صعوبات، وأن يكرر محاولات الاتصال المرة تلو المرة، وأن يبدع في الأساليب والوسائل التي تمكّنه من هذا الاتصال حتى يصبح سهلاً ميسوراً لديه؛ لأن الاتصال بالأمة هو الطريقة الوحيدة للنجاح.