بسم الله الرحمن الرحيم
مقتطفات فكرية
1- حتى يدرَك أن الطريق التي تسلكها الكتلة هي نفس الطريق التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم، يجب أن يفرَّق بين ما هو من الأحكام الشرعية وما هو من الأساليب، حتى يكون الاقتداء صحيحاً وحتى لا يحصل خطأ في السير أو انحراف عن الطريق، فمثلاً نزلت على الرسول أفكار كان يقوم بتبليغها للناس، فمن كان يؤمن برسالته يفقهه في الدين بتعليمه الأفكار تعليماً مؤثراً، وفي إعطائه إياها بعمق واعتقاده بها، وأخذها للعمل في واقع الحياة، وكان يعطي هذه الثقافة في حلقات في شرح عام. فهذه الأشياء مثلاً تُعتبر مما يُقتدى بالرسول بها لأنها أحكام تتعلق بتفهيم الإسلام ولأنها دائمية وأساسية، فترك شيء منها انحراف، واستبدال أساليب حديثة بدلاً عنها انحراف، واعتبارها من الأساليب انحراف. وأما عن كون الرسول كان يستعمل صحيفة فيها آيات القرآن للشرح والقراءة فهو أسلوب، وكونه حين أراد أن يعلن دعوته جعل الصحابة صفين وخرج بهم إلى الكعبة أسلوب، وكونه ذهب إلى بيوت بعض الناس أحياناً وذهب إلى الكعبة أحياناً أخرى، وتحدث مع الناس في السوق، كلها أساليب لدعوة الناس وشرح أحكام الإسلام إليهم، والحكم هو دعوة الناس وشرح الأحكام إليهم، والباقي أساليب، فإذا جُعل أسلوب من هذه الأساليب محل اقتداء كان خطأ في الاقتداء من حيث كونه اقتداء، ولكنه لا يُعتبر خطأ من حيث اقتباسه كأسلوب يمكن انطباقه الآن، كأي أسلوب يؤخذ من أي إنسان للقيام بعمل، أو يوضع مباشرة إيداعاً للقيام بالعمل. فالانحراف يقع في ترك ما كان محل اقتداء، وكان الحكم في التقيد به في السير من أعمال الرسول وأخذِ حكمٍ غيره واعتباره أسلوباً. والخطأ يحصل في جعل الأسلوب محل اقتداء، وقد يحصل الانحراف في اتباع أسلوب يتناقض مع الحكم الشرعي، كطلب الجزئيات التي لا يجوز طلبها، وذلك كأن يطلب من حاكم لا يعترف له شرعاً بحقه في رعاية الشؤون بأن يسن قانوناً إسلامياً، أو إظهار حامل الدعوة أنه شيوعي ليتغلغل في صفوف الشيوعية، أو الاشتراك في مشروع لكافر مستعمر كاشتراك القائمين به تماماً، بحجة أنه اشتراك فيه كأسلوب لإبطاله. فهذه كلها أساليب تتناقض مع أحكام الإسلام، فاتباعها هو انحراف ولو كانت أساليب بهذه المقاييس من دراسة السيرة وتطبيق السير على ما جاء فيها وعلى أحكام الإسلام، يمكن معرفة ما إذا كانت الكتلة سائرة في طريق الرسول أم لا.
ويجب على الكتلة أن تطبق سيرة الرسول على كل عمل يحصل إن كان من الأفكار والأحكام، وأن تبدع في الأساليب والوسائل. فإذا صادف الكتلة واقع يحتاج اختراقه إلى مشقات غير عادية يجب أن تخترقه حسب سير الرسول، فإذا حاولت التأويل والتفسير بغير ما يفيده الفهم التشريعي من عمل الرسول أو قوله فقد انحرفت. ولذلك لا يخشى على الكتلة من التشدد في التقيد في السيرة، فإن هذا هو الفرض الذي فرضه الله عليها، وهذا هو العقائدية التي يجب أن تتجلى بها، وإنما يخشى على الكتلة من الانحراف عن طريق الرسول بالتأويل والتفسير ومحاولة جعل الطريقة وسيلة، وجعل الوسيلة طريقة. ومن هنا يجب أن تظهر العقائدية على الكتلة، وأن يحارب التأويل والتفسير بغير ما يفيده الفهم التشريعي.
أما الأعراض التي تظهر على الكتلة، فمنها أعراض ظهرت على أتباع الرسول في أول دعوته حين تأليف الكتلة، ومنها أعراض يقتضيها واقع تكوين أي تكتل مبدئي. فمثلاً يُقبل الناس على الكتلة في أول الأمر لجمال ما تدعو إليه وسهولة السير به، ويظهر على الأمة وعلى الفئات الحاكمة عدم الاكتراث بها. وحين يبدأ الإحساس بها وخطرها ويبدأ الأذى يقع عليها ويغضب منها أصحاب المطامع والحكام، ولكن ذلك لا يؤثر على انتشار الدعوة ولا على تمسك أهلها بها وإقبال الناس عليها، حتى إذا برز خطرها وبرز تناقض آرائها مع اتجاه الناس وتظهر بعيدة التصديق، تهاجَم من الحكام ومن الناس، فيكون لهذا الهجوم أثر في جمود الناس عنها وأثر في تساقط أصحابها، لا فرق بين الواعين والمبتدئين، وتبرز اقتراحات متعددة من الناس ومن أهلها حباً في تسهيل مهمة السير على الكتلة، ويصير الكثيرون ممن يحبون الكتلة من الناس ومن السائرين بها، يتمنون أن تتساهل الكتلة في بعض الآراء أو أن لا تقولها حتى تقرِّب الناس إليها، وحتى يستطيع حمَلة الدعوة السائرون بها من الثبات ومن تحمل أعبائها، ويكون من جراء تمسك الكتلة بالطريق الذي آمنت به أن يترك الكتلة الكثيرون ممن ساروا معها زمناً طويلاً، وأن يُضرب حصار حول أفكارها وحولها، وأن تشن حملات الدعاية ضد أفكارها وضدها، وأن يشتد الأذى عليها.
هذه بعض الأعراض التي تظهر على الكتلة من جراء اقتدائها بالرسول صلى الله عليه وسلم وتمسكها بالطريقة، وهي نفس الأعراض التي ظهرت على سير الرسول صلى الله عليه وسلم. فيلاحظ في سيرة الرسول أن الناس لم يعبأوا به أول الأمر، وظنوا أن حديثه لم يزد على حديث الرهبان والحكماء، ومن أجل ذلك لم يجد المسلمون أي مشقة، وكان الإقبال على الدعوة من الناس في أول الأمر لا بأس به، فكان عدد الذين أسلموا في أول الأمر كثيراً بالنسبة للمدة التي أسلموا بها إذا قيست بالمدة التي جاءت بعدها. ولما بدأ الإحساس بخطر الدعوة يتسرب إلى أذهان زعماء قريش بدأ غضبهم يظهر وبدأ الأذى ينزل، وبدأت خصومة قريش لا سيما زعماؤها تعلَن للمسلمين. إلا أنه بالرغم من ذلك فإن هذا الغضب والأذى من أمثال أبي لهب وأبي جهل لم يحُل دون انتشار الدعوة إلى الإسلام بين أهل مكة، وظل الإقبال على الدعوة موجوداً، فكان ذاك سبباً لاشتداد الأذى بأنواعه، فنتج عن ذلك أن تساقط الكثيرون مع تفاوت هذا التساقط، فمنهم من تساقط من الدعوة فارتد عن الإسلام ولم يستطع الصبر ولا الهجرة، ومنهم من تساقط عن العمل وبقي في الكتلة، فخرج من المجال بإذن الرسول كالذين ساروا إلى الحبشة، ومنهم من تساقط عن العمل والكتلة فأخفى إسلامه ثم عاد إلى العمل بالكتلة بعد سنين.
وحوادث ارتداد المسلمين المروية في السيرة كثيرة منها ما روي أنه ضُرب ابن مسعود فارتد خمساً. وحوادث هجرة الحبشة بإذن الرسول مشهورة، وحادثة عتاب بن أسيد الذي ظل إسلامه مخفياً حتى فتح مكة، وحوادث إخفاء الإسلام كثيرة والآراء التي أتت الرسول عن الناس صرح بها القرآن، قال تعالى: (وإن كادوا ليفتـنونك عن الذي أوحينا إليك لتـفتري علينا غيره وإذن لاتخذوك خليلاً)، وكان المسلمون يتمنون على الله أن يخفف الرسول عن قريش لعلهم يجدون صلة بينهم وبينها من أجل سير الدعوة، ولكن تمسك الرسول بدعوته ووقوفه عند حد ما أوحي إليه جعل الأذى يشتد، حتى إذا كانت حادثة الإسراء ازداد عدد المرتدين واشتدت وطأة المجتمع على المسلمين. وقد كان بعض المسلمين يود لو أن الرسول لا يحدِّث الناس بحديث الإسراء، فقد حدَّث الرسول ابنة عمه هنداً بنت أبي طالب عن الإسراء، فقالت له: يا نبي الله، لا تحدِّث به الناس فيكذبوك ويؤذوك، فقال: (والله لأحدثنهموه). وكان من جراء عدم إدراك قريش لمعنى الإسراء ومن جراء عدم إدراك كثير ممن أسلموا معنى الإسراء انصراف جماعة من المسلمين عن الإسلام، فارتدوا بعد أن اتبعوا الرسول زمناً طويلاً.
هذه بعض الأعراض التي ظهرت في سير الرسول، وهي لا شك ظاهرة ملموسة في الكتلة. وحين يجرى تطبيق حصول الشيء لا يُنظر إلى فروعه لأنها ليست المقياس، وإنما يُنظر إلى أصله لأنه هو المقياس، فلا يقال حصل كثير هناك وقليل هنا أو العكس، لأن المقياس ليس الكثرة والقلة ولا هو العلة، وإنما المقياس حصول الشيء وهو علة اعتباره مماثلاً من حيث الأصل. وإن كان عند قراءة السيرة في كتبها التفصيلية يوجد حصول الشيء حتى في الكثرة والنوعية، ولكن المراد الأصل؛ أي مجرد حصول الأعراض. وهذا كله بالنسبة للكتلة ولسيرة الرسول، أما بالنسبة للأعراض التي تظهر في الكتلة ككتلة فإن في كل كتلة في الدنيا تظهر فئتان، إحداهما تقول: إن الكتلة بطيئة، والأخرى تقول: إن الكتلة مسرعة، وبالطبع إحداهما تطلب الإسراع بالسير باتخاذ حركات مصطنعة وأساليب ومناورات، والأخرى تطلب التأني والتريث حتى لا تتحطم الكتلة. ولكن الكتلة الواعية تدرك الواقع الذي أمامها وطبيعة الصعوبات القائمة بطريقها، وتتمسك بما تقتضيه الطريقة في السير فتسير سيراً طبيعياً كما يقتضيه وضع السير، وتضرب في قول الفئتين عرض الحائط، وهذا سيسبب تساقطاً وسيسبب نقداً، ولكنه لا بد أن يحصل، وحصوله يبعث السرور من جهة، وإن كان يوجِد الانزعاج من جهة أخرى. وفي كل كتلة في الدنيا لا بد أن يحصل فيها خلايا تَـفسُد أثناء السير وتكون صالحة، وخلايا تظل صحيحة، وخلايا تجدّ جديدة. والحيوية الموجودة فيها تحتم عليها ككائن حي فيه الحركة والنمو كالجسم تماماً فإنه يجب أن تتساقط من الكتلة خلايا وأن تبقى خلايا وأن تحيا خلايا جديدة. ولكن عملية موت الخلايا وإحياء خلايا جديدة هي العملية الدالة على حيوية الجسم ووجود الحياة فيه. وبذلك تموت خلايا وتحيا أخرى، ولكن الحياة تظل سائرة متدفـقة. ومن طبيعة كل كتلة أن يحصل في بعض خلاياها شيء من العفونة من جراء اصطدامها بالأحداث، فلا بد لها من عملية تطهير دائمية. وإذا استطاعت الكتلة أن يحصل فيها التطهير طبيعياً بأن تتساقط الثمرة من نفسها دون قطعها ورميها يكون أحسن، وإلا فلا بد لها من قطع الثمرة العفنة لحفظ جسم الكتلة من التعفن. ومن المحتم أن يحصل مع كل كتلة انضباط عام في أول سيرها يكون ممتازاً، ثم حين تحصل الأحداث يبدأ هذا الانضباط يتخلخل، فيحصل تمرد ويحصل انشطار ويحصل تأويل، حتى إذا تجاوزت هذا الدور فعركت بالأحداث وقوي جسمها، يرجع هذا الانضباط تدريجياً حتى يصبح مرضياً، ثم يرجع إلى الوضع الذي بدأ به، ولكن على أساس ثابت، وإدراك واقعي لمدلول هذا الانضباط.
هذه بعض الأعراض التي تحصل على الكتلة من حيث كونها كتلة، وهي حصلت مع كتلة الرسول باعتبار تكوين الكتلة كواقع، أي مع الصحابة فحسب، أما انشطار الحزب إلى حزبين أو أحزاب فهو قد حصل مع الكتل التي حصلت في التاريخ القديم والحديث، ولم يسلم منها إلا تكتل الرسول صلى الله عليه وسلم لأن فكرته وهي في أصلها وفهمها، ولذلك لم يحصل الانشطار. أما سبب الانشطار فإن الأفكار مع نمو الكتلة وسيرها في الحياة يحصل فيها تقارب ثم يحصل اختلاف في الفهم ويجوز ذلك حين يكون الانضباط الحزبي ضعيفاً، فيؤدي الاختلاف في الأفكار وفي الفهم إلى انشطار في التكتل. إلا أن هذا يحصل حين يكون الاختلاف في الأفكار حقيقياً لا مصطنعاً، وحين يكون الاختلاف في الأفكار المتعلقة في الفكرة أو الطريقة لا الأفكار المتعلقة بالأساليب. أما اختلاف الأشخاص في نوع الأساليب فلا يحصل منه انشطار، إلا أنه تحصل أشياء ليست من الأعراض ولا تحصل دائماً، ولكن حصولها ممكن أن يكون. وذلك أن أشخاصاً بلغت قوة إيمانهم حداً لا يتطرق إليه ارتياب ولكنهم يرون الواقع أمامهم مختلفاً في بعض مظاهره عن واقع عصر الرسول، فيخشون أن يكون هنالك عدم إدراك لما بين الواقعين من اختلاف، فيقدّمون اقتراحات رجاء صحة السير من باب النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهؤلاء يجب أن تُدرس اقتراحاتهم فلعلها تكون صحيحة، لأنه ما دام مسلّماً بأن السيرة هي محل الاقتداء، و أن التمسك بالأفكار هو الذي يجب أن يكون، فربما يكون هنالك خطأ في فهم السيرة فلا بد أن يصحَّح، وربما يكون هنالك خطأ في التطبيق فلا بد أن يصحَّح. فمثلاً قد يقال إن الاستعمار لم يكن في عهد الرسول ولم يكن هنالك عامل خارجي، واليوم في البلاد الإسلامية استعمار وعامل السياسة الخارجية موجود، فلماذا يُتقيد بالسيرة في هذا الموضوع مع أن هذا الواقع جديد؟ ولماذا لا يوضع له علاج جديد؟ والجواب على ذلك هو أن الاستعمار ليس عاملاً مؤثراً في الدعوة، وليس عاملاً أصلياً في تسلم الحكم. أما كونه ليس عاملاً مؤثراً في الدعوة فإن الدعوة فكر يعطى للناس فهو يصطدم بالأفكار ويصطدم بالقوى العاتية التي تحاول الحيلولة بينه وبين الناس. فاصطدامه بالأفكار لا يؤثر عليه إلا الفكر الذي هو أقوى منه، وحينئذ إما أن يُهزم فكره أو يتحاشى الاصطدام بالفكر القوي. والاستعمار من حيث قوته الفكرية ضعيف لأن فكره فكر غلط قطعاً فلا يقف أمام الفكر الصواب، ومهما حاول الدعاية له وطلائه بما يفيد الصحة والقوة فإنه لا يقوى على الاصطدام وهو منهزم قطعاً، ولذلك لا قيمة لوجود هذا العامل من ناحية فكرية. أما اصطدام الفكر بالقوى المادية التي تحاول الحيلولة بينه وبين الوصول للناس، فإن هذا الاصطدام هو الذي يعطيه القوة لأنه إن اصطدم بالاستعمار مباشرة كما كان الحال في الأردن والعراق سابقاً، كان ذلك الاصطدام نفسه سبباً في إقبال الناس وانتشار الدعوة. وإن كان الاصطدام بالحكام والعملاء والمأجورين الذين يقف خلفهم الاستعمار كما هي الحال في مصر وسوريا فإن هذا الاصطدام نفسه إذا تتالى بشكل عقائدي متتالٍ بحيث يؤدي إلى أعمال بطولية فسيظهر صوت الدعوة إما في مكان الاصطدام أو في خارجه −كخارج المجال− وسيكون لظهور هذا الصوت الأثر الفعال في تهيئة نقطة الارتكاز. وعلى هذا لا يؤثر وجود الاستعمار ولا يختلف وجوده عن وجود الحكام كزعماء قريش في أيام الرسول. أما كون عامل الاستعمار لا يعتبر عملاً أصلياً في تسلم الحكم لأن العامل الأصلي الذي يؤثر على استلام الحكم هو القوى المادية التي تقف دون الوصول إلى الحكم أو الثبات فيه. وهذه القوى قد تكون قوة نفس الدولة، وقد تكون الدول المجاورة، وقد تكون الدول البعيدة. فسواء أكانت الدول البعيدة دولاً استعمارية كإنجلترا وأمريكا أو دولاً غير استعمارية كروسيا، أو دولاً تتأثر من قيام نظام جديد في العالم يناقض نظامها كالدول الغربية، فالموضوع ليس العامل الاستعماري بل القوة المادية التي تقف في وجه تسلم الحكم أو يخشى منها على استمراره. وعلاج هذه القوى المادية في كل عصر سواء أكان في عهد الرسول أو في أي عهد، هو عدم محاولة تسلم الحكم إلا عند وجود الظن بإمكان الوصول إليه والتغلب على القوى المادية التي تقف في وجهه، وعند وجود الظن بأن الاستمرار عليه ممكن لأن القوى الأخرى لا ينتظر أن تترك في معركة معه إما للموقف الدولي وإما لانشغالها في نفسها داخلياً، وإما لأنها ترى أن لا مصلحة مباشرة لها تعدل ما ينالها من ضرر من جراء محاولتها التعرض للحكم الجديد. ومن هذا يتبين أن موضوع العامل الاستعماري غير موجود عند قياس السير الآن على السير في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كعامل مؤثر أو كعامل أصلي، فوجوده الآن لا يجعل اختلافاً بين الوضعين ما دامت المسألة مصارعة أفكار، أو مصارعة قوى مادية بالأفكار.
هذا مثل واحد مما يمكن أن يَرِد، وهناك أمثلة كثيرة قد تخطر في بال بعضهم، فإنهم حين يدققون في العوامل الأصلية سيجدون أن واقعنا من حيث كونه مجتمعاً وكونه إنساناً وكونه فكراً هو كواقع الرسول تماماً دون أي فرق بينهما.
2− الكشف هو إماطة اللثام عن أمر يُعتقد أن الأمة ينالها ضرر منه فيما لو نفذ عليها. وقد يكون هذا الأمر يتعلق بخطة أو بعمل أو بشخص، ولا ضرورة لأن يكون وجود هذا الأمر يقينياً، بل يكفي أن يكون ظنياً. واشتراط أن لا يُكشف إلا إذا كان يقينياً خطأ من وجوه. الوجه الأول أنه يخالف الشرع في الحكم على الأشياء وعلى الأشخاص وأعمال الإنسان. فالحكم على كون الشيء حراماً أو حلالاً يكفي فيه الظن، والحكم على الشخص كونه عدلاً أو فاسقاً يكفي فيه الظن، إذ يكفي فيه شهادة اثنين وهو خبر ظني ولأن الأحكام الشرعية التي هي خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد يكفي فيها غلبة الظن.
الوجه الثاني أن انتظار عدم الكشف حتى يحصل اليقين يعرّض الأمة إلى الأخطار لأن المتآمرين من طبيعتهم أن يحاولوا إخفاء مؤامراتهم، فلو لم تكتشف من إماراتها لعرّضت الأمة إلى الأخطار، وهذا تقصير يحاسَب المرء عليه.
والوجه الثالث أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين كشف للصحابة في معركة بدر عن قوات قريش وعددهـا الذي جاءت تحاربه به اعتمد فـي فهم الواقع على الظن، فقد بعث علياً بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من الصحابة إلى ماء بدر يتلمسون له الخبر عليه، وهؤلاء الثلاثة خبرهم خبر آحاد يفيد الظن، وحين عادت هذه الطليعة ومعها غلامان عرف الرسول منهما أن قريشاً وراء الكثب بالعدوة القصوى، ولما أجابا أنهما لا يعرفان عدة قريش سألهما الرسول كم ينحرون كل يوم فأجابا يوماً تسعاً ويوماً عشراً، فاستنبط النبي من ذلك أنهم بين التسع مائة والألف، وعرف من الغلامين كذلك أن أشراف قريش جميعاً خرجوا لمنعه، فقال للمسلمين (هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ أكبادها) فالرسول أيضاً اعتمد على الغلامين في أخبار قريش وهو ظن واعتمد على استنباط عددهم مما ينحرون وهو ظن.
وعلى هذا لا ضرورة لأن يكون الكشف عن يقين بل يكفي فيه الظن. إلا أنه لا بد أن يكون هذا الظن معتمداً على أمارات وعلامات دالة على الشيء الذي يكشفه. فارتباط مصر في اتفاقية اقتصادية سنة 1955 مع أمريكا وارتباطها معها في اتفاقية تسلح، ووجود ثلاثة مليارات من الدولارات الأمريكية في مصر موظفة، وسن قانون بإعفاء الأموال الأجنبية من الضرائب، وعدم تمكين أي أموال أجنبية سوى الأموال الأمريكية، ودوام التردد من قبل الاقتصاديين والسفراء ورجال الأعمال المصريين على أمريكا وحدها دون سواها، ثم قبول البوليس الدولي، وأخيراً تبني المشروع النرويجي من قبل محمود فوزي وتقديمه باسم مشروع عربي، كل ذلك وغيره أمارات تدل على أمر لا بد أن يُكشف.
3− النفسية الإسلامية هي أن يكون الميل للأشياء وللأعمال مبنياً على أساس الإسلام، فالحكم على أساس هذا بأن نفسية زيد من الناس هل هي نفسية إسلامية أم لا هي: إذا كان الشخص لديه مجافاة للإسلام حين وجود الميل لديه للأشياء وللأعمال فإنه يُحكم عليه بأنه لا يحمل نفسية إسلامية، أما إذا كان الشخص يجعل ميوله للأشياء وللأعمال مبنية على أساس الإسلام ولكن توجد لديه ثغرات تَحدث لديه في بعض الأحيان كأن لا يصلي الصبح قبل طلوع الشمس لنوم ثم يقضيها، وكأن تسبق نظرة منه إلى امرأة فيتلذذ بهذه النظرة ويديمها ويكررها ولكنه يندم ويرتدع، وكأن يطمع في بعض معاملاته مع الناس إما بتأويل أو عن غير تأويل ولكنه يرجع عن العمل، أو يتساهل في الكذب في صغائر الأمور، وما شاكل ذلك فإن هذه الثغرات يجب أن تعالَج ولكنها لا تجعل للشخصية نفسية غير إسلامية أي لا تبيح لمسلم أن يتهم مثل هذا بأن نفسيته نفسية غير إسلامية بل نفسيته نفسية إسلامية فيها ثغرات يجب أن تعالَج لأنها إذا تكررت وبقيت إلى أن تصبح في المستقبل نفسية غير إسلامية بمجافاته الإسلام، ولكنها ما دامت ثغرات فإن نفسيته تظل نفسية إسلامية، وقد رويت عن الصحابة عدة ثغرات، فهناك مثلاً مَن واقَع أهله من الصحابة في رمضان وأدى الكفارة، والرسول لوى عنق الفضل بن العباس حين رآه يكرر النظر إلى شابة ويتلذذ وصرف وجهه عن النظر إليها، وغير ذلك من الحوادث التي حصلت كثغرات مع الصحابة ومع ذلك لم تطعن في نفسيات أصحابها ولم تجعل منهم نفسيات غير إسلامية، فكما أن السكوت عن الثغرات خطأ، ويجب أن تعالَج، فإن اتهام أصحاب هذه الثغرات بانسلاخ نفسياتهم عن الإسلام واتهامها أنها نفسيات غير إسلامية خطأ، ومن الخطر على الدعوة وعلى الحزب أن يطلب من الناس أن يكونوا ملائكة فإن ذلك مستحيل، وكذلك من الخطر أن يتخذ ذلك تكئة لتبرير الإصرار على الثغرات لأنه يُخشى أن تؤدي إلى مجافاة الإسلام، والحزب يحاول معالجة هذه الثغرات في كل فرد يطّلع على وجودها فيه بتنبيهه وملاحقته ثم إن لم يستقم كما أمر الله فإنْ لم يسقط بنفسه أهمله الحزب إهمالاً تاماً.
4- إن فهم معنى الشيء فهماً صحيحاً مع الاعتقاد بأن فهمه يجعل الشخص يسلك اتجاهه بحسب فهمه له، وفهم معنى الدولة يحتّم وجود سلوك الطاعة ذاتياً، وفهم معنى الأمّة يحتّم وجود سلوك الطاعة ذاتياً، وفهم معنى الحزب يحتّم سلوك الطاعة ذاتياً، والطاعة أمر أساسي لوجود الانضباط سواء في الدولة أو الأمّة أو الحزب وهو من أهم المظاهر التي تدل على الانضباط الحزبي أو الانضباط العام في الدولة والأمّة، ومن أجل ذلك جاء القرآن حاثاً على الطاعة في آيات كثيرة بالرغم من وجود الوحي والمعجزات والرسالة وشخصية الرسول، وهي كلها كافية لإيجاد الطاعة، والطاعة التي جاء بها القرآن طاعة يقوم على أساسها كيان الدولة وكيان الأمّة وكيان الحزب، وهي في نفس الوقت بيان لخُلق الطاعة، هذا حين يصبح سجية أن يكون قياماً واجب الطاعة حين يمكن أن تكون، ونهياً عن القيام بالطاعة حين تصبح هذه الطاعة ضرراً بالنسبة للأمّة وبالنسبة للحاكم، فنجد القرآن حين يوجِد سجية الطاعة يقول: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (فاتبعوني وأطيعوا أمري) (فاسمعوا وأطيعوا) (ومن يطع الله والرسول يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار) (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) وقال عليه الصلاة والسلام: (من يطع الأمير فقد أطاعني)، فالله أمر بالطاعة في هذه الآيات، والحديث أمر بها طاعة مطلقة، فقد جاءت طاعة غير مقيدة بقيد، ولكن الرسول حين شرح لهم الطاعة أفهمهم أن المراد بالطاعة هنا الطاعة الواعية لا الطاعة العمياء فقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فالطاعة الواعية هي الطاعة في حدود الإسلام، فحين يشرح معنى الطاعة المطلوبة يتبين أنها الطاعة الواعية ومعناها الطاعة في حدود الإسلام لا الطاعة فيما يقنع فيه الشخص ويوافق عليه، فالمعنى كونها واعية مدرَك أنه يطيع ضمن مبدأ، وهذا هو معنى قوله عليه السلام: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). أمّا حين يطلب الإسلام الطاعة يطلبها مطلقة فيقول (أطيعوا) ولا يقيدها بشيء، ولذلك حين تُطلب الطاعة تُطلب طاعة مطلقة دون قيد ويجب أن يفهمها المسلمون حين تُطلب منهم أنها طُلبت مطلقة، ولكن يتركز في ذهنهم أن معنى هذه الطاعة المطلقة هي الطاعة الواعية أي الطاعة في حدود الإسلام. ولم يكتف الإسلام بطلب الطاعة من الأمّة حتى يكون فيها خُلق الطاعة سجية بل نهاها صراحة عن بعض الطاعات، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) وقوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطا) (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيله) (فلا تطع الكافرين) (فلا تطع المكذبين) (ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً) (ولا تطع كل حلاف مهين)، فهذه الآيات كلها تنهى عن إطاعة أشخاص معينين بصفاتهم، قد بيّنها الله لنا حتى يكون تكوين الطاعة في نفوسنا منصرفاً إلى إيجاد الانضباط العام التي يصبح فيها هذا الانضباط العام في كل وضع كياني سواء أكان للأمّة أو للحزب أو الدولة. وحتى نبعد الانضباط عن المَواطن التي يصبح فيها هذا الانضباط ضرراً على الكيان إذا وُجدت الطاعة، ولذلك يجب على المسلم حين يلبي أمر الله بالطاعة أن ينتهي عن طاعة من نهى الله عن طاعتهم، وبذلك يتكون الكيان تكويناً سليماً ويوجد الانضباط العام وجوداً سليماً. ولم يكتف الإسلام بذلك بل عمد إلى الحاكم وبيّن له مبلغ ما في طاعته للأمّة فيما يضرها من خطر فنهاه عن طاعتها أو طاعة أفراد منها فيما يراه ضرراً عليها، قال تعالى: (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم) وهو نفى عن الرسول طاعتهم في كثير من الأمر حرصاً عليه ومنعاً للمشقة عنهم، وعلى ذلك فإن الطاعة حين يؤمر بها تكون مطلقة أي ليست مقيدة بموافقة المأمور أو عدم موافقته ولكن المأمور يفهم أن يطيع في حدود الإسلام. وحين يعلم أنه مطيع يجب أن يفهم أن الطاعة إن هي الطاعة التي أمر الله بها وهي طاعة صاحب الصلاحية (ومن يطع الأمير فقد أطاعني) وأن طاعة الكافرين والمضلين لا يجوز أن تكون لأنها من أفدح الأضرار. أمّا ولي الأمر فيعمل ما يراه مصلحة الأمّة ولا يطيعها فيما يراه عليها ولكن ذلك كله في حدود الإسلام، والمراد من حدود الإسلام ما هو قطعي أنه من الإسلام، أمّا ما هو ظني فلا، فلو كان يرى صاحب الصلاحية أن إجارة الأرض لا تجوز والمأمور يرى أن إجارة الأرض تجوز، فإذا أمر صاحب الصلاحية بمنع إجارة الأرض فيجب على من لا يرى هذا الرأي طاعته ولو خالف رأيه، لأن أمر الإمام يرفع الخلاف، ويقاس عليه كل صاحب صلاحية، ولذلك لا يقال إن هذا الأمر يخالف الإسلام فلا أطيعه وهو قد يكون صادقاً بأنه يرى أنه يخالف الإسلام في حين أن صاحب الصلاحية يرى أنه من الإسلام، لا يقال ذلك لأن هذا يعتبر تمرداً بل يجب أن يطاع هذا الأمر ما دامت له شبهة الدليل أنه من الإسلام وظنه كذلك صاحب الصلاحية وأعطى الأمر به على هذا الأساس، والتمرد عن طاعة صاحب الصلاحية إثم لقول الرسول: (ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني)، وكل ثلاثة اختاروا أميراً فطاعته واجبة عليهم.