بسم الله الرحمن الرحيم
مقتطفات عن كيفية سير الحزب في مرحلة التفاعل
لقد وقف الحزب، حين أحس بعدم استطاعته المحاولة لأخذ قيادة الناس، يفكر في ذلك تفكيراً واقعياً، فتبين له أن ذلك ناتج عن ضعف الاتصال الحي، فصار شعورٌ بأنه لا بد من وسائل وأساليب لإيجاد الاتصال الحي بشكل دائمي ومتتابع دون حاجة إلى دفعٍ في كل اتصال، لأن محاولة أخذ قيادة الأمّة إنما أخفقت لضعف الاتصال الحي، فلا بد من صب الجهود عليه بشكل يطغى على كل عمل وعلى كل وسيلة وعلى كل أسلوب لإيجاد الاتصال الحي بشكل دائمي وبدافع داخلي.
والنجاح في الاتصال الحي يقتضي خمسة أمور:
1- لمّا كان الهدف من الاتصال الحي في الدور الذي فيه الحزب هو لأخذ قيادة الأمة ليتولى قيادتها فعلاً، فإنه لا بد أن يحدد أفكاراً معينة وأحكاماً معينة وآراء معينة تكون هي الطاغية على سائر الأفكار والأحكام والآراء، وتكون المحور الذي تدور عليه الأفكار والآراء والأحكام. فمثلا تبنى الحزب أفكاراً أساسية عن الحياة وهو يعمل لتركيزها وهدم ما يناقضها على وجه يزيل الأفكار العرضية الطارئة حين يجري تركيز هذه الأفكار الأساسية، فهذه الأفكار التي تبناها مع استمراره ببثها والدعوة لها يتخيّر أهمها وأكثرها تنزيلاً على الوقائع الجارية ويشدد على تركيزها أكثر من غيرها، مثل فصل الدين عن الحياة بأنها عقيدة كفر، ومثل السعادة بأنها الطمأنينة الدائمة في جميع الظروف ومختلف الأوضاع، ومثل إدراك الصلة بالله بأن المسلم عبدٌ لربه، فيجب أن يظل في جميع أحواله مدركاً هذه المسألة بوصفه العبد للرب، ومثل الحُسن والقبح وما شابه ذلك بانياً كل هذا على العقيدة الإسلامية رابطاً إياه بإيجاد الخلافة وحمل الدعوة إلى العالم بالجهاد. ومثلاً تبنى الحزب أحكاماً في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم، فهذه الأحكام مع استمراره ببثها والدعوة لها يتخيّر أهمها وأكثرها تنزيلاً على الوقائع الجارية ويشدد على تركيزها أكثر من غيرها مثل بيعة الخليفة، التجارة الخارجية، كون المرأة تنتخِب وتُنتخب، وما شابه ذلك بانياً كل هذا على العقيدة الإسلامية رابطاً إياه بإيجاد الخلافة وحمل الدعوة إلى العالم بالجهاد، ومثل تبني الحزب أحكاماً في الجهاد، وبيّن أنه طريقة لحمل الدعوة إلى العالم، فلا بد من التركيز على هذه الأحكام. وبذلك يكون قد حدّد الأفكار التي يقوم في الاتصال الحي بها، وركزها على العقيدة وإقامة الخلافة والجهاد، وبذلك يصير اتصاله مظنة النجاح في محاولة أخذ قيادة الأمة ثم قيادتها فعلاً.
2- حث الناس للعمل لهذه الأفكار، وذلك أن نشر الأفكار وحده، علاوة على أنه لا يؤثر في الناس ولا يوجِد نهضة ولا حركة فكرية، فإنه لا يجعل الأمة تنقاد لمن ينشرها، وها هم الأدباء والكتّاب والعلماء والمؤلفون في كل بلد ينشرون الأفكار ولكن لا يوجد أحد انقاد لهم في هذا النشر، فحتى ينقاد الناس للحزب لا بد أن تصدر هذه الأفكار عن قصد التأثير، يحتّم هذا القصد على حامل الدعوة تمكين من يناقشهم من لمس واقعها ووضع الإصبع على هذا الواقع، ويحتم عليه إلى جانب ذلك حثهم على العمل لإيجادها رأياً عاماً بين الناس ولإيجادها في العلاقات وفي الدولة، أي أن إعطاء الأفكار يجب أن يقترن بالحث على العمل لها حثاً مؤثراً يبعث التفكير فيهم جدياً في العمل لها حتى يجدوا أنفسهم حين يريدون العمل لها أنه لا بد من أن يقودهم الحزب وأن يكون هذا الحث مقصوداً بشكل متتابع لا أن يكون عفوياً وإذا خطر بالبال.
3- تحديد ما نريد قيادة الناس له. وذلك أن قيادة أي شخص أو حزب للناس تكون إما في الجزئيات، ولو في الغاية العامة، أي تحقيق مطلب من المطالب الجزئية للأمة كفتح طريق مثلاً، أو لتحقيق المطلب الأصلي وهو تسلم الحكم. أما حزب التحرير فإنه لا يقود الأمة لتحقيق المطالب الجزئية بل يتخذ تبني المصالح الجزئية طريقة للوصول إلى قيادة الأمة بإثارة التذمر فيها ودفعها لطلب ما يطلبه الإسلام، ولكنه لا يقودها لتحقيق الجزئيات، حتى ولا يُظهر رضاه عن تحقيق الجزئيات وترك التطبيق الكامل الشامل للإسلام.
وقيادته للأمة إنما تكون لطلب تطبيق الإسلام ولإقامة الخلافة الإسلامية. فلا بد من تحديد قيادة الأمة له وهو إقامة الخلافة، وأن يكون التحديد بارزاً ولافتاً للأنظار، فصار لا بد أن تكون المحاولة لأخذ قيادة الأمة محصورة بإقامة الخلافة مع استمرار التبني للمصالح الجزئية وملاحظة الفرق بين التبني وبين قيادة الأمة، وإبقاء الإدراك على دوام التحديد لما نريد قيادة الناس له بأنه إقامة الخلافة.
4- أن يهتم اهتماماً فعالاً بجعل شباب الحزب أشخاصاً أقوياء لأن الحزب إنما يأخذ الحكم بقوته هو وشخصيته وقوة أعضائه، ومن الرأي العام المنبثق عن الوعي العام الذي له في المجتمع ولدى الجماهير، أي أن الحزب يصل إلى الحكم ويثبت فيه حين يصبح قوة سياسية واسعة النفوذ دقيقة التنظيم مستندة إلى قاعدة كبرى من جماهير الأمة وسواد الناس. وهذا يقتضي أن يكون شبابه أقوياء، وقوتهم هذه تسهم إسهاماً كبيراً في تقوية شخصيته، فإنها إلى جانب أعماله التي يقوم بها وأفكاره الديناميكية التي يبثها تجعل الناس يلمسون بأيديهم قوة شخصيته حين يلمسون قوة أعضائه. ولا شك أن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينصر الله الإسلام بأحد العُمَرَيْن إنما كان من أجل تقوية شخصية الدعوة في نفوس الناس، ولذلك كان لا بد أن يُهتم اهتماماً فعالاً بجعل شباب الحزب أقوياء في المجتمع. أما كيف يصل إلى ذلك، فإنه واضح في واقع سير الحياة. فإن الشخص يصبح قوياً من جراء قيامه بأعمال توجِد له قوة لدى الناس، وهو إما أن يقوم بأعمال في الدعوة توجِد قوة، وإما أن يكون قد قام بأعمال قبل الدعوة تتعلق بخدمة الإسلام أو العلم أو قضاء مصالح الناس أو ما شاكل ذلك. ولذلك يُسلك إلى جعل شباب الحزب أقوياء طريقان: أحدهما أن يعمل جميع شباب الحزب في الاتصال الحي بشكل قوي مؤثر لتكون لهم شخصيات مؤثرة، ولكن لا يكون ذلك بحركات اصطناعية أو أعمال مقصودة بل يكون بصدق لهجتهم ووضوح أفكارهم وصراحة أقوالهم، وتمثُّل القيم الرفيعة في تصرفاتهم، ولا شك أنه سينجم عن ذلك بروز أشخاص أقوياء من بينهم يفرضون أنفسهم على الأمة وتراهم قادة لها، بل تراهم وحدهم القادة وتفضلهم على المشايخ في فهم الإسلام وأخذه عنهم، وعلى السياسيين في فهم السياسة منهم، وعلى الزعماء في الانقياد لهم وتسليمهم رعاية شؤونهم، وبذلك يوجد أشخاص أقوياء في الحزب. أما الطريق الثاني، فهو أن يحاوَل كسب أشخاص أقوياء يدرُسون في الدعوة ويكونوا أعضاء في الحزب إذا فرضوا أنفسهم على الحزب. ولكن لا يصح أن يكون ذلك بتخصيصهم بالدعوة وصرف الاهتمام لهم بل ببذل شيء من العناية لمن لهم شخصية قوية مؤثرة فكرياً أو سياسياً أو اقتصادياً أو من ناحية قضاء مصالح الناس أو ما شابه ذلك، ومثل هؤلاء يحتاجون إلى المثابرة والصبر وحسن التأني، ولكن يجب أن تُتجنب المجاملة والملاينة معهم، بل يُسلك معهم في الدعوة كما يُسلك مع أي إنسان، فيخاطَبون بالحكمة، أي بالبرهان العملي، لا اللين إن كانوا يريدون فهم الإسلام عن طريق عقلي، أو يخاطَبون بالموعظة الحسنة، أي بالتذكير الجميل، إن كانوا ممن لا تمكّنهم ظروفهم من العناية بالأفكار والأبحاث، أو يخاطَبون بالنقاش القوي المؤثر، إن كانوا ممن يحملون أفكاراً غير ما يتبناه الحزب من طريقة أو أفكار، ويُحرص على أن يُكسبوا للأفكار التي يحملها الحزب، وبعد ذلك يجنى كسبهم للحزب تبعاً لذلك، ولا يُحرص على كسب أشخاص للحزب أولاً، بل يجب أن يُدرَك إدراكاً بارزاً أن كسبهم للأفكار هو الأصل.
5- أن يكون القصد من جميع عمليات الاتصال الحي إيجاد قاعدة كبرى من جمهرة الأمة وسواد الناس للحزب في المجتمع، وهو ما يسمى عند بعض الناس بالقاعدة الشعبية، وذلك أن الأمة هي السند الطبيعي للسلطة وهي الوسيلة الفعالة لإزالة السند غير الطبيعي الذي يسند السلطة، وهي الأداة المؤثرة التي تُضعف الوسائل التي تساعد على سند السلطة، ولذلك فإن الطريق العملي لتسلم السلطة تسلماً طبيعياً إنما هي إيجاد قاعدة كبرى من جمهرة الأمة وسواد الناس تكون الأداة المباشرة لتسلم السلطة والحصن الحصين الذي يصونها ويُعلي من مكانتها.
ومن هنا كان لا بد أن يُبذل جهد غير عادي لإيجادها، وأن يتصور كل شاب أثناء قيامه بأعمال الحزب، ولا سيما في الاتصال الحي، أهمية إيجاد هذه القاعدة، فيقوم بوضع اللبنات في بنائها ولو لبنة واحدة في كل عمل حتى يسير بناء هذه القاعدة سيراً حثيثاً بعناية ووعي وبإتقان وتتابع. إلا أنه يجب أن يكون واضحاً أنه ليس المقصود من بناء القاعدة الكبرى من جماهير الأمة وسواد الناس هي فقط إيجاد الرأي العام لأفكار الحزب وللحزب وجماهير مؤيدة له وسائرة وراءه فيُسرِع الحزب وشبابه إلى هذه العملية بإثارة المشاعر وتصوير مطالب الأمة قريبة التناول رابحة النتيجة ربحاً دنيوياً، بل المقصود هو إيجاد قاعدة كبرى تستعد لحمل المسؤولية الثقيلة التي ستُلقى على عاتقها في مواجهة الأخطار ومصارعة القوى على المدى الطويل وبنفس طويل، ولذلك لا بد من الاعتماد على إيجاد الوعي العام قبل الرأي العام، والاعتماد على الفكر قبل الاعتماد على المشاعر، وإيجاد الإدراك الواقعي والبعد عن الفروض النظرية والتخيلات. فإن الحزب سيقيم الدولة بهذه القاعدة، وسيواجه حرب التدخل بهذه القاعدة، وسيحمل الدعوة دولياً إلى العالم، ويصارع الدول في الموقف الدولي والمجتمع الدولي بهذه القاعدة. ولذلك لا بد أن تكون الأمة كلها أو في مجموعها هي القاعدة وأن يكون الرأي العام فيها منبثقاً عن الوعي العام، مركَّزاً تمام التركيز على إيمان عقلي وتصديق يقيني عن دليل وأن يكون تأييد الجماهير تأييداً يصل إلى حد الاستعداد للاستشهاد عن رضى وطمأنينة وتشوق لجنّات النعيم ورضوان الله.
ولهذا كان لا بد من إدراك ما هي هذه القاعدة الكبرى من جماهير الأمة وسواد الناس التي يراد بناؤها للحزب فيدرك من إدراك ماهيتها الطريق الذي يُسلَك في بنائها، غير أنه يجب أن يكون واضحاً أن ليس معنى بناء القاعدة الكبرى من جماهير الأمة وسواد الناس بالفكر لا بالمشاعر هو عدم العناية بالمشاعر أو تعليم جميع الناس جميع أفكار الإسلام وأحكامه، بل المراد هو أن تعطى الأفكار الأساسية للناس على وجه يجعلها عميقة الجذور في النفوس، أو يعطون أهمها بطريقة تثير التفكير وتحرك العقل وتجعل جذورها تمتد في النفوس إلى مدى بعيد، وهذا يوجِد المشاعر المتدفقة والحماس الدائم، إذ أن الذي يوجِد المبدأ ويركزه في الأفراد والأمة إنما هو الفكر الأساسي، وأما الأفكار الفرعية والأحكام التي تعالج الأعمال فإنها نتيجة لتركيز الأفكار الأساسية وتعميقها.
فالأساس الذي يعمل له غرس البذور وسقيها بما يحميها وينميها؛ أي إيجاد العقيدة بأهم أفكارها، وربطها بما يوجدها في معترك الحياة من سلطة وبما يحملها إلى العالم من قوة. فإذا بُنيَت القاعدة الكبرى من جماهير الأمة وسواد الناس على هذا الوجه بهذه الأفكار والأحكام فإنها ولا شك تكون أضخم القواعد وأعظمها.
أما من الذي ينقل هذا المرسوم على الورق ليجعله واقعاً يجري بين الناس في العلاقات، فلا شك أنه حامل الدعوة الإسلامية، إذا كان بالفعل حامل دعوة، فإنه هو الذي يحوّل دار الكفر إلى دار إسلام، ويحوّل الكفار إلى مسلمين، وهو الذي ينقل المجتمع من علاقات تسير بأحكام الكفر إلى مجتمع إسلامي ترفرف فوقه السعادة والرفاه. فحامل الدعوة منذ أن انبثق فجر الإسلام هو الذي دفعه حمل الدعوة إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وهو الذي نشر الهدى بين الأنام ودك الحصون وفتح الأمصار، وهو الذي شل العروش وأطاح بالتيجان، ولولا حمَلة الدعوة لما استطاعت تلك الفئة القليلة من المسلمين أن تفتح هذه البلاد المترامية وتحوّلها من بلاد كفر إلى بلاد إسلام، وتحوّل أهلها من كفار إلى مسلمين. وحامل الدعوة هو الذي ذهب تاجراً إلى البلدان: إفريقيا وإندونيسيا والصين واليابان وغيرها، فتاجَر بالدعوة قبل التجارة المادية، وهدى الملايين من الناس إلى الإسلام، وربح رضوان الله إلى جانب ربح الأموال. فحامل الدعوة اليوم كحامل الدعوة بالأمس، فيه القدرة على إعادة الإسلام في بلاد المسلمين وحمله إلى العالم، وفيه القدرة على القيام بهذه الأعمال المرسومة ليجعلها واقعاً يجري بين الناس، لا لشيء إلا أنه حامل دعوة وليس غير ذلك. إن حامل الدعوة لا يعيش إلا على أفكارها، ولا يرغب في الحياة إلا من أجلها، ولا يشعر بالراحة إلا إذا قام بحملها، ولا يطمئن إلا بعد أدائها، ولا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكرها كما لا تلهيه عن ذكر الله.