بسم الله الرحمن الرحيم
محاولة المخاطبة
يجتاز الحزب الآن وضعاً دقيقاً وشاقاً هو وضعه في الفترة النهائية من محاولة الانطلاق أو محاولة المخاطبة، وهو سينطلق من هذا الوضع انطلاقاً طبيعياً ويصبح في دور التفاعل حتماً. وسيكون انطلاقه عاماً في جميع المنطقة التي اتخذها مجالاً له. وسيكون التفاعل كذلك عاماً لأنه نتيجة حتمية للانطلاق.
وفي هذا الوضع تمر الأحداث والأفكار أمام الحزب فتكون لافتة لنظر أعضاء الحزب، ولافتة لنظر الأمة التي تصبح راغبة في معرفة موقف الحزب من الأحداث والأفكار التي تمر بها. وقبل هذا الوضع كانت الأحداث تمر والأفكار تأتي، فلا تلفت نظر أعضاء الحزب ولا نظر الأمة لتسأل عن رأي الحزب، وذلك لانشغال الحزب في التثـقيف، ولأن الأمة لم تكن ترى منه إلا الجانب الفكري التثـقيفي، وبعد هذا الوضع ستأتي الأحداث والأفكار فلا تلفت النظر أيضاً لأنه يكون من البديهي تقدم الحزب لقيادة الأمة ومعالجة الأمور. ومن أجل ذلك كان على الحزب في هذا الوضع أن يحيط علماً بجميع الأحداث والأفكار التي تمر ثم يتخذ إجراءات فيما يلزم اتخاذ اجراء له، ويكتفي بالمعلومات إذا كانت تلك الأحداث والأفكار مما لا يلزم اتخاذ إجراء له، ويكون عمل الحزب البارز هو الصراع الفكري والكفاح السياسي، ويكون عمل الثـقافة المركزة والجماعية حتمياً وآلياً لأنه هو الأساس الذي تقوم عليه جميع الأعمال.
ولكي يبرز الصراع الفكري والكفاح السياسي يجب أن يسعى لتطبيقها على جميع الأمور، وأن يقوم بها جميع أعضاء الحزب وجميع لجانه بأساليب متنوعة. وهذه الأساليب منها ما يقوم به الأعضاء ومنها ما تقوم به اللجان كما يلي:
1- هناك أساليب يقوم بها كل حزبي من غير ترتيب سابق من أية لجنة.
2- هناك أساليب تقوم بها كل لجنة بترتيب معين منها من غير ترتيب من القيادة.
3- هناك أعمال حزبية وهي كل إنشاء جديد يتعلق بالمبدأ أو الحزب أو الأمة، وهذه تقوم بها القيادة، وهذه الأساليب واضحة في نشرة التحريك السياسي في الصفحتين السادسة والسابعة فلا داعي لبيانها. غير أن الذي يُخشى منه هو استعمالها في غير محلها، فمثلاً كل شخص يستطيع أن يلقي محاضرة في أي مكان، ومعنى ذلك أن لكل شخص أن يخطب في كل مكان، وعليه فيمكن أن يفهم منه أنه يخطب في المظاهرات ويخطب في المؤتمرات لأنها أمكنة عامة وهذا فهم خاطئ، إذ الخطاب في المظاهرة أو المؤتمر اشتراك فيهما حتماً دون حاجة إلى تفسير أو تأويل، والاشتراك في المظاهرات والمؤتمرات لا يجوز لأعضاء حزب التحرير، لذلك لا يجوز أن يخطب في هذه المظاهرات والمؤتمرات، ولهذا يجب أن يكون شباب الدعوة واعين على الأعمال التي يقومون بها حتى لا تقع مخالفة للمفاهيم التي يتبناها الحزب.
وهناك أساليب مادية اعتاد الناس استعمالها للتعبير عن سخطهم منذ أن بُليَت بلاد المسلمين بالاستعمار، ولا يزالون يستعملونها رغم ثبوت تفاهتها وعقم إنتاجها. وذلك كالإضرابات والمظاهرات، مع أن التعبير بالأسلوب المادي عن السخط أمر غير عادي، وهو خلاف الأصل، إذ الأصل أن تكون للأمة هيبة، وأن يُسعى لإيجاد هذه الهيبة وتركيزها، وأن يكون لهذه الهيبة أثر كبير في نظر الحكومة، بحيث يكفي مجرد إثارة تذمر الأمة لبعث الرعب في قلب الحكومة، وحملها على الرجوع عن أي عمل تعتزم القيام به من الأعمال التي لا تتـفق ومصلحة الأمة وتؤثر على هيبتها. ولهذا فإن من الواجب هو إثارة تذمر الأمة وسخطها فقط كلما جد من السلطة الحاكمة أو النظام القائم ما يمس مصالحها أو مبدأها لترجع عنه، فإذا لم ترجع الحكومة عن العمل يُنظر، فإن كان العمل تافهاً لزيادة رواتب المعلمين وإيجاد أيام عطلة للعمال وما شاكل ذلك، فإنه لا يجوز أن يطلب من الأمة أن تعبر عن سخطها بأي عمل مادي لأن ذلك ينفس عواطف الأمة في هذه الجزئيات، ولأن تكرار هذا التعبير المادي يُذهِب هيبة الأمة في نظر الحكومة.
أما إذا كان الأمر جوهرياً يتعلق بكيان الأمة مثل الأحلاف العسكرية والمعاهدات السياسية وما شاكل ذلك فإن الأمة تعبر عن سخطها بعمل مادي مؤثر يجبر الحكومة على الرجوع عن عملها. غير أن الذي يعين نوع العمل الذي تعبر به الأمة عن سخطها هو الحزب، ويتقدم لقيادة الأمة للقيام بهذا التعبير. ويشترط أن يكون التعبير قوياً مؤثراً ولا يجوز أن يكون تعبيراً يُحدث التشويش والارتباك فقط، ولذلك لا يجوز التعبير عن السخط بالإضرابات والمظاهرات وأمثالها. أما الإضرابات فإنها تعطيل لأعمال الأمة وإهدار لجهدها دون أن يكون له أثر إلا التشويش على الحكومة وإرباكها فقط.
وأما المظاهرات فإنها تجعل أبناء الأمة يقتل بعضهم بعضاً، وتتلف أموال الأمة بمهاجمتها مصالح الدولة، فتثير البغضاء بين فئات الأمة، فإذا لم تصحبها هذه الأعمال كانت عبارة عن موكب جنازة سائر في الطريق، ولهذا لا يجوز أن يطلب من الأمة التعبير بها عن سخطها، وإنما يجب أن يطلب منها التعبير عن سخطها بأسلوب مادي مؤثر وذلك كالعصيان المدني في عدم دفع الضرائب جميعها، أو كجعل الموظفين الذين يديرون جهاز الدولة يتمردون عليها، أو كالطلب من الأمة احتلال دوائر الحكومة، أو ما شاكل ذلك من الأعمال المادية القوية. وهناك خمس حالات تحصل في هذا الوضع لا بد من تبين الأمر فيها حتى لا يتأخر أي عضو من أعضاء الحزب عن القيام بالعمل المطلوب في وقته، وحتى لا يقوم أحد بما ليس من شأنه فيؤدي ذلك إلى وجود ارتباك، وهذه الحالات الخمس تحصل أثناء القيام بالتحريك السياسي:
1- البدء في وضع الأفكار موضع التنفيذ. هذه الحالة تحصل من كل عضو في الحزب، فعلى كل عضو أن يضع الأفكار التي يحملها موضع التنفيذ في كل وقت يلزم فيه التنفيذ لأن لهذه الأفكار معانٍ اعتقدها وصدقها وعرف أن لها مدلولاً في الواقع المحسوس ولذلك فهو يطبقها ولا يخالفها كرأي الحزب في صفقة الأسلحة التكتيكية والأحلاف العسكرية فإنه يكافح في سبيل نشره ولو خالف رأي الأمة.
2- أفكار جديدة وأحداث جديدة ترجع إلى أفكار الحزب ومفاهيمه تطبق التحرك السياسي عليها، هذه الحالة تحصل من اللجان المحلية ولجان الولايات، فقد تطرأ أفكار وأحداث يظن أن شباب الدعوة قد لا يدركون تطبيق التحريك السياسي عليها، فعلى اللجان أن تبين لشباب الدعوة كيفية تطبيق التحريك السياسي عليها وذلك كالمظاهرات والمؤتمرات حين تحصل، وكالتصريحات السياسية التي تمس موضوعاً هاماً وما شاكل ذلك. ويقظة اللجان على الأحداث والأفكار التي تحصل وبيان كيفية تطبيق التحريك السياسي عليها يمنع بلبلة الرأي ويحول دون وجود الارتباك.
3- أحداث جديدة وأفكار جديدة يراد إعطاء الرأي فيها. هذه الحالة إنما تكون من لجنة القيادة لأنها إنشاء جديد.
4- أحداث جديدة وأفكار جديدة يراد تحديد موقف الحزب فيها. هذه الحالة إنما تكون للجنة القيادة لأنه يراد بيان الإجراء الذي يتخذه الحزب؛ أي هل يقف منها موقف المعارضة أو غيرها، والفرق بين هذه الحالة والحالة التي قبلها، أن تلك الحالة هي بيان الرأي فيها وهو يدخل في المفاهيم وهذه الحالة تدخل في تقرير عمل من الأعمال بالنسبة للفكر الجديد أو الحدث الجديد.
5- الانسجام بين قيام كل عضو وكل لجنة بالتحريك السياسي وبين المرحلة التي يجتازها الحزب. وهذا يجب أن يلاحَظ من جميع الأعضاء ومن جميع اللجان حتى لا يحصل جمود في السير فيظن العضو أو اللجنة أنه يشتغل وهو لا يعمل أكثر من إعطاء حلقة أو الدراسة في حلقة، مع أن الحزب في وضع التحريك السياسي لا التثقيف فقط، وحتى لا يحصل ارتباك في السير فيبدأ بأعمال التفاعل وهو لا يزال في محاولة المخاطبة. وإذا روعيت هذه الحالات حين تطبيق التحريك السياسي قام كل حزبي بما يجب عليه وكل لجنة بما هي مسؤولة عنه وسار الحزب سيراً حثيثاً وتجنب البلبلة، ولهذا يجب دراسة هذه الحالات ومراقبة انتقال المفاهيم إلى أعمال وحينئذٍ ينتقل الحزب إلى دور التفاعل طبيعياً في أوانه.
1961م