بسم الله الرحمن الرحيم
مفاهيم حزب التحرير:
أخفاق المحاولات التي قامت لإنهاض المسلمين بالإسلام
منذ أواسط القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) والعالم الإسلامي ينحدر عن المستوى اللائق به انحداراً سريعاً، ويهبط إلى هوة الانحطاط هبوطاً فظيعا،ً وبالرغم من قيام محاولات عديدة لإنقاذه أو الحيلولة دون استمرار انحداره لم تنجح ولا محاولة واحدة من هذه المحاولات، وظل العالم الإسلامي يتخبط في دياجير الفوضى والانحطاط، ولا يزال يعاني آلام هذا التأخر والاضطراب.
أما سبب انحطاطه فيرجع إلى شيء واحد، هو الضعف الشديد الذي طرأ على الأذهان في فهم الإسلام. وسبب هذا الضعف هو فصل الطاقة العربية عن الطاقة الإسلامية حين أُهمِل أمر اللغة العربية في فهم الإسلام وأدائه منذ أوائل القرن السابع الهجري. فما لم تُمزَج الطاقة العربية بالطاقة الإسلامية بأن تُجعل اللغة العربية -التي هي لغة الإسلام- جزءاً جوهرياً لا ينفصل عنه فسيبقى الانحطاط يهوي بالمسلمين، لأنها الطاقة اللغوية التي حملت طاقة الإسلام فامتزجت بها، بحيث لا يمكن أداء الإسلام أداءً كاملاً إلا بها، ولأن بإهمالها سيبقى الاجتهاد بالشرع مفقوداً، ولا يمكن الاجتهاد بالشرع إلا باللغة العربية، لأنها شرط أساسي فيه. والاجتهاد ضروري للأمة، لأنه لا تقدُّم للأمة إلا بوجود الاجتهاد.
وأما سبب إخفاق المحاولات التي قامت لإنهاض المسلمين بالإسلام فيرجع إلى ثلاثة أمور: أحدها عدم فهم الفكرة الإسلامية من قِبَل القائمين بالنهضة فهماً دقيقاً، وثانيها عدم وضوح طريقة الإسلام لديهم في تنفيذ فكرته وضوحاً تاماً، وثالثها عدم ربطهم الفكرة الإسلامية بالطريقة الإسلامية ربطاً محكماً غير قابل للانفصال.
أما الفكرة فقد طرأ عليها من عوامل التغشية ما أبهم الكثير من دقائقها على الكثير من المسلمين. وعوامل التغشية هذه قد بدأت منذ أوائل القرن الثاني للهجرة حتى مجيء الاستعمار، فقد كان للفلسفات الأجنبية كالهندية والفارسية واليونانية أثر في بعض المسلمين حَمَلهم على ارتكاب محاولات للتوفيق بين الإسلام وبين هذه الفلسفات، مع التناقض التام بينها وبين الإسلام. فأدت محاولات التوفيق هذه إلى التأويل والتفسير الذي أبعد بعض الحقائق الإسلامية عن الأذهان، كما أضعف إدراكها إياها. وعلاوة على ذلك كان لدخول بعض الحاقدين على الإسلام المبغضين له في حظيرته -نفاقاً- أثر في أن تُدَس على الإسلام مفاهيم ليست منه، بل مناقضة له. وقد أدى ذلك إلى فهم الإسلام فهماً مغلوطاً عند كثير من المسلمين، ثم أُضيف إلى ذلك في القرن السابع الهجري إهمال اللغة العربية في حمل الإسلام. فكان هذا كله مؤذناً بانحطاط المسلمين. وزاد عليه منذ أواخر القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) حتى الآن الغزو الثقافي والتبشيري، ثم الغزو السياسي من المغرب، فكان ضغثاً على ابالة، وعقدة جديدة في المجتمع الإسلامي تُضاف إلى العقد السابقة فكان لذلك كله الأثر الفعال في خطأ تصور المسلمين للفكرة الإسلامية، حتى فقدت التبلور الحقيقي في الأذهان.
وأما الطريقة الإسلامية فإنهم فقدوا وضوح تصورها بالتدريج. وذلك أنهم بعد أن كانوا يعرفون أن وجودهم في الحياة إنما هو من أجل الإسلام، وأن عمل المسلم في الحياة هو حمل الدعوة الإسلامية، وعمل الدولة الإسلامية هو تطبيق الإسلام وتنفيذ أحكامه في الداخل وحمل الدعوة إليه في الخارج، وأن طريقة ذلك الجهاد تحمله الدولة، نقول أن المسلمين بعد أن كانوا يعرفون ذلك كله صاروا يرون أن عملَ المسلمِ كسبُ الدنيا أولاً، والوعظ والإرشاد -إذا واتت الظروف- ثانياً، وصارت الدولة لا ترى أي تقصير أو أي حرج في تساهلها في تنفيذ أحكام الإسلام، ولا ترى أي غضاضة في القعود عن الجهاد في سبيل الله لنشر الإسلام، ثم صار المسلمون بعد أن فقدوا دولتهم -على ما فيها من هزال وتقصير- يرون عودة الإسلام في بناء المساجد وإصدار المؤلفات وتربية الأخلاق، ويسكتون عن سيادة الكفر عليهم واستعماره إياهم.
هذا من حيث الفكرة والطريقة، أما من حيث ربطهما فإن المسلمين صاروا يرون الأحكام الشرعية المتعلقة بمعالجة المشاكل أي المتعلقة بالفكرة، ولا يعنون أنفسهم في الأحكام التي تبين كيفية المعالجة أي التي تبين الطريقة، فغلبت عليهم دراسة الأحكام منفصلة عن طريقة تنفيذها، وغلبت عليهم دراسة أحكام الصلاة والصوم والنكاح والطلاق، وأهملوا دراسة أحكام الجهاد والغنائم وأحكام الخلافة والقضاء وأحكام الخراج وما شابهها، ففصلوا بذلك الفكرة عن الطريقة حتى نتج عن ذلك عدم إمكان تنفيذ الفكرة دون طريقتها. وقد أُضيف إلى ذلك كله في أواخر القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) الخطأ في فهم الشريعة الإسلامية لتطبيقها على المجتمع، فصار الإسلام يفسَّر بما لا تحتمله نصوصه ليوافق المجتمع الحاضر، وكان الواجب أن يغيَّر المجتمع ليوافق الإسلام لا أن يحاوَل تفسيرُ الإسلام ليوافق المجتمع، لأن القضية هي أن هناك مجتمعاً فاسداً يُراد إصلاحه بمبدأ، فيجب أن يطبَّق المبدأ كما هو ويغيَّر المجتمع برمته تغييراً انقلابياً على أساس هذا المبدأ، أي كان لزاماً على المحاولين للإصلاح أن يطبقوا أحكام الإسلام كما جاءت دون نظر إلى المجتمع أو العصر أو الزمان أو المكان، ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل أوَّلوا أحكام الإسلام ليوافق العصر. وقد أوغلوا في هذا الخطأ في الكليات والجزئيات. واستنبطوا قواعد كلية وأحكاماً جزئية تتفق مع هذه النظرة إذ وضعوا عدة قواعد كلية خاطئة مثل "لا يُنكر تغيير الأحكام بتغيير الزمان" ومثل "العادة محكَّمة" وغير ذلك، وأفتوا بأحكام لا سند لها من الشرع بل أفتوا بأحكام تعارض نص القرآن القطعي، فأجازوا الربا القليل بحجة أنه غير مضاعف وبحجة الضرورة لمال القاصر، وصار القاضي الذي يسمى القاضي الشرعي يحكم بالربا في صناديق الأيتام، كما صار القاضي الذي سموه قاضياً نظامياً يحكم بالربا أيضاً، وأفتوا بوقف الحدود، وأجازوا أخذ قوانين العقوبات من غير الإسلام. وهكذا وضعوا أحكاماً تخالف الشرع بحجة موافقتها للعصر، وضرورة أن يوافق الشرع كل عصر وكل زمان ومكان. وقد نتج عن ذلك أن أُبعِد الإسلام عن الحياة، واتخذ أعداء الإسلام من هذا الفهم المغلوط وهذه الأحكام الباطلة وسيلة أدخلوا بها على المسلمين قوانينهم ومبادئهم دون أن يجد المسلمون فيها أي تناقض مع دينهم لِما تركز في أذهانهم من جراء الفهم المغلوط أن الإسلام يتفق مع كل زمان ومكان، وصار تأويل الإسلام على لسان الكثيرين ليوافق كل مذهب وكل مبدأ وكل حادثة وكل قاعدة، ولو خالف مبدأ الإسلام ووجهة نظره، فكان هذا مساعداً على إبعاد الإسلام عن الحياة. ولذلك كان إخفاق كل حركة إصلاحية تسير حسب هذا الفهم السقيم أمراً محتوماً.
وقد أُضيف إلى ذلك في أوائل القرن العشرين ما ركز الحواجز التي قامت بين الإسلام وبين الحياة، وزاد الصعوبات القائمة في وجه الحركات الإسلامية صعوبات أخرى، وذلك أن المسلمين، ولا سيما العلماء والمتعلمين، كانت تغلب عليهم في هذا الوقت ثلاثة أشياء:
أحدها أنهم كانوا يدرسون الإسلام دراسة تخالف طريقة الإسلام الدراسية في فهمه، لأن طريقة الإسلام الدراسية أن تُدرَس أحكام الشريعة كمسائل عملية للتطبيق من قِبَل الدولة فيما يختص بها، ومن قِبَل الفرد فيما هو من شأنه. ولذلك عرَّف العلماء الفقه بأنه (علم بالمسائل الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية). وبذلك تكون الدراسة منتِجة علماً للدارس، وعملاً للمجتمع في الدولة والفرد. غير أن هؤلاء العلماء والمتعلمين، بل جمهرة المسلمين، درسوا الإسلام للعلم النظري المجرد، كأنه فلسفة نظرية خيالية. وبذلك صارت الأحكام الفقهية فرضية غير عملية، وصار الشرع يدرس مسائل روحية وأخلاقية، وليس أحكاماً تعالج مشاكل الحياة. هذا بالنسبة للدرس، أمّا بالنسبة للدعوة إلى الإسلام، فكانت تغلب عليها طريقة الوعظ والإرشاد التي يتبعها المبشرون، وليس طريقة التعليم التي يريدها الإسلام، وبهذا صار المتعلمون للإسلام: إما علماء جامدين كأنهم كتب متحركة، وإما وعّاظاً مرشدين يكررون للناس الأقوال (الخطب) المملولة دون أن يحدِث ذلك في المجتمع أي أثر. ولم يفهموا معنى التثقيف بالإسلام الذي يعني تعليم المسلمين أمور دينهم تعليماً يؤثر في مشاعرهم، ويخوفهم عذاب الله وسخطه، حتى يصبح المسلم طاقة مؤثرة حين ترتبط مشاعره بعقله، من جراء تعلم آيات الله وطريقة تعليمها. نعم لم يفهموا ذلك، وجعلوا مكان طريقة التعليم المؤثرة العميقة طريقة الوعظ والإرشاد التي تنحصر في الأقوال (الخطب) السطحية المبتذلة. فكان من جراء ذلك أن رُؤيَ أن بين معالجة مشاكل المجتمع وبين الدين الإسلامي تناقضاً أو شبه تناقض يحتاج إلى التوفيق، حتى صار تأويل الإسلام ليوافق العصر أمراً مألوفاً عند الناس.
وعلاوة على ذلك، فإنهم أساؤوا فهم قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، وفسروها بأن ينفر لجلب العلم من كل جماعة فئة يتعلمون الدين ويرجعون ليعلِّموا قومهم، وبذلك جعلوا تعلم الدين فرض كفاية، وخالفوا بذلك الحكم الشرعي، كما خالفوا معنى الآية.
أما الحكم الشرعي فهو أنه يجب على كل مسلم بالغ عاقل أن يتفقه في الدين الأمور التي تلزمه في الحياة، لأنه مأمور أن يسيّر أعماله كافة بأوامر الله ونواهيه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأعماله. وعلى ذلك يكون التفقه في الدين للأحكام اللازمة للمسلم في معترك الحياة فرض عين لا فرض كفاية، أما الاجتهاد لاستنباط الأحكام فهو فرض كفاية. وأما مخالفتهم لمعنى الآية فإن الآية آية جهاد، وهي تعني أنه لا يجوز للمسلمين أن يخرجوا جميعاً للجهاد جماعة، وبقيت فئة تتعلم الأحكام على الرسول عليه السلام، حتى إذا رجع المجاهدون علّمهم الباقون ما فاتهم من أحكام الله تعليماً يؤثر فيهم، ويدل على ذلك أيضاً ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من حرص على تعلم أحكام الدين وملازمة الرسول عليه السلام، فقد كان يخرج بعضهم في السرايا للجهاد، ويبقى الباقون ليتعلموا أحكام الدين، ثم يرجع المجاهدون فيعلّمهم الباقون ما فاتهم من أحكام.
ثانيها: أن الغرب الحاقد المبغض للإسلام والمسلمين هاجم الدين الإسلامي وصار يطعن فيه فيفتري عليه من جهة ويقبّح بعض أحكامه من جهة أخرى، مع أنها هي المعالجات الصحيحة لمشاكل الحياة. فكان للمسلمين ولا سيما المتعلمين موقف أمام هذا الهجوم يغلب عليه الضعف، إذ قَبِلوا أن يكون الإسلام متهماً وصاروا يدافعون عنه، وجرّهم هذا إلى محاولات لتأويل أحكام الإسلام، فمثلاً أوّلوا الجهاد أنه حرب دفاعية لا هجومية، وخالفوا بذلك حقيقة الجهاد، مع أن الجهاد حرب لكل من يقف في وجه الدعوة الإسلامية، سواء أكان معتدياً أم غير معتد. وبعبارة أخرى، هو إزالة لكل حاجز يقف في وجه دعوة الإسلام، أو هو الدعوة إلى الإسلام والقتال في سبيلها، أي في سبيل الله. والمسلمون حين هاجموا فارس والروم ومصر وشمال إفريقيا والأندلس وغيرها إنما هاجموها لأن الدعوة تقتضي الجهاد لنشرها في هذه البلاد. فذلك التأويل للجهاد خطأ نتج عن الضعف في قبول الإسلام متهماً، والدفاع عنه دفاعاً يظهَر فيه إرضاء المتهِمين (بكسر الهاء). ومثل ذلك مسألة تعدد الزوجات، ومسألة قطع يد السارق، وغير ذلك من المسائل التي حاول المسلمون أن يردّوا فيها على الكفار، فصاروا يحاولون تأويل الإسلام تأويلاً يناقضه، وكان من جراء ذلك كله إبعاد المسلمين عن فهم الإسلام، وبالتالي إبعاد الإسلام عن العمل به.
ثالثها: أنه كان من جراء تقلص ظل الدولة الإسلامية عن كثير من الأقطار الإسلامية، وخضوعها لحكم الكفر، ثم من جراء انهيار الدولة الإسلامية والقضاء عليها، أن حصل في أذهان المسلمين استبعاد وجود الدولة الإسلامية، واستبعاد الحكم بالإسلام وحده، ولذلك صاروا يرضون أن يُحكموا بغير ما أنزل الله، ولا يرون بأساً في ذلك ما دام يحافظ على اسم الإسلام ولو لم يُحكم به، وينادون بوجوب الاستفادة من المذاهب والمبادئ الأخرى لتساعد على تطبيق الإسلام في الحياة، فنتج عن هذا قعود عن العمل لإعادة الدولة الإسلامية وسكوت عن تطبيق أحكام الكفر على المسلمين بأيدي المسلمين، فكان من جراء ما تقدم أن أخفقت جميع الحركات الإصلاحية التي قامت لإنهاض المسلمين ولإعادة مجد الإسلام، وكان طبيعياً أن تخفق، لأنها وإن كانت حركات إسلامية لكنها كانت في سوء فهمها للإسلام تزيد العقد، وتعقّد المشكلة وتبعد المجتمع عن الإسلام بدل أن تعمل لتطبيقه فيه.
ولهذا كان لا بد من حركة إسلامية تفهم الإسلام فكرة وطريقة، وتربط بينهما، وتعمل لاستئناف حياة إسلامية في أي قطر من الأقطار الإسلامية حتى يكون هذا القطر نقطة ابتداء تنبثق منها الدعوة الإسلامية، ثم نقطة انطلاق للدعوة إلى الإسلام.
وعلى هذا الأساس وُجد حزب التحرير، وقام يعمل لاستئناف حياة إسلامية في البلاد العربية، ينتج عنها -طبيعياً- استئناف الحياة الإسلامية في العالم الإسلامي بإيجاد الدولة الإسلامية في قطر أو أقطار نقطة ارتكاز للإسلام، ونواة الدولة الإسلامية الكبرى التي تستأنف الحياة الإسلامية، بتطبيق الإسلام كاملاً في جميع البلاد الإسلامية، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم كله.
1372هـ-1953م مفاهيم حزب التحرير