بسم الله الرحمن الرحيم
متى نصر الله؟
تتردد على كل لسان ويسألها كل فرد، حتى أصبحت الشغل الشاغل، أو كادت، بل وأحدثت مفهوماً عكسياً مثبطاً للهمم ومقعداً عن العمل، تلك هي: متى نصر الله؟ متى يمنّ الله علينا بالدولة؟ إلى أين وصلنا؟ ألا فليعلم الجميع أن الحزب قبل الدولة، وأن الفكرة قبل الحزب، أي أن الفكرة أولاً، فالحزب ثانياً، فالدولة ثالثاً، حتى تتحقق غايتنا وهي استئناف الحياة الإسلامية. هذه هي القاعدة الأساسية التي يجب أن ننطلق منها ونسير على ضوئها.
أما الفكرة، وأعني بها العقيدة وما ينبثق عنها من نظم، وما يبنى عليها من أفكار، فهي الروح للناس جميعا (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لِما يحييكم)، أي أنها هي الحياة للناس وللأمّة وللحزب وللدولة، وهي النور الذي ينير السبيل ليهدي السالكين (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)، هذه الرحمة التي رحم الله بها عباده، موجودة بين أيدينا صافية نقية، كما جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، والمطلوب إيجادها في الأمّة لاستئناف الحياة الإسلامية على أساسها، أي بناء الأمّة على العقيدة الإسلامية، وجعْل العقيدة في نفوس الناس أساس حياتهم ولأجلها وُجدوا (وما خلقتُ الجنّ والإنس إلا ليعبدون). نعم، المطلوب إيجاد العقيدة في الحياة وتسيير علاقات الناس بما ينبثق منها من نظم وأحكام، وكيفية تنفيذ ذلك هي الدولة التي تتولى رعاية الشؤون وحماية الثغور وحمْل الدعوة للعالم لإخراجه من الظلمات إلى النور، ولا يمكن ذلك إلا بحزب سياسي، أي أن الطريقة لإقامة الدولة هو الحزب، وهي الطريق التي سلكها محمد رسول الله وفُرضت علينا. ثم إن واقع الحال لإيجاد أي مبدأ في الحياة لا يتأتى إلا بإيجاد حزب تتجسد فيه الفكرة، ووجود رأي عام على الفكرة، يدفع من بيدهم الأمر بالفعل أو القوة إلى تسليم زمام الأمور إلى هذا الحزب الذي تجسدت فيهم الفكرة. هذا هو واقع الحال، وهذا ما ألزَمَنا به الله سبحانه وتعالى. وأنتم يا شباب الحزب نطفة مَن تجسدت فيهم الفكرة، فعاشوا بها ومن أجلها، وأنتم المسؤولون عن بناء الأمّة على أساسها، وأنتم أرهف الناس إحساساً وأعمقهم فكراً، فكيف يغمض لكم جفن أو تهدأ لكم ثورة، وأنتم مع الكفر كفرسيْ رهان. فإن كانت له فأنتم أدرى الناس بمصائركم. وها هو قد جلب عليكم بخيله ورجله، وليس لكم من معين –بعد أن عزّ القاصر وطغى الكافر- إلا هذه الأمّة بما تلمس فيكم من إخلاص وما تجد فيكم من اندفاع، فالأمم لا تعطي قيادتها لجاهل ولا لجبان، ومما تعي من فكرتكم وما توجِدون فيها من رأي عام يدفعها لأن تعطيكم قيادتها، وتحتضن فكرتكم وقد تحتضنكم. هذا هو الجانب العملي، أما الجانب العقائدي فإننا نؤمن يقيناً أن الله ناصرنا، وهذا الإيمان جزء لا يتجزأ من عقيدتنا، لقوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم) وقوله: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)، إلا أن الجانب العقائدي ليس سوى دافع ذاتي ومَعين لا ينضب لشحذ الهمم وتقوية النفوس، فيندفع الشاب في العمل وهو موقن أن الله ناصره ومؤيده، يعمل ضمن قوانين ويربط الأسباب بالمسببات، غير متواكل على هذا الإيمان لأنه كما آمنا به تعالى وجب أن نؤمن بأن له قوانين تسيّر الحياة، فتسير تبعاً لقوانينه، ووفقاً لما أمرنا به.
يا شباب الحزب إن ما نعانيه أمران:
1- تقوية الفكرة في نفوسكم والعمل على إيجادها في الأمّة، بل وبناء الأمّة على أساسها.
2- تقوية الحزب.
أما الدولة فهي آتية لا محالة، طال الطريق أم قصُر، وهي ليست بمهمتكم ولا عملكم المباشر، وإن كان عملكم يسهّل إيجادها. أما عملكم المباشر فهو مقتصر على إيجاد الفكرة في الأمّة وتقوية الحزب.
أما تقوية الفكرة في نفوسكم وإيجادها في الأمّة، وإيجاد رأي عام لها، فإنما يتأتى في ناحيتين: تنمية العقلية وتنمية النفسية، حتى يتسنى العيش الطبيعي كسياسي يحمل دعوة بين الناس.
أما تنمية العقلية، فإنما تأتي بدوام المطالعة ومراجعة الكتب وتلقّي ما جاء بها تلقياً فكرياً، حتى يسهُل هضمها ويمكن بلورتها، وبالتالي يسهُل إعطاؤها للناس والتحكم باستعمالها وإنزالها على الوقائع اليومية الجارية. أما أن يقضي الشاب السنين الطوال –وهو محسوب على الحزب- ولا يستطيع التعبير عن فكرة من أفكار الحزب، أو أن يشرف على حلقة من حلقاته، مع أنه قد يكون من المبدعين في أعماله الحياتية، سواء أكانت مهنية أو تجارية أو فكرية. إنّ من كانت هذه حاله ينطبق عليه قول المثل (اسمك في الحصاد ومنجلك مكسور)، فهو عبء على الحزب، وعبء على غيره من الشباب. فحبذا لو أراح واستراح. إذ كيف يمكن أن يوجِد فكرته في الأمّة وفاقد الشيء لا يعطيه؟ وعليه فإننا نهيب بكم أن تعملوا على تنمية عقليتكم بالمطالعة والمدارسة وتدبّر ما جاء في كتب الحزب، خصوصاً وأن بين أيديكم فكرة واضحة محددة صافية نقية.
أما تقوية النفسية، وأعني بها تقوية الصلة بالله، فإن قسوة الظروف التي نمر بها في ظل كافر مَلَك أمرنا، وقريبٌ جاهَرَنا بالعداء -حتى أهلنا وذوونا، وطول الطريق وقلة الزاد، وانعدام الراحلة، فحري بنا أن نلجأ إلى الله، ولا مفر منه إلا إليه، نتقرب إليه بالطاعات بالدعاء بالنوافل، فإن من تحيط به المصائب وتقسو عليه الحياة يبحث دائماً عن ركن شديد يأوي إليه، وقوة تأخذ بيده وتؤيده وتنصره. ولنا في رسول الله أسوة حسنة، إن محمدا صلى الله عليه وسلم منكم ورسول الله إليكم أول من سلك هذا الطريق، فلنا من سيرته وسيرة صحبه القدوة الحسنة، فقد قاموا بعزيمة لا تعرف الكلل، ونفسية لا تعرف الملل، حتى منّ الله عليهم بالنصر، ولكن كيف؟ هل كان فقط بالواجبات؟ وهل اقتصر عملهم على ما فُرض عليهم؟ لا والله. وهذا رسول الله يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ويصوم حتى يُظن أنه لا يفطر أبداً، ويتصدق وينفق صدقة وإنفاق من لا يخشى الفقر، وها هو يقول لزوجته: لا راحة بعد اليوم يا خديجة، وهو رسول الله، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو المؤمن الموقن أن الله ناصره، وأن الله مظهر دينه على الدين كله، لا يترك بيتاً أو مضرب خيام إلا ارتاده، مستهيناً بما يلاقيه من عَنَت القوم وقسوتهم واضطهادهم له ولمن آمن به في سبيل رضوان الله. وها هو يعود من الطائف دامي القدمين بعد أن أغروا به سفهاءهم، يتوجه إلى رب العزة فيقول: (أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تَكِلُني، إلى قريب يتجهمني، أم إلى عدو ملّكته أمري؟ إن لم يكن عليّ غضب فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى) صلى الله عليك يا رسول الله.
أما صحبه فلم يكن حمل الدعوة فرضاً عليهم ومع ذلك فقد بذلوا الغالي والنفيس في سبيل نشر فكرتهم وتحقيق هدفهم. ويكفيهم فخراً ثناء الله عليهم ورضاه عنهم ووصفه لهم في الكثير من الآيات، مبينا الأعمال أو بعض ما قاموا به من أعمال استحقوا بها هذا الثناء، فقال: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله...) وقال: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...) وقال: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون) وقال: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً...) وقال: (ويطعِمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله...)، ومع ذلك يذهب نفر منهم إلى بيوت النبي يسأل أزواجه عن عبادته، ولمّا أُخبروا فكأنهم تقالّوها، فقالوا إنه رسول الله وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: سأقوم الليل ولا أنام، وقال الثاني: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فسأعتزل النساء.
هؤلاء السابقون السابقون، أولئك المقرّبون، حملوا الدعوة غير مبالين بما يلاقوا من تشريد وتعذيب واضطهاد مع أنها ليست فرضاً عليهم، فكيف بكم وقد فرضها الله عليكم؟
فلتكن عبرة لنا كيف استحق هؤلاء النصر، وكيف بنوا النفوس على تحمل مشاق الدعوة، وترسيخ الفكرة في نفوسهم وفي المجتمع. هذا من حيث نفسياتنا وبناء نفوسنا على أساس هذه الفكرة.
أما من حيث إيجاد الفكرة في الناس والمجتمع، فإنها لا توجد مطلقاً إلا إذا قمنا على إيجادها. وذلك بالعيش مع الناس ونشر الفكرة بينهم ومناقشتهم ومحاولة إقناعهم ورعاية شؤونهم بها، حتى نجسّدها في نفوس الناس، ويلمسوها حقيقة بأيديهم. وهذا ما يؤدي بالتالي إلى إيجاد وعي عام عليها ثم رأي عليها، وبالتالي ستصبح عرفاً عاماً يتحكم في أفكار الناس ومشاعرهم، فإذا وُجدت بهذا الشكل كانت صمام الأمان لبقاء الإسلام في واقع الحياة، واستئناف الحياة الإسلامية في المجتمع، سواء أكان حزب التحرير في الوجود أم لم يكن. وأحبّ أن أذكّركم بشيء من هذا:
حين بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته كانت المقاومة عنيفة جداً لِما جاء به ولفكرة النبوة من حيث هي، ولكن حين أخذت الفكرة "فكرة النبوة" دور العراقة والتركيز، تحولت المقاومة إلى تبني الفكرة نفسها، فادعيت النبوة، فظهر سجاح وظهر مسيلمة وغيرهما.. هذا من حيث الفكرة وتقويتها في النفوس وإيجادها في الأمّة.
أما الحزب، فكلكم يستطيع أن يتصور جسامة الأمر وثقل العبء الذي ترزحون تحته، والدور الذي يلعبه الحزب، سواء قبل قيام الدولة أم بعدها. فكما قلنا إن الفكرة هي صمام الأمان في استمرار وجود الإسلام في واقع الحياة واستئناف الحياة الإسلامية. كذلك فإن الحزب صمام الأمان باستمرار بقاء الفكرة وبناء الدولة وحُسن تطبيق الفكرة ورعاية شؤون الناس. ولمّا كان الحزب بهذه المكانة وعلى هذه الأهمية، وأنتم شبابه، فهل هيأتم نفوسكم على تحمل هذا العبء؟ وهل شحذتم الهمم للقيام بهذه المسؤولية؟ وماذا عليكم أن تفعلوا لتنمية هذا الكيان وتقوية هذا التكتل؟ نعم إن قوة التكتل تأتي من قوة فكرته، ولكن الفكرة لا تسير لوحدها في الناس، فلا بد من أشخاص تتجسد فيهم هذه الفكرة حتى تصبح النَفَس الذي يتنفسونه والمنظار الذي ينظرون من خلاله، أشخاص مَلَكَت عليهم الدعوة والفكرة كل مشاعرهم واستحوذت على أفكارهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فلا بد من توفر العدد الكافي منهم للقيام بالأعمال المترتبة على هذا التكتل، سواء في مجال حمل الدعوة أو في مجال بناء الأمّة أو في مجال إقامة الدولة أو في مجال مراقبة التنفيذ عند استلام الحكم.
إن عددكم مهما بلغ لهو أقل بكثير مما تحتاجونه اليوم وبعد استلام الحكم. فمسألة تنمية الحزب وجلب دماء جديدة في عروقه مسألة هامة جداً، ومن البديهي أنها لا تتم بالدعاء والطاعات والتقرب إلى الله، وإن كان ذلك باعثاً للأمل وحافزاً على العمل، ولكنها تتطلب جهوداً مضنية ومركزة وهادفة، أي تتطلب منا تقصّد الكسب، والناس طيبون، وهم سندنا ورديفنا، فكما تقبّلوا فكرتنا وآراءنا السياسية، فيهم القابلية أن يتقبلوا فكرة العمل والانتظام في الحزب. ومن الخطأ أن يظن ظان أن لا خير في الأمّة وأنه لا فائدة، وأنه من المستحيل كسب شخص.
أما ملاحظة عدم الكسب، أو الضعف في الكسب، فمردّها إلينا لا إلى الناس ولا إلى قسوة الظروف، ولا إلى انشغال الناس بمصالحهم فسببها نحن.
لقد أجدنا إعطاء الرأي السياسي، وأبدعنا في المناقشات السياسية، واستطعنا أن نجعل الأمة تحمل رأينا، بل وتثق به، ولكننا ما زلنا نتعثر في موضوع الكسب بالرغم من كثرة إلحاح المسؤولين والطلب من الشباب أن يبذلوا جهدهم في هذا السبيل، كما يبذلونه في نشر الرأي السياسي. لذا فإنه يجب على كل شاب، حزبياً كان أم دارساً، أن يقوم بزيارات مقصودة، مستهدفاً فيها الكسب، والكسب فقط، لا أن يكون الحديث في الكسب عرضاً، أو بعد مناقشة سياسية حصل فيها قناعة. لا، بل يجب أن يكون العمل فقط للكسب أثناء هذه الزيارة. وليستعرض كل منكم ذاكرته، وليلقِ نظرة على معارفه، ويباشر العمل للكسب، بالإضافة إلى إضافة معارف جديدة يتقصدهم للكسب. فبالله عليكم ليراجع كل منكم نفسه، كم دارساً كسب خلال حياته الحزبية خلال السنين الماضية، أو العشر سنوات؟ كم مرة تقصّد الكسب خلال فترة معينة؟
فكل هذا الأمر لنفوسكم لتحاسبوها قبل أن يقول أحدكم متى نصر الله؟
لقد جعلتم من تأخر النصر وطول الطريق مثبّطاً لهمّتكم، وجعلتم من الانتظار -انتظار النصر- محطة انتظار أخلدتم فيها إلى الهدوء والراحة، وكأن الدولة عصا سحرية تستطيع تغيير المجتمع وبناء الأمّة بقراءة الفاتحة.
لا والله، إن الفكرة والحزب بحاجة لكل شهيق أو زفير يخرج من رئتكم. إن الفكرة والحزب بأمس الحاجة لكل كلمة تقولونها، وخصوصاً في مجال الكسب و إضافة دماء جديدة لتجري في شرايين الحزب والأمة.
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون واتقوا الله لعلكم تُرحمون)