بسم الله الرحمن الرحيم

كيفية تقدم الحزب لإفهام الأمة رأيه؟

مما يجب أن يكون مُلاحَظاً أن الحزب منذ أن بدأ في فترة محاولة المخاطبة وهو يتجنب الأعمال التي تجبره على التصدي لقيادة الأمة، ولم يكن ذلك واضحاً في أول المحاولة لعدم وضوح إحساس الأمة على الحزب، غير أنه منذ أن بدأ الحزب في الوضع النهائي لفترة المحاولة صار إحساس الأمة على الحزب واضحاً ولا سيما في الأمكنة التي تكثر فيها أجواء الحزب وينفّذ الحزب فيها أعماله، ومن هنا جاءت مطالبة الأمة الحزب بأعمال، وحصلت مطالبتها برأيه في المشاكل والأحداث ومطالبتها في بعض المناسبات بأن يتولى قيادتها. والحزب يدرك ذلك كله تمام الإدراك، ومن أجل ذلك صار يدرس كل ما يجدّ من أحداث وأفكار، ويعتمد أن يكون اتخاذه الإجراءات فيما يلزم اتخاذ إجراء له على وجه لا يؤدي إلى قيادة الأمة، وهو وإن كان يعمل بوصفه كلاّ وينتقل من دور إلى دور في أوانه بغض النظر عن الأمكنة والقوى، ولكنه يلاحظ تقرب الإحساس بوجود الدعوة في البلدان التي في مجاله، فيعمل لإيجاد هذا التقارب، كما يدرس القوى التي لديه في كل مكان عند القيام بالأعمال، فقد يدخل الانتخابات النيابية في بلد ولا يدخلها في بلد آخر. فالحزب يدرس مجاله كلاً وينفذ حسب قواه في الأمكنة ويسير مدركاً الوضع الذي هو فيه إدراكاً تاماً.

اااالأمكنة ويسير مدركا الوضع الذي هو فيه إدراكتبمس

555البتسيتن

وأعضاء الحزب يقفون أمام الأحداث والأفكار في هذا الوضع وجهاً لوجه لأنهم هم الذين يباشرون التحريك السياسي، ولمّا كانوا حديثي عهد بذلك فقد يحصل لديهم بعض الارتباك عند مواجهة الأحداث والأفكار، ولكنه ما يلبث أن يزول. فمثلاً قضية عدم اشتراك الحزب في المظاهرات والإضرابات والمؤتمرات هي من البداهة بمكان بارز. إلا أن ذلك لا يعني الوقوف من الأحداث التي تحصل من أجلها هذه المظاهرات والإضرابات والمؤتمرات موقف المتفرج، بل لا بد من أن يتقدم الحزب لإفهام الأمة رأيه في هذه الأحداث ورأيه في الأساليب التي اعتادت أن تعبّر بها عن سخطها وتذمرها، وعن الغاية التي يقصدها المحرضون على القيام بهذه الأساليب، ويكتفي بإثارة سخطها وتذمرها، ولا يقف في وجهها إذا عبّرت بتلك الأساليب عن سخطها على أمر من الأمور التي يقر الحزب السخط عليها. أما كيفية تقدم الحزب لإفهام الأمة رأيه فإنه يقع من أعضاء الحزب ومن اللجان المحلية ولجان الولايات ومن القيادة بحسب معرفة الرأي ومعرفة كيفية تطبيقه على الأحداث والأفكار، فهناك آراء معروفة وقد بينها الحزب في كتبه وبياناته ونشراته، وهناك كيفيات معروفة مبينة في التكتل ونقطة الانطلاق ونشرة التحريك السياسي، فلا ضرورة لأن تبيّنها القيادة، وعلى اللجان المحلية ولجان الولايات أن تراقب معرفة شباب الدعوة لها فتذكّرهم بها أو تبين لهم كيفية تطبيق التحريك السياسي عليها، أما إذا كانت جديدة لم يبين فيها رأي ولا كيفية تطبيق فإن لجنة القيادة تبينها وتبين الخطة في تنفيذها. فمثلاً المؤتمر المنوِيُّ عقده في عمان بتاريخ 22 جمادى الأولى سنة 1375هـ الموافق 6 من كانون الثاني 1956م قد نُشرت الغاية منه ونُشرت القرارات التي يراد منه اتخاذها، ويمكن للجنة الولاية أن تبين كيفية تطبيق التحريك السياسي على هذا المؤتمر وعلى آرائه، ولكن لا بالوقوف في وجهه ولا بالاشتراك فيه، بل بالصراع الفكري والتحريك السياسي حتى يقضي على أثره. وعلى سبيل المثال نبين الأسلوب الذي يمكن للجنة الولاية أن تتبعه في هذا المؤتمر ليُتَّبَع مثله على المؤتمرات وكل ما هو معروف رأي الحزب فيه، وهذا الأسلوب:

أ- يبدأ بحملة همس تتضمن الأفكار الآتية:

أولاً: أن المؤتمرات لا فائدة منها ولا قيمة لها، لأنها نتيجة لآراء متباينة ولأفكار خاطئة، ولأن دوافع القائمين بها مختلفة متباينة ينبغي كلّ أن يسخر المؤتمر لغاياته هو، ولأن القائمين عليها لا يستطيعون تنفيذ قراراتها، ولا يزيد عن أقوال تنشر في الصحف ولا مدلول لها لا في واقع الحياة ولا في أذهان الكثيرين ممن قرروها.

ثانياً: بيان خطأ الأفكار التي دعا المؤتمر إليها والآراء التي يروّج لها. فمثلاً مؤتمر عمان قد نشرت لجنته التحضيرية القرارات التي يعقدون المؤتمر من أجلها ومن هذه الأفكار:

1- رفض حلف بغداد وجميع الأحلاف الأجنبية والحيلولة دون جر الأردن إليها. وهذا خطأ في مفهومه صحيح في منطوقه والصواب هو رفض حلف بغداد والحلف السوري المصري والحلف المصري السعودي وجميع الأحلاف العسكرية سواء أكانت أجنبية أم غير أجنبية. وأما العمل فيجب أن يكون للحيلولة دون جر البلاد الإسلامية إليها لا فرق بين الأردن وسوريا والعراق وغيرها ولا يجوز أن يقتصر على الأردن.

2- عدم تدخل الجيش في السياسة:

وهذا معناه جعل الجيش منفصلاً عن الأمة مع أن الجيش جزء من الأمة ولذلك لا بد أن يتدخل بالسياسة ويرعى شؤون أمته.

3- عدم اشتراك الجيش بالانتخابات:

وهذا الكلام فيه نظرة غير صحيحة للجيش وهي تؤدي إلى حرمانهم حقهم بالانتخابات مع أنه حق لكل فرد من أفراد الأمة ولذلك يجب أن يشترك الجيش بالانتخابات كأي فرد من أفراد الأمة.

4- التعاون مع الدول العربية الشقيقة في العمل على تحرير البلاد من النفوذ الأجنبي. وهذا الكلام يعني تثبيت تجزئة البلاد الإسلامية وتركيز نفوذ تركيز الاستعمار لأن التعاون مع الدول إبقاء لكل دولة كما هي، ولأن الدول العربية نائبة عن الاستعمار في تنفيذ أغراضه وتطبيق أحكام الكفر، ولذلك كان واجب الأمة أن تعمل صفاً واحداً في كل مكان لتحرير البلاد من الكافر المستعمِر وطرده منها وقلع نفوذه وسيطرته قلعاً تاماً. وتستمر حملة الهمس هذه إلى أن يركز المفهوم وتأخذ أسلوب الصراع الفكري والتحريك السياسي.

ب- يبين للأمة أن مقصود الداعين للمؤتمر هو دعايات شخصية وانتخابية وهم ليسوا جادين في ما يقولون.

ج- تهيئ لجنة الولاية واللجان المحلية أشخاصاً معينين للاتصال بالقائمين على المؤتمر لمناقشتهم وإحداث صراع فكري معهم.

د- تعبّأ قوى الحزب في البلد الذي يُعقَد فيه المؤتمر لجعل الحملة قوية والاتصال بارزاً والكفاح السياسي بقسميه الصراع الفكري والتحريك السياسي متواصلاً.

هذا مثال من أمثلة الأساليب التي تتخذها اللجان المحلية ولجان الولايات لمواجهة الأحداث والأفكار التي تحصل وعدم الوقوف منها موقف المتفرج ويقاس عليها غيرها، وأما الأحداث والأفكار التي يحتاج الأمر إلى بيان الرأي فيها لتبني مصلحةٍ وكشف خطةٍ فإن القيادة تقوم بها وتعيّن الخطة التي تُتَّبع فيها.

-انتهى-