بسم الله الرحمن الرحيم

كيف تقوم الدولة الإسلامية

إن قوة الفكرة الإسلامية مقرونة بطريقتها، كافية لإقامة دولة إسلامية ولاستئناف الحياة الإسلامية، إذا غُرست هذه الفكرة في القلوب، وتغلغلت في النفوس، وتجسدت في المسلمين، فأصبحت إسلاماً حياً يعمل في الحياة. إلاّ أنه بالرغم من ذلك لا بد أن تتم أعمال عظيمة قبل قيام الدولة، وأن تُبذل جهود جبارة لاستئناف حياة إسلامية، ولذلك لا يكفي مجرد الرغبة والتفاؤل ليجعل هذه الدولة قائمة، ولا مجرد الحماس والأمل ليحقق استئناف الحياة الإسلامية. فكان من أوجب الواجبات أن تقدَّر العوائق الضخمة التي تقف في وجه الإسلام حق التقدير، للتمكن من إزالتها، وكان من ألزم الأشياء أن يُنبه المسلمون إلى ثقل التَبِعة التي تنتظر من ينهضون لهذه الغاية، وأن يُلفت نظر المفكرين بوجه خاص إلى المسؤولية الكبرى لكل رأي يعطى في مثل هذا الأمر الهام، حتى يكون القول والعمل سائراً في طريقه السوي بوعي وإرادة وحزم وإقدام، ولا بد أن يُعلم أن السائرين في طريق استئناف الحياة الإسلامية إنما ينحتون طريقهم في الصخر الأصمّ، ولكن معاولهم مرهِفة ضخمة كفيلة بتكسير صخوره، وأنهم يعالجون أمراً دقيقاً، ولكن رِفقهم كفيل بحسن معالجته. وأنهم يصطدمون بالأحداث الكبار، ولكنهم سيتغلبون عليها، ولا يحيدون عن طريقهم، لأنها الطريقة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلوكها سلوكاً صحيحاً يجعل النتائج قطعية لا ريب فيها، والنصر محققاً لا شك فيه. وهذه الطريق هي التي يجب أن يسلكها المسلمون اليوم سلوكاً دقيقاً، على أن يكون الاقتداء بالرسول دقيقاً، والسير صحيحاً حسب خطواته، حتى لا يتعثر السائر، لأن كل خطأ في القياس، وكل حيد عن الطريق، يسبب التعثر بالسير والعقم في العمل، ولهذا لم يكن قيام مؤتمرات للخلافة طريقاً لقيام الدولة الإسلامية، ولا السعي لاتحاد دول تحكم شعوباً إسلامية وسيلة للدولة الإسلامية، ولا عقد مؤتمرات للشعوب الإسلامية محققاً استئناف الحياة الإسلامية، ليس ذلك ومثله هو الطريق، وإنما هو أُلهِيات تتنفس فيها عواطف المسلمين، فتُفرغ مخزون حماسها وتقعد بعد ذلك عن العمل، فضلاً عن أنها تخالف طريق الإسلام. بل الطريق الوحيد لإقامة الدولة الإسلامية هو حمل الدعوة الإسلامية والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وذلك يقتضي أن تُتخذ البلاد الإسلامية وحدة واحدة، لأن المسلمين أمّة واحدة، إذ هي مجموعة إنسانية تجمعها عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها. ولذلك كان حدوث أي عمل في أي قطر إسلامي يؤثر في باقي الأقطار ويثير فيها المشاعر والأفكار، فكان لا بد أن تُتخذ كافة البلاد الإسلامية بلداً واحداً وتُحمل الدعوة لها جميعها، حتى تؤثر في مجتمعها. وذلك لأن المجتمع الواحد الذي يشكل أمة يكون كالماء في القدر فإنك إذا وضعت تحته ناراً سخن الماء ثم وصل إلى درجة الغليان، ثم تحول هذا الغليان إلى بخار يَدفع، ويُحدث الحركة والاندفاع، وكذلك المجتمع يوضع فيه المبدأ الإسلامي، فتُحدِث حرارته فيه سخونة، ثم غلياناً، ثم يتحول هذا الغليان إلى ما يدفع المجتمع إلى الحركة والعمل، ولهذا كان لا بد من أن تُبعث الدعوة إلى العالم الاسلامي، ليُعمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وذلك بالكتب والرسائل والاتصالات وكافة وسائل الدعوة، ولا سيما الاتصالات، لأنها أنجح طرق الدعوة، إلاّ أن بعث الدعوة بهذا الشكل المفتوح إنما هو للوقود في المجتمع، حتى يتحول هذا الجمود الذي فيه إلى حرارة، ولا يمكن أن يتحول إلى غليان ثم إلى حركة إلاّ إذا كانت الدعوة العملية في توجيهها السياسي محصورة العمل في إقليم أو أقاليم يبدأ منها العمل، ثم تنطلق منها الدعوة إلى باقي أجزاء العالم الاسلامي، ثم يُتخذ هذا الإقليم أو عدة أقاليم نقطة ارتكاز تقوم فيها الدولة الإسلامية، ويبدأ منها النمو في تكوين الدولة الإسلامية الكبرى، التي تحمل رسالة الإسلام للعالم، وهذا كما فعل صلى الله عليه وسلم، فإنه بلّغ دعوته للناس كافة. وكانت خطوات التبليغ تسير في الطريق العملي. فقد دعا أهل مكة ودعا العرب جميعاً في موسم الحج، فكانت دعوته تنتشر في جميع أنحاء الجزيرة وكأنه كان يوقِد تحت المجتمع في الجزيرة العربية وقوداً يبعث الحرارة في كافة العرب، وكان الإسلام يُدعى إليه العرب من قِبل الرسول صلى الله عليه وسلم بالاتصال بهم ودعوتهم في موسم الحج، وفي الذهاب إلى القبائل في منازلها ودعوتهم للإسلام، كما أن الدعوة كانت تصل إلى سائر العرب بالاحتكاك الذي كان بين الرسول وبين قريش حيث كانت أصداء هذا التصادم تملأ أسماع العرب وتثير فيهم حب الاستطلاع والتساؤل، إلاّ أنه مع إرسال الدعوة إلى العرب، كان مجال الدعوة محصوراً في مكة، ثم امتد إلى المدينة حيث تكونت الدولة الإسلامية في الحجاز. وحينئذ كانت حرارة الدعوة، وانتصار الرسول، قد أحدثا في العرب الغليان ثم الحركة فآمنوا جميعاً، حتى شملت دولة الإسلام جميع جزيرة العرب وحُملت رسالته للعالم. ولهذا كان لزاماً علينا أن نتخذ حمل الدعوة الإسلامية والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية طريقة لإقامة الدولة الإسلامية، وكان لزاماً علينا أن نتخذ كافة البلاد الإسلامية مجتمعاً واحداً وهدفاً للدعوة. إلاّ أنه يجب أن نحصر مجال العمل في إقليم أو أقاليم نقوم فيها بتثقيف الناس بالإسلام حتى يحيا فيهم ويحيوا به ومن أجله، ونقوم فيها بإيجاد الوعي العام به والرأي العام له، حتى يحصل التجاوب بين حَمَلة الدعوة والمجتمع تجاوباً منتجاً فعالاً مؤثراً في تحويل الدعوة إلى تفاعل وإنتاج، هذا التفاعل حركة كفاح تستهدف إيجاد الدولة الإسلامية المنبثقة عن الأمّة في هذا الإقليم أو تلك الأقاليم. وحينئذ تكون الدعوة قد سارت من فكرة في الذهن إلى وجود في المجتمع، ومن حركة شعبية إلى دولة. فتكون قد اجتازت أدوارها فانتقلت من نقطة ابتداء إلى نقطة انطلاق، ثم إلى نقطة ارتكاز تتمركز في الدولة المستكملة عناصر الدولة وقوة الدعوة. وحينئذ يبدأ الدور العملي الذي يوجبه الشرع على هذه الدولة ويوجبه الشرع على المسلمين الذين يعيشون في أقاليم لا يشملها سلطان هذه الدولة. أمّا واجب هذه الدولة فهو الحكم بما أنزل الله حكماً كاملاً، ثم جعل توحيد باقي الأقاليم معها أو توحيدها مع باقي الأقاليم جزءاً من السياسة الداخلية، فتباشر في حمل الدعوة والدعاية لاستئناف الحياة الإسلامية في كافة الأقاليم الإسلامية، ولا سيما الأقاليم المجاورة لها، ثم ترفع الحدود السياسية الوهمية التي خططها الاستعمار بينها وجَعل حكام البلاد التابعين لها حراساً على هذه الحدود السياسية. ولذلك كان لزاماً على هذه الدولة أن تلغي هذه الحدود حتى ولو لم يلغها الإقليم المجاور. فتلغى تأشيرات المرور، ومراكز ضرائب (الجمارك) وتفتح أبوابها لسكان الأقاليم الإسلامية، وبهذا تجعل جميع الذين يسكنون في الأقاليم الإسلامية يشعرون بأن هذه الدولة إسلامية، ويرون بأنفسهم تطبيق الإسلام وتنفيذه. أمّا واجب المسلمين فهو أن يعملوا لأن تصبح دارهم التي لا يطبَّق فيها الإسلام، والتي تعتبر دار كفر، دار إسلام بالعمل على دمجها في الدولة الإسلامية بالدعوة والدعاية، وبهذا يصبح المجتمع في العالم الإسلامي في كافة أقاليمه في حالة غليان تدفعه إلى الحركة الصحيحة التي بها يتحد المسلمون جميعهم في دولة واحدة، وبذلك توجَد الدولة الإسلامية الكبرى، وبهذا تتكون الدولة الإسلامية التي تمثل قيادة فكرية عالمية، ويكون لها خطرها ومركزها الذي يمكّنها من حمل دعوتها، ومن العمل على إنقاذ العالم من الشرور.

وإذا كانت الأمّة الإسلامية قديماً في بلاد لا تعدو جزيرة العرب ولا يزيد عددها على بضعة ملايين ومع ذلك فإنها حين اعتنقت الإسلام وحملت الدعوة شكّلت قوة عالية أمام المعسكريْن اللذين كانا قائميْن حينئذ وضربتهما معاً واستولت على بلادهما ونشرت الإسلام في أكثر أجزاء المعمورة في ذلك الوقت، فما بالنا في الأمّة الإسلامية اليوم وهي زهاء أربعمائة مليون تقع في بلاد متصلة ببعضها تكوّن بلداً واحداً، وهي من مراكش إلى الهند وإندونيسيا، وهي تحتل بقعة من أحسن بقاع الأرض ثروة ومركزاً وتحمل مبدأ هو وحدة المبدأ الصحيح، فإنها ولا ريب تشكل جبهة أقوى من المعسكريْن الحاليين في كل شيء، ولهذا كان واجب كل مسلم أن يعمل منذ الآن لإيجاد الدولة الإسلامية الكبرى التي تحمل رسالة الإسلام للعالم، وأن يبدأ عمله هذا بحمل الدعوة الإسلامية والعمل لاستئناف حياة إسلامية في جميع البلاد الإسلامية، حاصراً مجاله العملي في إقليم أو عدة أقاليم، لتكون نقطة ارتكاز، حتى يبدأ العمل الجدي. ومثل هذه الغاية العظيمة التي يجب أن يهدف إليها المسلم، سالكاً هذا الطريق العملي الواضح الذي يجب أن يُسلك، جدير به أن يتحمل في سبيلها كل مشقة، وأن يبذل لها كل جهد، وأن يسير متوكلاً على الله، غير طالب أي جزاء على ذلك سوى نوال رضوان الله سبحانه وتعالى.


من كتاب دولة الإسلامية