بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب إلى الشباب

الإخوة الأعزاء:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

لقد أثارت نشرة "إنكار المنكر فرض، واستعمال القوة المادية لإزالته منوط بالاستطاعة" كثيراً من التساؤلات والاستفسارات، بل والانتقادات التي وصل بعضها إلى وصم الحزب بالانحراف، وبعضها الآخر إلى اعتبار أن ما ورد في النشرة هو تغيير جذري لسير الحزب وطريقته في العمل، مع التساؤل هل أن الحزب تخلى عن طريقة سيره، وتبنى طريقة جديدة في السير؟ إلى غير ذلك من الاستفسارات والتساؤلات والانتقادات.

ولم تكن هذه الاستفسارات والتساؤلات والانتقادات آتية من شخص واحد، أو من مكان واحد، بل كانت من عدة أشخاص ومن عدة أماكن.

ونصدُقُكم القول أيها الإخوة الأعزة أن هذه الاستفسارات والتساؤلات والانتقادات كانت برداً وسلاماً أثلجت الصدر، وأدخلت السرور على النفس، والطمأنينة إلى القلب، لأنها أكدت الالتزام بوحدة الفكر ووحدة الكيان، وأثبتت مدى ما يتمتع به الشباب من الصدق والإخلاص والحرص الشديد على الحزب، وعلى وجوب التقيد من الجميع، شباباً وقيادة، بالفكر الذي آمنّا به وتبنّيناه وتكتّلنا على أساسه والذي استنبطناه من كتاب الله ومن سنّة رسوله ومما أرشدا إليه، وأن أي تغيير أو تبديل لا بد من أن يكون مستنداً إلى الأدلة الشرعية، وإلا فهو رَدّ. وهذا من فضل الله علينا وعلى الناس. وهذا الذي يحفظ وحدة الفكر ووحدة الكيان، والحافظ لنا من الزلل والانحراف.

والآن أيها الإخوة الأعزة نعود إلى موضوع النشرة، والدافع إليها، والقصد منها، وبيان أنها لا تتناقض مع ما نتبناه، وأنها لم يُقصد بها تغيير أو تبديل.

فالدافع على النشرة سؤال من بعض الشباب الذين أجروا مناقشات مع بعض الجماعات الإسلامية المخلصة، طلبوا فيه توضيحاً عن حكم استعمال القوة المادية لإزالة المنكر، فأرسل لهم جواب ميّز فيه بين العمل لاستئناف الحياة الإسلامية وإقامة الخلافة، وبين عمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووضح لهم أن العمل لاستئناف الحياة الإسلامية وإقامة الخلافة لا بد أن تلتزم فيه الكتلة بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في سيره في مكة إلى أن أقام الدولة في المدينة، أي أن تلتزم بالمراحل الثلاث كما سار بها الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم بيّن لهم موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحكم استعمال القوة المادية لإزالته، ومن ثم ارتؤي إنزال موضوع حكم إنكار المنكر للشباب وللناس.

وكان القصد من إجابة الشباب السائلين ومِن بعدهم لسائر الشباب والناس بيان أن ما تقوم به الجماعات الإسلامية من استعمال القوة المادية على الشكل الذي تقوم به وتتبناه هو عمل مناقض لما يدل عليه مناط الأحاديث المتعلقة بوجوب إنكار المنكر باليد، ومناط الأحاديث الموجِبة الخروج على الحاكم عند ظهور الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان، ولكي يعاود الشباب مناقشة هذه الجماعات الإسلامية لمحاولة إقناعهم وكسبهم. هذا فضلاً عن دفع الأمّة لتقوم بواجبها من إزالة أحكام الكفر وإعادة الحكم بما أنزل الله. ولم يعد القصد غير هذه الأمور ولا بحال من الأحوال. لذلك لم يكن القصد هو التخلي عن طريقة الحزب المتبناة وتبني طريقة جديدة للسير، ولم يخطر ذلك على البال مجرد خاطر لا من قريب ولا من بعيد.

أما عدم تناقض ما ورد في النشرة مع ما هو متبنى، فهذا بيانه:

1- لمّا تعرضت النشرة للمنكر الذي يصدر من الأفراد، ذكرت أن الذي يقوم بإزالته باليد هو الدولة والأفراد، ولم تعرض لذكر التكتلات باعتبار أن التكتلات ليس من عملها إزالة المنكر الصادر عن الأفراد باليد.

وعندما تعرضت لذكر تغيير الأفراد للمنكر باليد نصّت على منكرات بأعيانها، وهي من المنكرات التي ليست مباحة في قوانين الدولة، فالسرقة والزنا وقتل النفس ليس مسموحاً بها في بلاد المسلمين، لذلك فإنه يجب على كل فرد مسلم يرى شخصاً يريد سرقة محل في الليل، أو يرى شخصاً يجر امرأة ليزني بها، أو يجر شخصاً ليقتله، عليه شرعاً إن كان قادراً على منع هذه المنكرات بيده أن يقوم بمنعها، فإن لم يقم بمنعها يكون آثماً عند الله، لأنه لم يقم بواجب أوجبه الله عليه.

أما المنكرات التي تبيحها قوانين الدولة كالبنوك والمراقص وإباحة الملابس غير الشرعية للنساء في الحياة العامة، فأمثال هذه المنكرات تكون منكرات الحاكم، وإن صدرت من أفراد، لأنها تمارَس وفق قانون الحاكم ونظامه الذي يطبقه، لذلك تكون إزالتها بإزالة النظام الذي يبيحها، وليست بتحطيم البنك، ولا بهدم المرقص، ولا بمنع المرأة التي لا تلبس اللباس الشرعي من الخروج إلى الحياة العامة من قِبل الأفراد.

وسبق أن صدر جواب سؤال غير مؤرخ أيام المرحوم يبين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فرض عين على كل مسلم وليس فرض كفاية، وهذا هو نصه "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على كل مسلم، وليس فرض كفاية، لأن المراد بالمعروف من حيث هو، والمنكر من حيث هو، لا معروف معين ولا منكر معين، وهذا إذا أُدرِك واقعه لا يتأتى فيه وجود الكفاية في القيام به، لأنه يقع في كل مكان، ويتجدد في كل وقت، ولأن الأحاديث جاءت تبين الإثم على الفرد التارك، قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، انظر قوله: (من رأى منكم) فإنه يوجِب على الرائي، ويقول: (منكم) ولم يقل "إذا رأيتم". والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أمر ونهى شخصاً ولم ينته يحرُم عليه أن يؤاكله أو يشاربه أو يجالسه ما دام لم ينته عن المنكر، بخلاف حامل الدعوة فإنه إذا دعا الكافر ولم يستجب فإنه يحلّ له أن يظل يؤاكله ويشاربه ويجالسه، وكذلك العامل لاستئناف الحياة الإسلامية إذا طَلب من أحد المسلمين العمل لاستئناف الحياة الإسلامية ولم يعمل باعتباره فرض كفاية فإنه يحل له أن يؤاكله ويشاربه ويجالسه. إلا أن من جملة العمل لاستئناف الحياة الإسلامية أعمال من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتأخذ حكمها، وذلك كالأخذ على يد الظالم حتى يترك ظلمه، فإنه فرض عين، إلا أن العمل لاستئناف الحياة الإسلامية من حيث هو فرض كفاية، وإن كان بعض أعماله فرض عين، وحمل الدعوة فرض كفاية".

2- وعندما تعرضت النشرة للمنكر الذي يحصل من الحاكم كان النص الوارد في الفقرات الثلاث، الذي يبتدئ من قوله: "وهذا كله في المنكر الذي يحصل من أفراد أو جماعات، أما المنكر الذي يحصل من الحاكم..." إلى أول الفقرة الرابعة التي تبتدئ بقوله: "ووجوب الخروج عليه منوط بالقدرة" متطابقاً مع النص الوارد في الدوسية في بحث "الطاعة فرض على المسلمين للحاكم ولو ظلم" صفحة 65-70 مثل النص الوارد في صفحة 68 سطر 22 "فالأحاديث يدل مفهومها على الأمر بمنابذة الحاكم ومقاتلته ومنازعته الولاية إذا حصلت هذه الحالة، ودلالة المفهوم كدلالة المنطوق سواء بسواء، من حيث الحجة، فتكون دليلاً على أن الشارع طلب منابذة الحكام ومقاتلتهم ومنازعتهم الولاية إذا ظهر الكفر البواح".

أما الفقرة الأخيرة في النشرة التي أوجدت اللبس، والتي تبتدئ بقوله: "والأمة بمجموعها إذا وحّدت إرادتها... الخ" لو حصل التمعن في نصها لما وُجد أي لبس. فعندما نصّ فيها على التكتلات جاء النص محصوراً بوجوب قيامها إذا ملكت القدرة في ثلاث حالات: الأولى: أن يكون لها قوة كبيرة مؤثرة في الجيش، الثانية: أن يكون لها قوة كبيرة مؤثرة في القبائل الكبيرة، الثالثة: أن يكون لها قوة كبيرة مؤثرة في الأمّة. وهذه الحالات الثلاث لا تتأتى لأي تكتل إلا بالكفاح السياسي الذي يوصله إلى ذلك، وبالنسبة لنا لا يتأتى ذلك إلا بقطع المراحل الثلاث بما فيها النصرة، لأن إيجاد القوة الكبيرة المؤثرة في الجيش والقبائل الكبيرة لا يتأتى إلا عن طريق النصرة، وإيجاد ذلك في الأمّة لا يتأتى إلا بالكفاح السياسي الطويل.

أما بالنسبة للأمّة والقبائل الكبيرة فإن تحركها منوط بأن يكون لديها الوعي العام والرأي العام بوجوب قيامها للقضاء على أحكام الكفر وإعادة الحكم بما أنزل الله، وهذا لا يتأتى لها إلا بقيادة تكتل سياسي يقوم بالكفاح السياسي وبالأعمال السياسية. وبهذا البيان يُرى أنه لا يوجد أي تناقض بين ما ورد في النشرة وبين ما هو متبنى.

على أن الواقع العملي بالنسبة للحزب منذ سنة 1965 حتى هذه الساعة أنه يعمل على تجميع القوى المادية عن طريق أهل النصرة لتغيير أحكام الكفر وإعادة الحكم بما أنزل الله من الداخل وليس من الخارج، بالرغم من اعتباره أن الدار في جميع البلاد الإسلامية دار كفر لا دار إسلام. وكأن هذا الواقع العملي الذي قام به الحزب بعدة محاولات، قد غاب عن الذهن عندما حصلت التساؤلات والاستفسارات والانتقادات.

أما بالنسبة لوجوب إعداد القوة المادية القادرة على إزالة حكم الكفر وإعادة الحكم بما أنزل الله فإنه يكون بالنسبة لنا عن طريق أعمال النصرة كما تبنينا ذلك اتباعاً لطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيره، وليس بالتسلح والتدريب للحزب وشبابه.

هذا ما أردنا أن نبينه لكم أيها الإخوة الأعزة في كتابنا هذا، جواباً على تساؤلاتكم واستفساراتكم وانتقاداتكم، ومنه يُدرَك أنه لا يوجد أي تناقض مع المتبنى، ولا يوجد تخلّ عن طريقة السير المتبناة، وبالتالي لا يوجد تبنٍّ جديد لطريقة سير جديدة.

والله نسأل أن يمدنا بعون من عنده، وأن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى أرشد أمرنا، وأن يحفظنا من الزيغ والانحراف، وأن يثبتنا على دينه وحمل دعوته إلى يوم أن نلقاه, وأن لا يضيّع لنا عملاً وأن لا يخيّب لنا رجاءً ولا أملاً، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه، وأن يعجّل لنا بالفرج، وأن يكرمنا في القريب العاجل بنصر عزيز مؤزر من عنده، يمكّننا من إقامة الخلافة الإسلامية ورفع الراية الإسلامية وإعادة الحكم بما أنزل الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخوكم

25 من محرم 1410هـ

26/8/1989م