بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب إلى الشباب
حين كان الحزب في الدور الثقافي وبرز للناس ما تحويه ثقافته من فكر وعمق ونضج وطموح للإسلام كنظام معالِج لوقائع الحياة، أقبل كثير من الناس، بمن فيهم المثقفون، على الدراسة في الحزب والسير معه بعد الاقتناع بأفكاره، وكان الإقبال على الدراسة مع الحزب كبيراً، وكان الحماس والاندفاع بارزين، واستمر الحال حتى حصلت المجابهة مع السلطة، وأخذت السلطات في البلاد التي يعمل فيها الحزب بملاحقة الحزب وشبابه، والتعرض لهم بالإيذاء في أنفسهم وأموالهم ووسائل رزقهم، مما أوجد عند بعض الشباب انكماشاً، بل تركاً للحزب وهروباً منه خوفاً من أذى السلطة وحفاظاً على المصالح، ومحافظة على وسائل الرزق. إلا أن الحيوية والاندفاع كانا قويين، لأن الاضطهاد والمقاومة كما توجِد عند البعض الخوف والهروب، توجِد عند البعض الآخر القوة والعزيمة وشدة الاندفاع، فتكون المقاومة والاضطهاد باعثَ قوة وحيوية. غير أنه لما برز جمال عبدالناصر واستقطب الناس وأصبح أملهم المرجي، انقلب الناس على الحزب، وأخذوا يقاومونه ويقفون في طريقه، ويعتدون على شبابه لأنه تصدى لأملهم عبدالناصر كاشفاً لزيفه وعمالته، وفاضحاً لخططه وتآمره، مما حدا بالناس أن يشتدوا على الحزب، فأصبح الحزب بين نارين: نار الملاحقة والاضطهاد الوحشي من الحكومات، ونار المقاومة من الأمّة، حتى أضحى الحزب في وضع صعب جداً، وكان همّه عندئذ أن يجدّف بكل ما أوتي من قوة ليبقى واقفاً في مكانه على الأقل حتى لا يجرفه التيار معه إلى الخلف، وكان هذا الوضع من أدق الأوضاع وأخطرها على الحزب وحياته، لأن الشك في الحزب بدأ يتسرب إلى بعض شبابه. فقد تسرب الشك إلى آرائه السياسية، فأصبحت موضع شك عند بعض الشباب، ولم يقتصر الأمر على الشك في الآراء السياسية بل تعداها إلى الشك في آرائه الفكرية من شدة قوة التيار الجارف الذي اكتسح كل شيء أمامه. وبقي الحال إلى ما بعد انفصال الوحدة بين مصر وسورية، فهبطت الموجة وأخذ الحزب يسترد أنفاسه، بعد أن بدأ الناس يَعُون على عبدالناصر، حتى جاءت حرب 67، فتهاوى الأمل وانخذل عبدالناصر وفَقَد تلك المكانة التي لم يصلها أي زعيم آخر من قبل. وصحا الناس من سكرتهم وأخذوا يدركون ما كان يقوله الحزب لهم. فتحولت النقمة التي كانت على الحزب إلى إكبار له ولآرائه وأفكاره، فثقل وزنه وارتفعت مكانته، وتجددت الثقة به، فاستعاد الشباب عافيتهم. غير أن الملاحقات من السلطات قد ازدادت، ومحاربة الشباب في أرزاقهم توسعت، مما أثر بعض التأثير. وكان الحزب قد بدأ بأعمال طلب النصرة وبدأ يتصل بأهل النصرة طالباً منهم أن ينصروه، حتى حصلت المحاولة الأولى، وكان لها وقع عظيم، إذ أبرزت الحزب بأنه حزب جاد، وأنه قاصد حقاً أن يقيم الخلافة، وأنه يسلك للوصول إلى ذلك الطرق التي توصله إلى استلام السلطة، فتفتحت عليه العيون والآذان من الحكومات ومن الدول في الداخل والخارج، وصار شبحه مرعباً للحكومات والدول في الداخل والخارج، وصار يُتحسّب منه ومن قفزه واستلامه الحكم والسلطة. وعلى صعيد الناس فإنهم كذلك أدركوا جديته وأنه ليس حزب منشورات ولا أقوال، بل حزب يهدف حقيقة للوصول إلى السلطة لإقامة الخلافة لتطبيق أحكام الإسلام، فازداد ثقله عندهم، وعظم تقديره في نظرهم. وكذلك الشباب، فقد جعلتهم المحاولة الأولى -ولو أنها أخفقت ولم تنجح- يشعرون حقيقة بأنهم أصبحوا حزباً حقيقياً يستهدف الحكم لتطبيق فكرته، وشعروا بالحيوية والقوة، وشعروا بقيمتهم الذاتية، وازدادت ثقتهم بأنفسهم وبحزبهم، وأصبحوا يدركون أنهم إن أخفقوا اليوم فسينجحون غداً. وجاءت المحاولة الثانية فكانت مؤكِّدة على تصميم الحزب وجديته في الوصول إلى الحكم، غير أنها أوجدت عند الناس، وحتى عند الشباب، شيئاً من عدم الارتياح، بل وشيئاً من النقد للحزب بأنه لا يُحسن تدبير أمره وإحكام خطته، وأنه سهلٌ أن يُكشف سره، بل وأن يُحبط عمله، فأوجد ذلك أسى في نفوس الشباب مع إدراكهم للتصميم الجازم على الاستمرار في المحاولات حتى يتم الوصول. غير أن تكرار الإخفاق يوجِد في النفس إحساساً عميقاً بالأسى. وبدأ عند الشباب إحساس بالتساؤلات والمحاسبة على تكرار الفشل، وبدأ عقل الشباب بالتحليل والتساؤل والتفكير، مما سرّب إلى بعض النفوس شيئاً ولو يسيراً من بعض فقدان الثقة بالنفس، كما سرّب شيئاً يسيراً إلى بعض النفوس من فقدان الأمل بالوصول. غير أن ذلك لم يَحُل دون استمرار الشاب على ثقتهم وقوتهم وترقبهم الدائم بأن يفاجَأوا في يوم من الأيام بالإعلان عن قيام الخلافة، خاصة وقد تكرر إعطاء إشعار بأن شيئاً ما قد يحصل ليكون الشباب على أهبة الاستعداد مرات عديدة، مما جعلهم مشدودي الأعصاب لفترات من الزمن امتدت في بعض الأحيان لعدة أشهر، وهم مشدودون بكل جوارحهم يترقبون وينتظرون، وصار أمراً طبيعياً أن يستيقظ الواحد منهم فأوّل ما يبدأ به قبل أن يذهب للوضوء والصلاة أن يفتح الراديو ويحرك مؤشره على عدة محطات علّه يسمع شيئاً.
وقد تكرر ذلك عدة مرات مما جعل الشباب مشدودي الأعصاب، وكأنه ليس لهم همّ إلا الترقب والانتظار مما أضعف قيام الشباب بعملهم الأصلي والدائم من حمل الدعوة إلى الناس ومحاولة كسبهم لجسم الحزب وإيجاد رأي عام بين الناس للحزب وأفكاره لقيادتهم، على أمل أن الخلافة غداً ستقوم، وأن العمل المنتِج هو طلب النصرة، لأنها هي وحدها التي تؤدي إلى إقامة الخلافة، وأما العمل بين الناس فليس هو الذي يؤدي إلى إقامة الخلافة، مما أوجد عند الشباب الكسل والتقاعس، اعتماداً على ما يقوم به الحزب من أعمال النصرة واعتماداً على أن الخلافة إن لم تقم اليوم فستقوم غداً. وأخذ الزمن يمر وطالت المدة، فلا الخلافة قامت ولا الأمّة تحركت، بل ران على الأمّة القنوط واليأس، وفقدت الأمل في كل شيء، وفقدت الثقة في كل واحد بعدما وضعوها في ظروف معينة مقصودة ليوصلوها إلى درجة بحيث تفقد أملها وثقتها وتصل إلى حالة من اليأس والاستسلام، ليسهل التحكم فيها وتمرير كل ما يريدون عليها دون أن تحرك ساكناً بعد أن يتبلد إحساسها وبعد أن تفقد كل أمل وحيوية. كل ذلك أثر على الشباب، فهم من ناحية يترقبون قيام الخلافة، وقد طال انتظارهم فصاروا كأنهم يرون أن القيام بطلب النصرة من الحزب يكفيهم عن القيام ببقية الأعمال الحزبية، ومن ناحية ثانية يشاهدون ما غلب على الأمّة من الجمود وعدم المبالاة والقنوط الذي يكاد أن يصل إلى درجة اليأس والاستسلام وفقدان الثقة والأمل من كل إنسان حتى أنهم مهما حاولوا أن يحركوها فإنها لا تستجيب ولا تتحرك. كل ذلك أوجد فتوراً في نفوس الشباب وأدخل الملل والكسل عليهم خاصة وقد طالت عليهم المدة ولم يتحقق قيام الخلافة ولا يلمسون بأيديهم قرب قيامها، حتى بدأ يتسرب إلى بعض النفوس فقدان شيء من الأمل من إمكانية إقامة الخلافة.
هذا وصف موجز لواقع قد مرّ علينا وواقع نعيش فيه. وهنا نريد أن نعرض لماهية عملنا وما ينبغي أن يكون عليه فإن عملنا هو حمل الدعوة ليس لمجرد العمل، ولا لمجرد حمل الدعوة حتى يقال يجب أن يستمر على العمل قياماً بالواجب، وهو مجرد العمل ومجرد حمل الدعوة، سواء أثمر العمل وحمل الدعوة أم لم يثمر. لا، ليس ذلك كذلك، بل إن العمل وحمل الدعوة واجب لتحقيق غرض معين، وهو استئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم عن طريق إقامة الخلافة، وليس لمجرد إقامة الخلافة. فليس قيام الخلافة هو نهاية المطاف، ولذلك فإن ما يجري على ألسنة بعض الشباب من قول إن المهم إنما هو قيام الخلافة، وأن إقامتها لا تتأتى إلا عن طريق أهل النصرة، لذلك يجب أن ينصبّ العمل كله على الاتصال بأهل النصرة حتى تقوم الخلافة. هذا الكلام غير صحيح، لأن إقامة الخلافة ليست هي الغاية، وإنما هي طريقة لتطبيق الإسلام حتى يعيش الناس حياة إسلامية، وحتى تتبلور أذواقهم على الحضارة الإسلامية، وحتى يُحمل الإسلام رسالة هدى ونور إلى العالم أجمع. ولذلك فإن العمل ليس لمجرد إقامة الخلافة حتى يقال يجب أن ينصبّ الجهد الآن لإيجاد أهل النصرة، وإنما العمل لإقامة الخلافة لتطبيق أحكام الإسلام وحمل الإسلام.
ونحن نعلم أن تطبيق أحكام الإسلام سيتصادم مع كثير من مصالح الناس الآنية، ويتصادم مع ما أوجده الكافر في أعماقهم من أفكار. ولذلك إنْ لم يؤمنوا بالإسلام كما نؤمن ويصدّقوا به كما نصدّق، ويدركوه كما ندركه، ويستعدوا للرضوخ له وحمايته كما نستعد، سيلقى تطبيق الإسلام صعوبة عند الناس. ولنضرب مثلاً بسيطاً:
إن أبسط الأمور وأوضح الأحكام أن الحكم الشرعي يوجب قتل المرتد، فالرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم يقول: (مَن بدّل دينه فاقتلوه) ويقول: (لا يحِل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، والنفس بالنفس). هذا الحكم وحده سيطال عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من المسلمين الذين يحملون أفكاراً شيوعية أو قومية أو غيرها من الأفكار، وكلهم ينطبق عليهم الحديث، فإن لم يكن يؤمن الناس به كما نؤمن، ويصدّق الناس به كما نصدّق، فكيف سيكون موقفهم من دولة الخلافة عند قيامها بتطبيقه على من بدّل دينه من أبناء المسلمين، وعلى من حمل أفكاراً تجعله مرتداً؟ فإن لم يكونوا مؤمنين ومصدّقين ومدركين لأحكام الإسلام فإنهم سيقفون في وجهها ويعتبِرون عملها إنما هو ظلم وطغيان يجب أن يقاوَم، وهناك آلاف الأحكام من هذه الأنماط، فإن الأمّة إذا لم تكن مدركة ومؤمنة ومصدّقة بالإسلام وأحكامه كما نؤمن وندرك ونصدّق فإنها ستقف أمام دولة الخلافة، بدلاً من أن تكون حامية لدولة الخلافة، وشادّة أزرها في تطبيق أحكام الإسلام، فإنها ستكون أداة هدم لدولة الخلافة وفيها قابلية التآمر عليها والإطاحة بها.
هذا من ناحية التطبيق لأحكام الإسلام في الداخل. ومن ناحية أخرى فإن دولة الخلافة ستعمل أولاً على ضم بقية بلاد المسلمين، وستحاول أن تتخذ الأعمال السياسية للضم، كما ستحاول الضم عن طريق الحزب الموجود في جميع المناطق وعن طريق إثارة المسلمين ليرغِموا حكامهم للانضمام لدولة الخلافة.
لكن إن لم توجد هذه الأعمال السياسية لإرغام الحكام على المبايعة والانضمام لدولة الخلافة، فلا بد من الرجوع إلى الحسم بالأعمال المادية العسكرية، وهذا يقتضي أن تسوق دولة الخلافة المسلمين لمحاربة البلد الذي يتخلف عن البيعة والانضمام إلى دولة الخلافة، بعد أن تكون قد استنفدت معه كافة الأساليب السياسية والحزبية وإثارة المسلمين، أي أن تسوق المسلمين لمحاربة المسلمين، فإذا كانت الأمّة غير مدركة وغير مصدقة لواقع الأحكام الشرعية كما ندركها ونصدق بها، فكيف ستنساق مع دولة الخلافة لمحاربة المسلمين؟ أي كيف يتأتى لها أن تسوق الناس لمحاربة أهلهم وعشيرتهم إن لم يكن إيمانهم بالإسلام وبوجوب تطبيق أحكامه، مهما ترتب على ذلك التطبيق من نتائج، كإيماننا وكإيمان الصحابة بالإسلام وبوجوب تطبيق أحكامه؟
ثم إن دولة الخلافة من أول واجباتها بعد تطبيق الإسلام في الداخل حمله للعالم في الخارج بالجهاد، وهذا يقتضي إعلان الحرب على الأسود والأحمر من الناس، أي أن دولة الخلافة ستحوّل الناس إلى مجاهدين يكونون دائماً تحت السلاح، حتى يعم الإسلام الأرض كلها. فإذا لم تكن الأمّة مؤمنة بالإسلام ووجوب حمله إلى الناس كافة بالجهاد كإيماننا به وكإيمان الصحابة به، فكيف يمكن أن تنصاع لدولة الخلافة لتقوم معها لمحاربة الأحمر والأسود من الناس؟ إنّ تقبّل ذلك يقتضي وجود الإيمان عند الأمّة بالإسلام وبأحكامه، وبإدراك أحكام الإسلام وفهمها والاستعداد للموت في سبيلها، وفي سبيل حمايتها مهما كلف ذلك من بذل وتضحيات. كيف يمكن أن نتصور أن يُقدِم أهل مكة المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مقاتلة آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشيرتهم في معركة بدر الكبرى، في الوقت الذي كانت العصبية عند العرب لها القدح المعلّى، وكان الاعتداء على أي شخص، ولو كان من سقط المتاع أو هو من طرف القبيلة، إنما هو اعتداء على القبيلة كلها، تقوم القبيلة للدفاع عنه والأخذ بثأره، فكيف إذا كان الشخص سيد القبيلة ورئيسها وفارسها وصنديدها وبطلها وزعيمها، فكيف يمكن أن نتصور أن ذلك يحصل منهم إن لم يكن الإيمان قد تغلغل في أعماق نفوسهم حتى غلَّبهم على كل شيء، فاندفعوا بصدق وإيمان وحماس وحرص على مقاتلة الأبناء والآباء والأعمام والأخوال والعشيرة، لأن الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه قد فرّق بينهم.
وكذلك نحن إن لم نجعل الأمة تؤمن بالإسلام وبأحكامه، وبوجوب تطبيقها والخضوع لها ووجوب حمايتها وبوجوب حمل الإسلام للعالم كما آمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم، وكما نؤمن نحن بالإسلام وبوجوب تطبيق أحكامه وحمل دعوته، مهما كلف ذلك من تضحيات.
فكيف يمكن أن نسوق الأمّة للمهمات العظام والأخطار الجسام؟
هذا ما يجب أن ندركه، وندرك أننا نعمل لرفع الأمّة وبالأمة، وأننا نريد أن نجعل هذه الأمّة تقبل بتطبيق الإسلام عليها، ولو تعارض مع مصالحها وما عندها من مفاهيم الأعماق أو العصبيات، وأننا نريد أن نجعلها حامية للإسلام وللخلافة ونجعلها تدرك أن عملها الأصلي إنما هو حمل الإسلام بالجهاد، لأنها صاحبة رسالة تريد أن تبلغها للناس كافة، وأنه لا يتأتى لها ذلك إلا إذا كانت أمّة محاربة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، وأن تظل في السلاح ليل نهار، إلى أن يعم الإسلام الأرض، لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها).
والمقصود بالناس هنا كافة البشرية دون استثناء، لأن الآية (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً)، فما دام بلد في الدنيا لم يصله الإسلام وحكم دولة الخلافة يبقى واجباً على المسلمين أن يوصلوا له الإسلام بالجهاد. ولذلك فإن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت الأمّة أمّة مجاهدة. ولذلك لا بد أن تصاغ الأمّة الإسلامية صياغة تجعلها أمّة مجاهدة، بحيث تصبح روح القتال والجهاد سجية من سجاياها. وإدراك هذا يتطلب منا أن نديم العمل بين الأمّة، سواء قبل قيام الخلافة أو بعد قيامها، وسواء أقيمت اليوم أو تأخر قيامها حتى نجعل الأمّة تؤمن بأفكارنا وتتبناها، وتستعد لحمايتها والدفاع عنها، وبذل المُهَج والأرواح في سبيلها، لنستطيع أن نقود الأمّة وأن نحملها على الانصياع برضى وسرور لأحكام الإسلام، وعلى احتضانها لدولة الخلافة، واعتبارها أنها المسؤولة عن تقويمها وحمايتها ومؤازرتها في تطبيق أحكام الإسلام وحمله رسالة إلى العالمين، وأن تتسابق في بذل الأموال والأنفس لإقامة الجهاد والاستمرار به.
فهذا هدف لا بد من دوام تصوره ودوام العمل لتحقيقه. ومما يساعدنا على الاندفاع فيه هو دوام التزود بثقافة الحزب وأخذها أخذاً فكرياً مؤثراً، أي أخذها للتطبيق والعمل لا لمجرد التزود بالمعرفة والعلم. وهذا يقتضي دوام دراسة أفكار الحزب وثقافته وهضمها وإدراك واقعها الخارجي لتتحول إلى مفاهيم تدفعنا إلى العمل بمقتضاها، ولا يجوز أن نأخذها كأفكار مجردة دون أن ندرك واقع انطباقها في الخارج حتى لا تكون مجرد معلومات ذهنية لا تدفع على العمل، ومما يساعدنا على الانطلاق بها أن نصمم على أن نبيع أنفسنا لله وأن نديم صلتنا به وأن نقوي هذه الصلة بالإقبال على الطاعات والتزود منها فنُكثِر من تلاوة القرآن وحفظه بتدبره ونكثِر من دراسة أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وإدراك معانيها وما تقصد إليه وحفظها وقراءة سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة الكرام وكيف أنهم باعوا أنفسهم لله حتى أصبح همّ أحدهم أن يموت شهيداً في سبيل الله حتى استُشهد أكثرهم في الغزوات. وكان من تفوته الشهادة في معركة يتمنى أن يُرزق بالشهادة في معركة أخرى. ولم تكن الدنيا ولا ملذاتها تشغل حيزاً كبيراً من تفكيرهم، وكان من يحصل على قوت يومه وهو في صحة وأمن فإنه قد نال حظه الأوفر لأنهم آمنوا بما سمعوه من الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من قوله: (من بات آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما زُوِيَت له الدنيا)، فلم يكن للقصور العظيمة ولا للمراكب الفارهة ولا للمآكل الدسمة والملابس الفاخرة والملذات الآسرة أي أثر على نفوسهم، فهانت الدنيا في أعينهم واسترخصوا المُهَج والأرواح في سبيل الله وإعلاء كلمته، حتى كانوا يتسارعون إلى الغزوات، ولو لم يجدوا زاداً أو راحلة، قالت تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلتَ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون)، ويقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إنهم كانوا يخرجون وليس معهم شيء حتى أكلوا ورق الشجر وكانوا يخرجون ما لا خلط له، أي كما يُخرج البعير. فهمّهم الأوحد هو إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيل الله، وبذلك مكّنهم الله في الأرض، وفتح لهم الدنيا وأخضع لهم رقاب الدول وهُم القلة، لأنهم صدقوا الله ما وعدوه فتحقق لهم ما وعدهم به من الاستخلاف في الأرض وتمكين الدنيا وتحقيق الأمن والطمأنينة لهم، حيث قال: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ولَيُمَكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً).
فبكثرة الطاعات من تلاوة القرآن ودراسة للحديث وحضور للجماعات في المساجد ومِن تهجد بالليل وصيام تطوع بالنهار، ومن دراسة لسيرة الرسول وسيرة الصحابة الكرام، كل ذلك يزيدنا بالله صلة وبالعقيدة التصاقاً وبالأعمال إخلاصاً وبحمل الدعوة تفانياً وحيوية ويخلصنا من أن يخطر على بالنا القيام بأقل التكاليف لأن ذلك لا يصبح له موضع في تفكيرنا، فعندما نرى تسارع صحابة رسول الله بالبذل والعطاء والتضحية، ونرى عِظَم طموحهم في أن يصلوا أقاصي الأرض، ونرى مثلاً قائداً مثل موسى بن نصير فاتح الأندلس، وضع خطة لفتح القسطنطينية بعد أن أعيت دولة الخلافة وفشلت عدة مرات في فتحها من الشرق، وضع خطة لاختراق أوروبا من غربها إلى شرقها حتى يصل القسطنطينية من الغرب، وترسل دولة الخلافة جيشاً من الشرق فيُطبِق هو عليها من الغرب ويُطبِق جيش الخلافة عليها من الشرق، وبذلك تنتهي وتسقط. هذا تفكير لواحد من قادة المسلمين ممن أدرك التابعين، فكانت هممهم عالية، وكان العالم بمجموعه موضع تفكيرهم لأنهم يدركون بأنهم مسؤولون عنه وعن تخليصه من الكفر والشرك والظلم. ونحن كذلك مثلهم فإننا مسؤولون أمام الله عن الدنيا بأكملها وليس عن سوريا أو الأردن أو العراق أو مصر أو الحجاز فقط، بل نحن مسؤولون عن الدنيا بأكملها وعن وجوب تحريرها وتخليصها من الكفر والشرك والظلم والتحكم. ومن يدرك أنه مسؤول عن الدنيا كلها وعن إنقاذ البشرية فيها فكيف يخطر بباله الاقتصار على القيام بأقل التزامات أو الاقتصار على أدنى الواجبات، فمَن هدفه العالم لا يقبل إلا أن يقوم بالأعمال التي تكون على مستواه والتي تجعله أهلاً للقيام بالمهمة التي هي ملقاة على عاتقه، والتي كلّفه الله بالقيام بها، فدوام تصورنا لهذه الغاية يدفعنا إلى أن نقوم بالأعمال العظام ويشحننا بالقوة الدافعة التي تجعلنا ننطلق بمنتهى القوة والحيوية والنشاط، خاصة أننا نؤمن بأن الله معنا وأنه يرعانا وأننا مهما بذلنا ومهما ينالنا في سبيله فإن لنا بذلك الأجر العظيم (ذلك بأنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كُتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين).
فيجب أن نوطّد النفس على البذل والعطاء وعلى تحمل كل مشقة وكل مكروه وأن نَجعل كل همّنا أن نأخذ بيد هذه الأمّة وأن نؤثر عليها حتى تتبنى أفكارنا ونؤمن بها، وحتى نستطيع أن نخلصها مما هي فيه من حالة اللامبالاة وحالة القنوط الذي كاد أن يصل إلى درجة اليأس حتى نتمكن من قيادتها إلى ما نريد وبالشكل الذي نريد، وهذا لا يتأتى إذا لم نكن متصفين بالإخلاص لفكرتنا والانصهار بها الانصهار التام حتى لا نشرك بها شيئاً من مصالحنا أو مطامعنا أو خوفنا على حياتنا أو مستقبلنا أو مركزنا أو مصادر رزقنا، أي أن يكون إخلاصنا خالصاً لفكرتنا لأننا بذلك نتأثر ونستطيع أن ننقل تأثرنا إلى الأمّة حتى نؤثر بها وحتى نقوي من عزيمتها وحتى نُرجع لها الثقة بنفسها بإسلامها وبقدرتها على أن تعود أكرم أمّة وأعظم أمّة. ولا شك أن صدق اللهجة وصفاء العقيدة وقوة الإيمان والتحلي بجرأة المؤمنين وصدق المتقين يؤثر في النفس أعظم التأثير خاصة عندما يُحمل إليها الفكر الصحيح بالطريق الفكري المؤثر الذي يثير العقل ويحرك النفس مع دوام الصلة والوجود بين الناس والعيش معهم عيشاً طبيعياً نشاركهم أفراحهم وآلامهم وأحزانهم ونرعى شؤونهم في وقائعهم اليومية، بتنزيل أفكارنا التي هي أفكار الإسلام وأحكامه ومعالجاته على الوقائع والحوادث الجارية، وحمل الناس على الأخذ بها وتبنيها، ومع تتالي ذلك بدأب وجَلَد لا يعرف الكلل ولا الملل نستطيع أن نقودهم. ونحن ندرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة هو وأصحابه قبل أن يهاجروا إلى المدينة لم يستطع أن يقود أهل مكة في شيء، لكنه كان يثابر على دعوتهم ومحاولة كسبهم مع مثابرته على الاتصال بأهل القوة والمَنَعة من زعماء القبائل والعشائر القادمة إلى مكة أو الموجودة خارج مكة، إلى أن قيّض الله له أهل المدينة وبايعهم البيعة الثانية بيعة الحرب، فصار عندها قائداً لهم وآخذاً لولائهم.
ونحن أسوة به صلى الله عليه وسلم يجب أن نستمر في العمل حتى يقيض الله لنا من الخير ما قيّضه لرسوله الكريم حتى نتمكن من قيادة الناس ومن إقامة الخلافة في المكان الذي كتب الله أن يكون له شرف بدء إقامة الخلافة فيه، ليصبح نقطة الإشعاع والتجمع لبقية النقاط. أما أين سيكون هذا المكان، وعلى يد من سيأتي الخير، ولماذا تأخر حصوله إلى هذا الوقت مع أنه فات زمن طويل كان يجب أن يحصل فيه، فكل ذلك علمه عند الله وحكمته عند الله ونحن لا ندريها، لأنه في علم الله ولم يعطه لأحد من خلقه، لذلك فإن عِلم كل ذلك وحكمته ليست عندنا، لكن الذي نعلمه وندريه أنه يجب أن نتابع العمل كما تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم العمل، ونعلم وندرك أن الإخفاق أكثر من مرة وأن التأخر في الوصول لا يجوز مطلقاً أن يوهِن من عزائمنا أو أن يَفُتّ في عضدنا، بل بالعكس، يجب أن يكون ذلك حافزاً قوياً لنا لنزيد في بذل الجهد حتى نصل. ولا بد قطعاً أن نصل لأن الله قد وعدنا وتعهد لنا بأن نصل وأن ننتصر، فقال عزّ مِن قائل: (ولَيَنصُرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز)، كما قال: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)، فما دمنا مؤمنين وننصر الله فلا بد أن الله سينصرنا، لأنه قطع عهداً على نفسه بأن ينصرنا، ولذلك فإن ما دخل في نفوس بعض الشباب من فقدان بعض الأمل بالنصر بعد أن حصل الإخفاق أكثر من مرة وبعد أن طال الزمن دون الوصول إلى إقامة خلافة فإن هذا الذي دخل على نفوس بعض الشباب يتناقض مع صريح الآيات التي وعدنا الله بالنصر فيها. غير أن الله لم يحدد لنا في الآيات الزمن الذي سيحصل فيه النصر ولا المكان الذي سيحصل فيه النصر، وإنما قطع لنا بحدوث النصر دون أن يؤقّت وقتاً، ولذلك يجب أن نؤمن بالله الإيمان الجازم بأنه سينصرنا ما دمنا ننصر الله، وما دمنا أننا أوقفنا أنفسنا لله ولإعلاء كلمته فلا بد أن يتحقق النصر، إن لم يكن اليوم فغداً، وإن لم يكن غداً فبعده.
ولذلك لا يجوز أن يكون التأخر أو الإخفاق أكثر من مرة مثبطاً لنا عن الاستمرار في العمل، بل لا بد أن نديم المحاولات المرة تلو المرة، ولو في كل يوم تفشل المحاولة. وسيد الخلق قد كرر طرق باب أهل القوة والمَنَعة، ولكنه كان يخفق المرة تلو المرة، ومع ذلك لم يُثنِه ذلك أبداً بل كان كلما سمع بقادم يقدم مكة له شرف ومكانة يتصدى له آملاً في نصرته، حتى جمعه الله بركب الخير أهل المدينة وقد ساقهم الله إليه عندما قدّر الله له أن ينتصر، ومع ذلك كانوا ركباً ليس بكبير شأن ولكن مَن وراءهم كان لهم الشأن، وكان الفتح بهم بفضل الله، وبهمّة مصعب بن عمير فإن الخير جرى على يديه لمّا أراد الله إعزاز دينه ونصرة نبيه، فشرح صدر أسيد بن حضير، وصدر سعد بن معاذ، وكذلك صدر سعد بن عبادة للإسلام، فأسلم بإسلامهم سائر قومهم، حتى لم يبق بيت في المدينة إلا وفيه ذكر لله. وبهم ومعهم عقد رسول الله البيعة الثانية، بيعة الحرب على قتال الأحمر والأسود من الناس، وبهم ومعهم تم النصر والإعزاز لله ولرسوله ولدينه وللمؤمنين.
ولهذا يجب أن تكون ثقتنا بالله قوية وثقتنا بنصره مسلّمة حتمية، ولكن لا بد أن تنالنا الحالات الشديدة التي نالت رسوله والرسل الآخرين من قبله، فقد مستهم البأساء والضراء وزُلزِلوا من شدة المحنة والابتلاء، لدرجة أن يصل الحال بالرسول والذين آمنوا معه أن يقولوا متى نصر الله؟ من شدة الكَرْب، ومن شدة ما دخل إلى نفوسهم، فيأتيهم الجواب اللطيف الذي ينزل على القلب برداً وسلاماً في غاية السلاسة والإبداع في إحداث الطمأنينة (ألا إن نصر الله قريب). ولم يقتصر الأمر على مس البأساء والضراء والزلزلة من شدة البلاء، وإنما وصل الحال بالرسل إلى درجة الاستيئاس، والظن بأنهم قد كُذبوا من الناس، وعندما وصلوا إلى هذا الحد، جاءهم نصر الله. والنصر محصور بأنه من عند الله وحده (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم)، وليس من عند أحد، وإنما تحقيقه بيد الله. فالله وحده الناصر، وما النصر إلا من عنده، أما متى يحصل فهو الأعلم والأحكم، ينجزه متى يريد لنا تحقيق الخير. غير أننا واثقون بأنه سيحقق لنا ما دمنا متلبسين بحمل دعوته بالطريقة التي فرضها، ولذلك لا بد أن نديم طرقنا لباب أهل القوة والمَنَعة، وأن نكرر المحاولة بإيجادهم، المرة تلو المرة، حتى يتحقق نصر الله. ولا بد أن يتحقق بإذن الله، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، فانصروا الله حتى يُنجِز الله لنا وعده ويحقق لنا نصره.
وبالرجوع لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرض سيْرنا عليها، لوحظت أمور ينبغي أن تحصل الأسوة فيها.
أولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائم الوجود بين أصحابه لا يفارقهم، وكان يعلّمهم ويعطيهم ما ينزل عليه من قرآن، ويشرح لهم ما يحتاج إلى شرح، ويبين ما يحتاج إلى بيان. كما كان يبين لهم الأحكام التي يجب أن يسيروا وفقها في جميع شؤون حياتهم، كلما نزلت عليه، وكان الصحابة بدورهم ملتفين حوله، سائرين ومستفسرين ومتعلمين. وإذا ما حصل لهم أمر رجعوا إليه يطلبون منه بيان الحكم فيه، وإذا ما وقعت بينهم مشكلة سارعوا إليه لأجل أن يقوم بحلها لهم، وكانوا يراقبونه في كل ما يصدر عنه للتأسي به في كل من الأمور، وكان دوام وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم مؤثراً في سلوكهم، ومحدِثاً الاندفاع والحرارة التامة عندهم، وكلما زاد لصوقهم به وملازمتهم له، زاد صدقهم وصفاءهم وشدة اندفاعهم.
فهذا الوجود من الرسول بين أصحابه، والقائد بين جنوده، كان له الأثر الكبير عليهم، ولذلك يجب أن يكون هذا موضع قدوة لنا، أي أن يكون المسؤولون بين الشباب يخالطونهم ويديمون اللقاء بهم ومذاكرتهم في الأفكار والآراء والأحكام وفي النصوص الشرعية -من قرآن وحديث- الدالة على الأفكار والآراء والأحكام، وتناول الأحداث والوقائع اليومية الجارية، وتنزيل الأفكار والمعالجات عليها لترعى بذلك شؤون الناس، ويكون اللقاء لقاء إخوة لا لقاء التسلط وإصدار الأوامر، بل لقاء الصحبة والأخوة والمذاكرة الدائمة للاستزادة والدفع على العمل، وإيجاد الحماس وبعث الهمم، والتذاكر لآية أو لحديث أو لسيرة صحابي، أو لموقف بطولي، أو لعظيم تضحية أو بذل، أو بيان علاج لمشكلة واقعة أو لحادثة جارية، مما يبعث على الحماس والاندفاع والوضوح في الفكر والبلورة للرأي، والدقة في تصوير الواقعة أو الحادثة، والإجابة في إنزال العلاج المطابق لها من الأفكار والآراء والأحكام. وينبغي أن يُحرص على التردد على المساجد لحضور صلاة الجماعة، ولتحصل اللقاءات فيها، كما تحصل الصلة بالناس الذين يترددون على المسجد، ويكون اللقاء بهم طبيعياً بعيداً عن أي حرج أو تكلف. وهذا ينبغي أن يكون من جميع المسؤولين في جميع الأجهزة سواء الولايات أو المسؤولين أو المحليات، وأن يُحرص على هذه اللقاءات بشكل مستمر، لكن يجب أن يحاذَر على أن تكون هذه اللقاءات معوقاً عن الاتصال بالناس والعيش معهم، بل يجب أن تكون حافزاً قوياً على ذلك، والمسؤولين يجب أن يكونوا خير قدوة.
وثانيها: يلاحظ أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يأخذون الأحكام أخذاً مؤثراً، فبمجرد أن تنزل الآية وبمجرد أن يصدر الحديث عن الرسول الأكرم، يبادرون إلى أن يضعوا ذلك موضع التنفيذ، وتنطبع جميع أعمالهم به، لأنهم أخذوه أخذاً مؤثراً، أي للعمل والتطبيق، بعد أن آمنوا به حقاً وأخذوه صدقاً، ولذلك فإن كل ذلك يتحول لديهم إلى مفاهيم دافعة للعمل، وليس مجرد معلومات في الذهن، بل أفكاراً لها وقائع خارجية تؤخذ للتنفيذ والتطبيق، ولذلك انطبعت جميع أعمالهم بما كان ينزل من قرآن، وبما كان يصدر عن الرسول من سنّة، واعتبروا أن وجودهم في هذه الحياة إنما هو من أجل تنفيذ ما ينزل على رسول الله وحمله للناس رسالة، ولذلك آمنوا أنهم حملة رسالة، فباعوا أنفسهم لله، وجعلوا عملهم الأصلي حمل الرسالة. وأما السعي للرزق فجعلوه يدور حول حملهم الرسالة، ولذلك لم يتكالبوا على الدنيا ولم تأخذ الدنيا عليهم. وكذلك نحن، يجب أن نأخذ الأفكار والآراء والأحكام أخذاً مؤثراً يجعلها عندنا مفاهيم دافعة تشكل سلوكنا بها، وتطبع أعمالنا بطابعها، لأننا أخذناها بصدق وإيمان، وأخذناها عن قناعة، وأخذنا لأفكارنا بهذه الكيفية سيجعلنا نندفع للعمل بمقتضاه، ولحملها للناس من أجل أن يتبنوها وأن يطبقوها، وسيجعل أخذنا لها بهذه الكيفية عملنا الأصلي، وهو حملها للناس وتطبيقها على أنفسنا وسيجعلنا لا نحرص على هذه الدنيا ونعيمها والانغماس في ملذاتها، وسيجعلنا نبذل بسخاء أموالنا وأرواحنا ومصالحنا حتى نحققها واقعاً مطبقاً في الوجود، ومحمولاً رسالة هدى ونور إلى مشارق الأرض ومغاربها، لأننا آمنا بها بصدق، وأخذناها بحق، فانطبعت بها أعمالنا وتعلقت بها آمالنا.
وثالثها: كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يخطر على بال أحدهم القيام بأقل الواجبات أو الاقتصار على أدنى الالتزامات، بل كان الأمر على العكس، أي التسابق على القيام بالطاعات، فكلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل طاعة بادروا إلى القيام بها، وكلما عرفوا بأن أداء العبادة بشكل يزيد في الحسنات يبادرون بالأشكال التي تزيد في حسناتهم وتزيد في تقربهم إلى الله سبحانه، فتراهم حينما عرفوا أن الرسول يخرج بالليل إلى المسجد ليتهجد بادروا إلى المسجد للقيام بالتهجد، وعندما سمعوا مثلاً رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأن صلاة القائم لها ضعف أجر صلاة الجالس، ترك بعض الصحابة الذين كانوا مرضى الصلاة جلوساً وتحاملوا على أنفسهم وصلّوا قياماً لينالوا الأجر كاملاً. ولذلك نراهم يتسابقون على دوام القيام بالطاعات من صلاة النوافل وحضور الجماعة في المسجد، وصوم التطوع والتهجد، ودوام قراءة القرآن ومدارسته، ودوام التصدق بما يجدون حتى من لم يجد يميط الأذى عن الطريق فإنه صدقة، فصَفَت بذلك نفوسهم وزاد تقربهم من الله وخشيتهم له. هذا الحال ينبغي أن نتحلى به، فنحن أحوج الناس إليه حتى تصفو نفوسنا ويتعمق بالله إيماننا ويزداد بالأفكار والآراء والأحكام تأثرنا، لنكون شعلة متقدة باستمرار مهما تبدلت علينا الأجواء ومهما ادلهمت أمامنا الخطوب، فمن صفت نفسه وخلص إيمانه وصدقت نيته، فإنه يصبح طاقة مؤثرة لا يعتريه كلل أو ملل، ولذلك ما علينا إلا أن نُكثر من التقرب إلى الله بزيادة الطاعات، من غشيان المساجد، وحضور الجماعات، وقيام الليل، وصيام التطوع، وكثرة تلاوة القرآن، والتصدق، وتقديم العون لمن يحتاج إلى العون، ودوام ذكر الله واستحضار خشيته، وحمل النفس على دوام القيام بحمل الدعوة في كل لحظة وكل مكان، في المسجد والشارع والسوق والبيت والمدرسة والدائرة والحي واللقاءات والأفراح والأتراح، وأن لا يكون لنا همّ إلا حمل الدعوة وأن نطرح جانباً التعلق بهذه الدنيا، فلن نأخذ معنا عند موتنا شيئاً مما نجمعه من أموال أو ضِياع أو قصور أو جاه أو مكانة، بل سنتركه كله، ولن نأخذ إلا ما قدّمناه من القيام بالواجبات والطاعات، وما قصدنا به وجه الله. ولا ينبغي أن يخطر ببالنا القيام بأقل الواجبات أو بأدنى الالتزامات، بل يجب أن نطرح ذلك جانباً، وأن نوطد أنفسنا على أن يكون همّنا هو حمل الدعوة في كل لحظة وفي كل مكان وفي كل مناسبة، حتى نجعل الأمّة تتبنى أفكارنا وتستعد لتدافع عنها، وأن تضحي في سبيلها، وحتى نوصلها إلى التطبيق ثم الانطلاق لتحملها رسالة إلى العالم. وأن إكثارنا من القيام بالطاعات يكون خير عون لنا لنبقى مندفعين في حمل الدعوة بكل حيوية وثقة وقوة مهما كانت الظروف والأوضاع.
ورابعها: أن الذي كان يسيطر على الرسول الكريم وصحابته الكرام من أحاديث ومذاكرات إنما هو القرآن ومدارسته، وسنة الرسول وما تدل عليه، والأحداث والوقائع ومعالجاتها وأحكامها والقصص لأخذ العبر منها، وحمل ذلك كله حملاً سياسياً مؤثراً؛ أي لرعاية الشؤون والتطبيق، حتى إذا ما تعرضوا إلى الأحداث والوقائع السياسية تعرضوا لها من زاوية رعاية الشؤون وما لها من مساس بالعقيدة وكيان الدولة والمسلمين ومصلحة الجهاد وحمل الدعوة، وليس لمجرد نقل الأخبار أو تحليلها، وإنما لِما لها من علاقة إنْ مساس بعقيدة المسلمين أو بكيانهم أو دولتهم أو حمل دعوتهم. وقصة تغلب الفرس على الروم تدل على ذلك أتم الدلالة، وقد جرى النقاش فيها بين مشركي قريش وبين أبي بكر، فقالوا له إن الروم أهل كتاب وهُزِموا، وفارس ليسوا بأهل كتب وانتصروا، وأنتم تدَّعون أنه أُنزَل عليكم كتاب، فستُهزَمون كما هُزِمت الروم، ونحن لسنا أهل كتاب، فسننتصر عليكم كما انتصر أهل فارس. فالحديث وإن كان حديثاً سياسياً ولكنه له علاقة ومساس بالعقيدة وربط بها، وليس لمجرد نقل الأخبار وتحليلها، ونحن كذلك، فيجب أن يكون موضع حديثنا هو الأفكار والمعالجات للوقائع الجارية، والنصوص القرآنية والأحاديث الدالة على الأفكار والمعالجات والأحكام، وأن يكون هذا هو الطاغي علينا لأننا حمَلة دعوة، ولا ينبغي أن يكون الطاغي علينا الأخبار السياسية والأحاديث السياسية، فلسنا صحفيين ولا ناقلي أخبار ولا محللي أخبار، وإنما نحن حزب سياسي وحمَلة دعوة، فيجب أن يكون عملنا هو حمل الدعوة، وعندما نتناول الأحداث السياسية يجب أن نتناولها كما تناولها الصحابة؛ أي لرعاية الشؤون؛ أي لما له علاقة ومساس بعقيدتنا وأفكارنا وكياننا لنرعى بها الشؤون لا لنظهر أننا نعرف الأخبار ونعرف تحليلها، فمثلاً التدخل العسكري الفرنسي في شابا يُتناول من زاوية أثره وما يترتب عليه من ضرر وخاصة عندما نقيم الخلافة أو نتوسع فيها لضم بقية بلاد المسلمين. ومثلاً قرار منظمة أوبك في عدم رفع سعر النفط وعلاقته بنا وبثروتنا، فنتناوله من زاوية رعاية الشؤون التي لها علاقة بنا. ولذلك يجب أن يُقتصر في النواحي السياسية على ما له علاقة برعاية الشؤون فيما يحس به الناس ويدركونه، وفيما له علاقة بنا وبكياننا وأوضاعنا وتأثيره علينا وليس لمجرد نقل الأخبار أو تحليلها أو تفسيرها. فما الذي يجعلنا ونحن حملة دعوة وفي مرحلة نرعي بها الشؤون، وننّزل أفكارنا وآراءنا وما تبنّيناه من أحكام على الوقائع والأحداث الجارية لرعاية الشؤون بها، ما الذي يجعلنا ننزّل للناس أن بريجينيف جاء لألمانيا لتطمين أوروبا بأنه لن يشن حرباً عليها، ولذلك يجب أن لا تتشبث بالقنبلة النيوترونية، أو أن ننزّل للناس أن بريطانيا اختلفت مع فرنسا في الإنزال إلى شابا لأن فرنسا لها أهداف خاصة، وبريطانيا كانت تريد من العملية إنقاذ الرعايا وليس القضاء على الثورة أو تثبيت حكم موبوتو لكونها وراء عملية الغزو، وأن معارضة رئيس وزراء بريطانيا بإنشاء قوة افريقية إنما هو خوفاً من أن تستغَل لضرب روديسيا مثلاً. فأمثال هذه التحليلات لا علاقة للناس بها ولا تُرعى بها شؤونهم، ولذلك يجب أن يكون تناولنا للوقائع والأحداث السياسية من زاوية رعاية الشؤون وما له علاقة بالدعوة وحملها، ويجب أن تكون الأفكار والأحكام الطاغية علينا، ولا يعني ذلك أننا لا نهتم بالنواحي السياسية أو لا نتابعها، فهي لازمة لنا ولا غنى لنا عن متابعتها، ولكن يجب أن تكون الأفكار التي تُحمل وترعى بها الشؤون هي الطاغية علينا، فنحن أولاً وآخراً حملة دعوة ولسنا صحفيين ولا محللي أخبار. صحيح أننا حزب سياسي، ولكن يقوم على الإسلام، ونريد أن نوجِد الإسلام في واقع الحياة، فيجب أن يكون الإسلام فكراً ورأياً وحكماً هو الذي يجب أن يبرز علينا دائماً، وهو موضع عنايتنا وعملنا وحملنا واتصالنا بالناس ورعايتنا لشؤونهم.
هذا واقع وضعنا وواقع ما يجب أن يكون علينا اقتداؤنا بسيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبالواقع الذي كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. ولذلك يجب أن يكون واقعهم هو واقعنا، وكيفية سيرهم هي الكيفية التي يجب أن نسير عليها، حتى نكون صادقين الله النية وناصرين لله، حتى يحقق الله لنا وعده ويتم نصره.
16 من رجب الفرد 1398
20 حزيران 1978