بسم الله الرحمن الرحيم
خطوط عريضة عن قيام الحزب بالأعمال الجزئية
إن الحزب في دور الثقافة كان يشتغل في تكوين الحلقات والاتصال بالناس لمناقشتهم بأفكار الدعوة ولتكوين حلقات منهم، وكان يشاهَد في هذا الدور حماس في الشباب، لأنه كان يشاهَد أثر الأعمال الثـقافية التي يقوم بها الحزب في نمو الحلقات وفي إيجاد الأجواء. وكان قيام مجموع أجهزته ومجموع شبابه بالمناقشات وإعطاء الحلقات أمراً بارزاً كل البروز، وكان يعطي صورة ضخمة عددياً فيظنهم الناس أضعاف أضعاف ما هم عليه عدداً، ولذلك سرعان ما تجسدت الدعوة في أشخاص، وأحس عليها الناس، وصار الحزب يتطلع إلى المجتمع ليعمل فيه، فكانت دروس المساجد والمحاضرات. وحصل أول اصطدام مع السلطات وعند ذلك وجد الحزب أنه صار لزاماً عليه أن يخاطب الناس، فبدأ في فترة محاولة المخاطبة؛ أي في نقطة الانطلاق، وكان ذلك عام 1954م حين وُزِّعت نشرة نقطة الانطلاق، ولذلك انتـقل الحزب من الثـقافة إلى محاولة المخاطبة انتـقالاً طبيعياً، وصار لزاماً عليه أن يبدأ بإصدار البيانات واصطناع الوسائل لمخاطبة الجماهير باسم الحزب، وصار يحاول إصدار جريدة حزبية، إلا أنه بدأ يتعثر في محاولة المخاطبة، لأن إصدار النشرات يستوجب حوادث تقع، وكان الركود مخيِّماً على المنطقة طوال سنة 1954م وقِسمٌ من سنة 1955م، ولهذا أصدر نشرة التحريك السياسي لتقوم لجان الولايات واللجان المحلية بتحضير أفكار عامة ليناقش بها الشباب جماهيرياً وفردياً حتى توجد محاولة المخاطبة. إلا أنه ما كادت هذه النشرة تصدر حتى بدأت الحوادث السياسية في المنطقة تتتابع، فكان مشروع جونستون، وخطاب دالس في حل قضية فلسطين، وشراء الأسلحة والاتفاقيات بين مصر وسورية والأردن والسعودية. فبدأت البيانات السياسية تصدر عن الحزب بشكل متتابع، إذ استمرت الحوادث السياسية في التتابع واشتد الصراع بين الإنجليز والأمريكان، ولعب عبدالناصر الدور الأمريكي بإتقان وقوة، وصار نوري السعيد والهاشميون يلعبون الدور الانجليزي، وحصلت مناورات الإنجليز بوساطة حسين في السير مع عبدالناصر ثم انقلابه عليه، وكان التأميم، ثم كان العدوان الثلاثي، فكان كل ذلك جملة وتفصيلاً في كلياته وجزئياته مادة خصبة جعلت الحزب يوالي إصدار المنشورات، فلم يبق هناك مكان لنشرة التحريك السياسي، ولذلك لم تُستعمل لأنه لم يُحتج إليها. وقد أضيف إلى البيانات التعليق الأسبوعي الذي ظل سنة كاملة، ثم أحكام الإسلام، ثم نشرات التحريك، وكان إلى جانب ذلك الاتصال الحي بالناس وإعطاؤهم آراء الحزب، وازداد الاصطدام بالسلطة، ووُجد الاصطدام بالناس بشكل قوي مما عرقل الثقافة الجماعية عرقلة ضخمة حتى أوقفها كلياً، وظلت الأعمال سائرة بالمنشورات والحلقات والاتصالات والمناقشات بشكل قوي وبزخم ظاهر، وما كادت تنتهي سنة 1957م حتى وجد الحزب نفسه يتطلع إلى البدء بطرق باب المجتمع، وكان أثر هذا السير الرائع أن ظل الحماس قوياً والاندفاع موجوداً عند الشباب، ووُجد الإقبال على آراء الحزب مع معارضتها بشدة، وكان التعليق الأسبوعي ينتظره الناس أكثرهم انتظاراً، ثم وُجد حكم الإسلام، فاختلف تقديره باختلاف المناطق، وبرزت آراء الحزب، وصار السؤال عن الآراء السياسية في الأحداث حتى ممن يعارضونها ويهاجمون الحزب لأجلها، وصار الشباب يجدون أشياء جديدة ويأخذون معارف جديدة، ووُجدت عند كثير منهم التجربة السياسية، وصاروا يتحسسون الاطلاع إلى الحكم، وصار الناس يرون في الحزب قابلية أخذ الحكم ويقرنونه بالزعماء والحكام، فكان لا بد من التحسس بضرب العلاقات، فقام الحزب في شهر تشرين الثاني 1957م بتجربة عامة استعمل فيها أسلوباً قوياً في منشور عادي وحزم على تنفيذ ذلك الأسلوب، فكان هنالك إخفاق عام في جميع المجال الذي يشتغل فيه -أي ما عدا مصر- لأنها لم تكن تشتغل في مستوى دور المحاولة بكفاية، فسقط من جراء هذه التجربة العشرات وأظهر المئات العجز الفاضح، مما دل على أن جسم الحزب لا يتحمل ضرب العلاقات بشكل متتالٍ؛ أي لا يقدر على بدء طرق باب المجتمع. فلم تكن النقلة إلى هذه الفترة طبيعية، ولذلك توالى إصدار البيانات والتعليقات السياسية ونشرات التحريك. وصار يحدد أمكنة العمل والأعمال، ويعمل لتطهير الحزب من أعضاء الشرف ليوجِد صلابة في جسم الحزب حتى ينتقل طبيعياً لبدء طرق باب المجتمع، فجاءت سنة 1958م وكانت الوحدة بين مصر وسورية، وثورة لبنان، وانقلاب العراق، ووصلت الموجة المشاعرية التي اكتسحت المنطقة أعلى حدها، فكان هذا كابوساً على الحزب بالنسبة للناس حتى نالوا مطالبهم. فلم يعد أحد حتى المثـقفون مستعداً لأن يسمع فكراً أو يناقش رأياً، وكان امتحاناً لإيمان شباب الحزب في فكرتهم وطريقتهم، وبالتالي في حزبهم فتزعزع إيمان الكثيرين وسقط من جسم الحزب عدد كبير جداً من أعضائه زادت نسبته على 75% من مجموعه، وعمّ الشك في آراء الحزب السياسية أكثر الباقين في الحزب الذين يؤمنون به وبفكرته وبطريقته، وبلغت شدة حملة الناس على الحزب أوجها، لا سيما بعد الأعمال العظيمة التي تحققت على يد من يقول الحزب عنهم إنهم عملاء، ولكن هذا لم يوقف الحزب عن العمل ولا لحظة واحدة، ولكنه ظل من شهر شباط سنة 1958 يمشي وهو في مكانه؛ أي يقوم الحزب بأعمال ولكنه لا يوجد أي تأثير حتى ولا في شبابه، فكان سيره منتجاً عدم الانتكاس؛ أي منتجاً بقاءه يعمل ليس غير، لأن الحزب في سيره في المجتمع كالمجذف ضد التيار، إذا لم يستمر بالتجذيف يرجع إلى الوراء. وقد شمل جميع الشباب التهيب من الناس، وشمل جميع الناس سوء الظن بالحزب واتهامهم له، وصار أهل كثيرين من الشباب يعيّرون أبناءهم من حزب التحرير. ولكن مع كل هذا ظل الحزب يعمل بقوة كأن ليس هناك شيء، ويقوم شبابه بأعمال الحزب في هذا الجو القاتم، يُضرَبون ويُشتَمون ويلحق بهم الأذى حتى من أضعف الناس، وهم على أشد ما يكونون قوة إيمان بالرغم من تسرب سوء الظن بآراء الحزب السياسية، وسوء ظن بالأساليب والوسائل التي يستعملها الحزب، فكان ذلك كله مجوهِراً لجسم الحزب مثبتاً إيمان المؤمنين، ثم كان أن انفرج الجو السياسي العام ووقف المد المشاعري، فكان لا بد من البدء بطرق باب المجتمع، إذ نما لدى الشباب التطلع إلى الحكم رغم تجمد المجتمع، وصار الناس يحسون بخطر الحزب على الحكام ولا سيما الحكام الذين يحبونهم.
ولذلك بدأ الحزب في طرق باب المجتمع، فصار يضرب العلاقات عن قصد متعمد، ويصطنع الوسائل المتعددة لضرب العلاقات بالبيانات ونشرات التحريك، وإعطاء واجبات الاتصال، وظل سائراً كذلك في إصدار البيانات والتعليقات السياسية. وقد ساعده على ذلك وقوف التيارات الخارجية، ومحاولة العملاء تركيز أمورهم الداخلية، مما مكنه من أن يتابع ضرب العلاقات بشكل متتالٍ مع متابعة البيانات السياسية والآراء السياسية. وتمكن من أن يقوم بالعمل كلما لزم بسهولة ويسر بفضل خصوبة الحوادث المحلية التي هي مادة ضرب العلاقات، ولهذا ما دخلت سنة 1960 حتى رأى نفسه أنه انتهى من بدء طرق المجتمع وصار يطرق باب المجتمع بالفعل، ودخل دور التفاعل طبيعياً فكان من أثر هذا أن خفت حدة العداء عمد الناس للحزب ووجد في المجتمع من يؤيد الحزب، وخف الأذى من الناس لشباب الحزب بشكل ملحوظ، فصار لا بد أن يحاول أخذ قيادة الناس وأن يجعلهم يحاولون العمل معه إلى أن أصبحوا يعملوا معه طبيعياً. وهنا كادت أن تتجدد سنة 1958م مرة أخرى، فالحزب ظل يصدر المنشورات المختلفة ويصطدم مع الحكام ويضرب العلاقات العامة ويشتغل في المحليات، وهذه هي أعمال دور التفاعل، ولكنه عجز أن يأخذ قيادة الناس، وظل الشباب في أجواء سنة 1958م فقد ظل حماسهم فاتراً، وغلب عليهم التثاقل والملل وعدم النشاط، وعمي عليهم في جملتهم قطع الطريق، ولم يعد كثير منهم يدركون الجزئيات التي يقوم بها الحزب مع أنهم يشاهدون أن شخصية الحزب نمت بشكل بارز، ويلمسون من الناس تغييراً في موقفهم ويشاهدون الشدة من الحكام زادت على الشكل المألوف، ولكن ذلك لم يغير وضعهم عما كانوا عليه في سنة 1958م إلا قليلاً. ولهذا فإن الحزب مع كونه صار في مصاف الحكومات فإنه لم ينجح حتى الآن في محاولة أخذ قيادة الأمة إذ ما دام كثيرون من شبابه لا يلمسون بالحس الأعمال الجزئية، فلا يمكن أن يحسوا بأنه يسير أو يقطع مسافات. فالحزب يشاهد شبابه بوضوح أنه:
1- يتتبع الحوادث ويعطي آراءً فيها.
2- يتصدى لما يحصل في المجتمع من الأعمال.
3- صار يكثر من ملاحقة أعمال الحكام ويضربها بقسوة.
4- صار يحث شبابه على الاتصال بوسائل النشر كالمجلات والجرائد لنشر مقالات.
5- صار يحث الشباب على الاتصال بمن لهم رأي ومكانة لمناقشتهم أو إرسال رسائل فكرية لهم. ومع ذلك فإنه لا يزال في شبابه من لا يبصر أن الحزب سائر وليس بواقف، وفيهم من يرى أن الحزب لم يقطع مسافات ولم يحقق نتائج. وبالرغم من إحساسات الشباب إجمالاً بنمو شخصية الحزب في جميع المجال، حتى الأمكنة التي لا توجد بها أعمال كمصر، ومع ذلك فقد بقي عدم الحماس موجوداً عند الكثيرين.
هذه هي الخطوط العريضة عن قيام الحزب بأعماله الجزئية من أول نشأته حتى شهر أيار 1961م، وعن أثر ذلك في الناس، وعن موقف شبابه فيه أثناء قيامه بأعماله، وهي تدل بوضوح على أن الحزب سائر وليس بواقف، وأنه قطع مسافات وحقق نتائج، وأنه قطع الطريق من أول بدء تكوين الحلقات إلى أن أصبح اليوم في مصافِّ الحكومات بخطى حثيثة مع منتهى المشقة، وأنه التزم خط السير كما هو في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما هو مفصل في كتبه ومناقشاته من غير حيد قيد شعرة عن المفاهيم؛ أي عن الطريق المرسوم. والآن يَشْغَل الحزبَ أن يقوم شبابه بالاتصال الحي ليلمس الناس واقع الأفكار التي نشروها ويبحثوا عن إيجادها ويُثاروا للعمل لها، كما يشغله أنه لا بد أن يقوم بالأعمال السياسية المباشرة.
أيار سنة 1961.