بسم الله الرحمن الرحيم
خط السير والتقيد بالجزئيات
قال الله تبارك وتعالى: (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبِعوه ولا تتّبعوا السُبُل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). إن خط السير وصراط العمل واضح بيّن مستقيم، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتهجه عن وحي وبيّنه، وسلكه عن وعي وتدبّر دونما تلكؤ أو تعثر، لم يلهه الحماس فيستحث الخطى، ولم تستفزه العاطفة فيستجيب لرغبات آنية أو معالجات جزئية. لقي أصحابه الهوان والعذاب فلم يتنكب بهم عن الطريق، ولقي هو الصد والأذى والتكذيب والتنفير فلم تهُن عزيمته ولا خارت منه القوى، ولم يثنه جحود مكة وقساوة مجتمعها ولا ضراوة كرائها عن خط سيره ولم ييأس أو يقنط من رحمة ربه وعونه له.
لقد أتى بمبدأ يغاير ما عليه قريش، وعقيدة تمحو ما عليه اعتقادهم وتطمس ما يتمسكون به من تافه العادات وأباطيلها وترهات الأقاويل وأساطيرها، فهالهُم ذلك وكبُر عليهم أن تُنال آلهتهم بسوء وأن تصاب كبرياؤهم بأذى ويمضي معززاً السير في ذلك الخط المستقيم وعلى ذلك الصراط القويم، وهو يرى أصحابه يعذَّبون فيقول لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). ويلاقي أصحابه هذا الأذى والعذاب بالصبر والإيمان فيردون عليه قائلين: والله يا رسول الله إنا لنراها ماثلة. وتمر السنون والأيام وتزداد قريش في إيذائه ويزداد تمسكاً بدعوته واستمراراً عليها. حُبس هو وأصحابه في شِعب من شعاب مكة لا يخالَطون ولا يعامَلون حتى مُنع عنهم الأكل والشراب ولجأوا إلى أكل ورق الشجر من شدة الضيق والأذى. ضاق ذرعاً بمكة ومجتمعها فخرج إلى القبائل يبتغي نصرتها ويطلب حمايتها، فردّته الطائف أسوأ رد وأدموا عراقيبه بالحجارة حتى لجأ إلى حائط هناك وأخذ يدعو ربه دعاءه المشهور: (يا رب إلى من تكِلُني، إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملّكته أمري، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، لك العُتبى حتى ترضى). وعاد إلى القبائل: بني عامر فبني حنيفة وغيرهم، وكلهم يرده ويرفض مبتغاه. وتتأزم الأمور، ويشتد الكرب عليه وعلى أصحابه وهو ممعن في التمسك بدعوته، ويلتقي بأهل العقبة الأولى ويبايعونه بيعة النساء ويبعث معهم مصعباً إلى المدينة، والأذى يشتد من حوله في مكة إلى أن أتاه أهل بيعة العقبة الثانية وكانت بيعة حرب وقتال، بيعة نصرة وحماية، وحتى تلك الساعات كان لا يزال يسير في خط سيره لا يحيد عنه قيد شعرة. أرادوا منه أن يميلوا على أهل مِنى بسيوفهم فيجيبهم بقوله: (لم نؤمر بعد). وكم كان في أصحابه من رجال أشداء لو أمرهم بالضرب والرد على قريش كما صنعوا لأجابوه، ولكنه كان يطمئنُهُم ويبشرهم ويهدئهم ويكبح جماحهم حتى أقام دولة الإسلام وجيّش الجيوش وبعث السرايا وغزا الغزوات ونزلت آيات الأحكام والجهاد وغيرها، وفتحَ الفتوحات ودانت له مكة وكبراؤها ونُصر بالرعب من مسيرة شهر واستمر أصحابه من بعده يفتحون الأمصار وينشرون الإسلام، ورفرفت راية العُقاب على معظم أصقاع المعمورة وكانت لهم السيادة وبيدهم القيادة وأخرجوا الناس من الظلمات إلى النور.
فخط السير بيّن واضح ويجب التمسك به والتقيد به، ولا يجوز الحيد عنه، ولنا أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي رسم لنا خط السير واضحاً بيّناً، وهو الذي أمرنا بالتقيد به وعدم الحيد عنه، ووعدنا الله ورسوله، ووعد الله حق وصِدق ولن يخلف الله وعده، ونحن نحمد الله إذ سِرنا على ما رسم لنا وتقيّدنا بما أمرنا به، وتأسينا برسوله في كل أدوار دعوته ومراحل سيره، وله العتبى حتى يرضى، اللهم إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي.
إن دعوتكم دعوة انقلابية جذرية، وفكرتكم تغاير ما عليه المجتمع من أفكار وعلاقات وعادات، فهي ولا شك سوف تصطدم بمصالح نفعية ورغبات آنية وبدعوات جانبية وإصلاحات جزئية، ولكن الثبات والمثابرة هما اللذان يمهّدان تلك العقبات ويوطئان تلك الصعاب، وبالصبر والمصابرة نزداد ثقة بوعد الله وقرب نصره وعاجل يسره. وإننا الآن لفي أواخر الخطى من آخر خط السير، وعلى أبواب قطف الثمار وجني الحصاد. فقد وعد الله عباده المؤمنين بالنصر، فقال تعالى: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) وقال جل شأنه: (إن تنصروا الله ينصركم).
فعلى كواهلكم يا شباب الإسلام تقال الأمّة الإسلامية من عثارها، وعلى عواتقكم تنهض هذه الأمّة من كبوتها، وبسواعدكم ومزيد جهودكم ومثابرتكم ومصابرتكم ترتفع راية الإسلام خفاقة على شواهق القمم وسوامق الذرى. وهذا يتطلب منكم توطين النفس على تحمل الأذى وتجشم الصعاب وتوثيق الصلة بالله العلي القدير، فهو واهب النصر ومفرّج الكرب، وبالاتكال على الله تذلل الصعاب، وبعون الله ورعايته تصلح الأمور، فهو الذي يجعل من الضعف قوة ومن القلة كثرة (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين). يروي لنا تاريخ المسلمين في كل أدواره أن المسلمين خاضوا مئات المعارك الضارية الحاسمة، وفي كل معركة كانوا هم الأقل عدداً وعُدّة وكانوا ينتصرون. انتصروا على قلّتهم وسادوا على ضعفهم وأتتهم الدنيا طائعة بزخرفها على فقرهم، طلب أسلافنا الماضون طلبوا الموت فوُهبت لهم الحياة، اتخذوا الدنيا طريقاً للآخرة فأتتهم الدنيا والآخرة. فنحن أحوج ما نكون الآن إلى تقوية الصلة بالله واستمرار هذه الصلة ليل نهار بقراءة القرآن وتدبر معانيه وبالإكثار من الصلوات النوافل كصلاة الضحى والتهجد في الليل وكثرة ذكر الله والاستغفار ومحاسبة النفس والتوبة صباح مساء والإكثار من صدقات السر والتزود من المندوبات. وعلينا أن لا نستهين بصغار الأعمال وأن لا نحقر أي فضيلة مهما صغرت وأن لا نهمل أي عمل مهما دَقّ. فمقياسنا هو الحلال والحرام وليست مقاييسنا نفعية ولا مادية. وإذ ذلك كذلك، فالحكم الشرعي وأمر الله ونهيه هو مقياسنا وهو منهجنا. فلم يترك لنا الإسلام من أمور حياتنا وشؤون مجتمعنا شيئاً إلا وبيّن حكمه. فلم يبقِ للنفعية أو المادية أي أثر في سلوكنا أو تصرفاتنا من حيث تقدير الأمور وتقييم الأعمال.
نعم ترك الله الإنسان ليندفع طبيعياً لإشباع حاجاته العضوية وغرائزه، وترك له تقدير قيم السلع والأعمال المادية من ناحية اقتصادية، ولكنه قدّر هو قيمة الأشياء الروحية بما فيها المعنوية، وهو الذي أوجد التفاضل بينها، فجعل لطاعة الوالدين قيمة، ولكنه جعل لأعمال الجهاد قيمة أكبر، وجعل لبناء المساجد قيمة، ولكنه جعل لحمل الدعوة قيمة أكبر (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله). وهكذا فإن الله تعالى كما جعل للأعمال قيمة قد رتب سلّم القيم ترتيباً معيناً فجعل في رأس سلم القيم الإسلام والجهاد في سبيل الله والدفاع عن الإسلام، ولذلك نجده يقول: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)، ومعنى بأمره هنا بعذابه، وهو تهديد لمن يجعلون هذا الأمر أحبّ إليهم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فرتّب القيمة وعيّنها وهدّد على مخالفتها، ولذلك لم يبق مجال للمسلم بأي شيء من رأس القيمة غير الله ورسوله وجهاد في سبيله، أي غير الإسلام والجهاد. ثم صار بعد ذلك ترتيب باقي الأمور بسحب ما جاءت به الأحكام الشرعية. ولهذا لا يحل للمسلم أن يجعل حياته في رأس سلم القيم ثم زوجته وأولاده ورفاهيتهم وعيشهم ثم الإسلام والجهاد، فإنه إن فعل ذلك أثِم واستحق عذاب الله كما في صريح الآية، فلا بد أن يجعل المسلم الإسلام والجهاد في سبيل الله والدعوة لدين الله وإعلاء كلمة الله في رأس سلم القيمة، ثم بعد ذلك يأتي باقي الأمور، ولكن لا على حسب منفعتها، بل بحسب ما رتّبها الله بالنسبة لبعضها من القيم. والذين أخذوا على أنفسهم حمل الدعوة الإسلامية والكفاح في سبيل استئناف حياة إسلامية، فإنهم يكونون بداهة قد أضافوا إلى التزاماتهم جعل الله ورسوله والجهاد في سبيله أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم.. الخ، أضافوا التزامهم العمل بذلك عملياً مع جماعة في كتلة متكتلة، ولذلك لا مجال لتذكيرهم بترتيب سلم القيمة الذي رتّبه الله لأنهم قرأوه في القرآن والتزموه عملياً في تكتلهم أو سيرهم مع الكتلة، لا فرق بين حزبي ودارس، وهم إذا لم يراعوا هذا الترتيب في القيمة أو حصل عندهم اضطراب في ميزان القيم هذه فإنهم ولا شك سوف لن يبقى مع هذه الكتلة من هُم من غير جنسها، ولكن الذي يذكّر به الشباب هو قيمة القيام بأعمال الدعوة الجزئية لا القيام بحمل الدعوة نفسها. فقد صار عند بعض مِن حملة الدعوة زهد في الثواب والاقتصار على العمل لرفع الإثم، وصار فوق ذلك عدم إحسان للعمل والاقتصار على مجرد العمل، فأثّر هذا في جملته على قوى الحزب وإن لم يؤثر على سيره. وحفظ الذين اضطرب عندهم سلم القيمة من السقوط فبقي في الحزب بقية من أعضاء الشرف، لذلك كان لا بد من تذكير الشباب بالمحافظة على سلم القيمة كله لا على الاقتصار على ما يجعله الله في رأس سلم القيمة وتذكيرهم بأن الجزئيات يتكون فيها الكل، وأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن ثواب الله لا يرغب عنه من يبذل نفسه في سبيل رضاه، وأن الكسل الجسمي والعضلي من أخبث الأمراض وأن البُخل في بذل الجهد للقيام بما يرفع الإثم ويجلب الأجر هو من أشد أنواع البخل عند الله، وإنه مما يؤلم نفس المؤمن أن يوجَد فينا من يتهرب من توزيع المنشورات ومن لا يؤدي فرض توزيعها على الوجه الذي طُلب منه، ومن لا يسابق على الكمية الأكثر، وأن يوجد فينا من يفضل أخذ حلقة على إعطاء حلقة مع قدرته على ذلك، ومن يحاول الاقتصار على أقل عدد من الحلقات، ومن يعطي الحلقة دون أن يعطيها كل قلبه وكل نفسه، وأن يوجد فينا من لا يقوم بالاتصالات والمناقشات، ومن يؤدي ما كُلف به من اتصالات أداء جزئياً في أضيق نطاق، ومن ينتحل الأعذار لعدم القيام بما كُلف به من اتصالات، ومن يتهاون بالاتصال بمنطقته والعمل بها والإشراف عليها، والعمل في المناطق والاتصال بها والإشراف عليها له أهميته وقيمته كأهمية الحلقات، وتكليف حزبي كباقي التكاليف، ألا يدرك هؤلاء أن توزيع المنشور فرض كركعة الصلاة وكضربة للعدو بالسلاح في معركة القتال؟ فالله حين أمر بالصلاة اندرج أمره بالركعة الواحدة في هذا الأمر العام، وحين أمر بالجهاد اندرج أمره بالضربة الواحدة، وحين أمر بحمل الدعوة الإسلامية واستئناف الحياة الإسلامية اندرج أمره بتوزيع النشرات في هذا الأمر العام، فتوزيع المنشورات فرض كفرض الصلاة وكفرض الجهاد سواء بسواء، وعدم القيام به إثم كعدم القيام بالركعة في الصلاة سواء بسواء. صحيح أنه فرض على الكفاية ولكن طالما أن الكفاية لم تتم فالقيام بفرض العين أو الفرض على الكفاية واحد لا فرق فيه، والثواب والإثم عليهما كليهما. ومتى حصلت الكفاية حتى يستحِل شاب التقصير في توزيع النشرات أو غيرها؟ لأن حكم التوزيع يجري على الحلقات والاتصالات والمناقشات، لأنها كلها أجزاء في حمل الدعوة بل هي نفسها حمل الدعوة، ثم إن فرض الجهاد هو على الكفاية ولكن حين لم تحصل الكفاية جُعل فرض عين حتى تحصل، فالله عاتب المتخلفين عن غزوة تبوك وبيّن قيمة الأعمال الجزئية في الجهاد في عتابه المتخلفين، قال تعالى: (ما كان لأهل المدينة أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلاّ كُتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) صدق الله العظيم. فبيّن الله لهؤلاء المتخلفين ما يبعث الحسرة في نفوسهم على هذا التخلف، وكان بيانه هذا في بيان الأعمال الجزئية، إذ بيّن سبعة أعمال جزئية تحصل في الجهاد، وبيّن قيمتها بتفصيل، مما يعيّن للمسلمين أن الأعمال الجزئية التي تحصل حين القيام بالعمل الكامل لها قيمة حقيقية في ثواب القيام بالعمل، وأن لها أثراً كبيراً فيه ومنزلة عظمى عند الله. وقد عاتب الله المؤمنين على حرمانهم منها حين تخلفوا عن الجهاد، وكذلك أعمال الدعوة كلها من توزيع منشورات وإعطاء حلقات والقيام بمناقشات وغير ذلك، فإنه لا يصيب المسلم منها ظمأ ولا نصب ولا مخمصة ولا يقوم بعمل يغيظ الكفار والمنافقين ولا ينفق نفقة، ولا ينتقل من مكان إلى مكان إلاّ كتب الله له عملاً صالحاً فوق إسقاط الواجب ورفع الإثم، فكيف يطيق المسلم وقد حمل الدعوة طلباً لرضوان الله أن يتخلف عن الأعمال الجزئية وفيها فوق رفع الإثم هذا الثواب العظيم.
لهذا صار على حملة الدعوة أن يدركوا أن قيمة ما يبذلون من جهد جسمي وعقلي هو أقل قيمة من توزيع المنشورات وإعطاء الحلقات أو القيام بمناقشات، بل هناك فرق شاسع بين القيمتين، قيمة الراحة وقيمة ما يكتبه الله له من عمل على هذا العمل. فيجب أن يصحَّح عندنا وضع قيمة الأعمال الجزئية في الدعوة تصحيحاً يقينياً منبثقاً عن العقيدة الإسلامية لما لهذا التصحيح من أثر على نفسيتنا الإسلامية وعلى قوة الحزب الذي نعتقد أن الأمّة في أشد الحاجة إليه.
وقبل أن ننتهي من كلامنا، أمامنا تساؤلات واستفهامات لا بد من تبيّنها، حيث أننا الآن في مرحلة يكثر فيها الإلحاح على الحزب لضرورة أخذ الحكم مهما كانت الظروف وبأية طريقة كانت، مادية وغير مادية، ولو أدّى ذلك إلى الخروج عن الطريق المتبناة، فإن الأمّة بقدر ما قاست على أيدي حكامها تريد الاستعجال بالتخلص منهم، متناسية ماهية المنقذ أو نوع المنقذين، وما دام الناس يتصورون أن الخلاص ولو من أشخاص الحكام فقط، فيه الفرج وتنفيس كرب، من هنا تجيء خطورة المرحلة ودقتها وذلك بأن يستجيب الشباب إلى طلبات الأمّة ويلحّون هم بدورهم على الحزب بالإسراع بالعمل لأخذ الحكم قبل أن تنضج الثمرة تمام النضج أو قبل أن تدرك الأمّة أن الخلاص الحقيقي والنهضة الحقيقية إنما هي بأخذ السلطان من أيدي الحكام ووضعه في أيدي المؤمنين من أبناء المخلصين الأقوياء ليطبقوا عليها أحكام الإسلام وحدها دون غيرها وأن لا يتركوا للأمّة أن تقرر الطريق للشباب وتملي عليهم ما تريد، فإن ذلك سيؤدي بلا شك إلى الخروج عن أحكام الطريق، وهذا وحده خطر وأيما خطر.
إن الحزب قد تبنى من أول يوم وُجد فيه أنه لا يقوم بالأعمال المادية مطلقاً. جاء في مفاهيم حزب التحرير ما نصه (ولهذا كان لا شأن للكتلة الإسلامية التي تحمل الدعوة بالنواحي العملية ولا تشتغل بشيء غير الدعوة، وتعتبر القيام بأي عمل من الأعمال الأخرى ملهياً ومخدّراً ومعيقاً عن الدعوة ولا يجوز الاشتغال بها مطلقاً). ويقول في المفاهيم أيضاً ما نصه: (ولهذا لا يجوز للكتلة وهي تحمل الدعوة أن تقوم ككتلة بأي عمل من الأعمال الأخرى ويجب أن تقتصر على الفكر والدعوة). فالحزب قد تبنى من أول يوم وُجد فيه أن لا يقوم بالأعمال المادية، وحمل السلاح من قِبل الحزب كحزب. والقيام بأعمال بواسطة السلاح هو قيام بأعمال غير فكرية، قيام بأعمال مادية، وهو لا يجوز للحزب أن يفعله مهما كانت الغاية التي يحمل السلاح من أجلها سواء أكانت لإزالة المنكر أو لتسلم الحكم أو لغير ذلك، ولا يصح أن يقوم إلا بالأعمال الفكرية والأعمال السياسية. فلا يصح أن يقوم بالأعمال المادية مطلقاً لا بالأمس ولا باليوم ولا في المستقبل، فهو مقيَّد بما تبنى، وهو مقيَّد بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذلك فإن الحزب كحزب لن يحمل السلاح من أجل القيام بأعمال مادية لا اليوم ولا في المستقبل، لا لإزالة المنكر ولا لتسلم الحكم ولا لغير ذلك.
فلا بد من الوعي أن طريق الحزب هو طريق الكفاح السياسي وحده ليصل إلى الحكم كما وصل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، لا نخالفه فيه فنهلَك، والله تعالى يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
لقد حمل رسول الله وصحبه الدعوة في مكة في طريق الكفاح السياسي فقط، ورفض رغم إلحاح الصحابة، رفض السماح لهم بمقابلة الأذى بالأذى وقد قالوا له، وكانوا في أواخر أيامهم في مكة، قالوا: يا رسول الله إن أحدنا يمسي ولا يأمن على نفسه أن يصبح، ويصبح ولا يأمن على نفسه أن يمسي، فمُرنا يا رسول الله فلنقابلهم بمثل ما يقابلوننا به، فكان يقول لهم: (لا، لم نؤمر بعد). ومنعهم مع قدرتهم على القتال ومقابلة الأذى بالأذى.
إن السيوف التي كانت في أغمادها مع الصحابة أو الذين بايعوا رسول الله ولم يؤمروا باستعمالها هي هي السيوف التي استعملوها يوم أمرهم الله ورسوله ففتحوا أصقاع الدنيا المترامية ونشروا على ربوعها الإسلام بعدله، نعم هي نفس السيوف مع نفس النفسيات لنفس الصحابة الذين كانوا يعذَّبون وسيوفهم في أغمادها ورماحهم لا يشرعونها، ولو أُمروا بالقتال يومها لاستجابوا لأمر الله.
فليعلم الشباب بأنهم لا يحاسَبون على النتائج أبداً وإنما هي بيد الله وحده، وإنما يحاسَبون على الأعمال بمقدار انضباطهم بالحكم الشرعي سواء أدّى ذلك إلى ما يبتغون من نتائج أو لم يؤد، وسواء أجاء النصر سريعاً أم أبطأ، ومع ذلك فإنه إن طال الزمن أو قصر فإن وعد الله قائم، فهو لا بد ناصر الفئة المؤمنة القادرة على تحمل تبعات الحكم الثابتة ثبوتاً عقائدياً على المبدأ لا تحيد عنه، مهما تعرضت للمناورات أو المؤامرات أو حتى الرغبات الآنية من قِبل الأمّة، ناصر الفئة الصابرة صبر آل ياسر وصبر بلال، الفئة التي تقود الأمّة إلى النهوض والسير في معترك الحياة، المستعدة أن تصمد وبكل ما آتاها الله من قوة أمام كل من يحول دون استمرارها على الطريق وتنكسر على صلابتها ووعيها كل محاولات الدس والخديعة سواء من داخل دولتها الناشئة أو خارجها.
نعم هذه الكتلة هي التي تستحق النصر من الله، إلا أن الله وهو الحكيم العليم لا يؤخر نصره إلا لحكمة هو يعلمها لا ندركها نحن لأنها من المغيَّبات وإنما يدركها علام الغيوب.
فسيروا على بركة الله، واطلبوا العون من الله، وأخلِصوا العمل لله لإقامة سلطان الإسلام وإيجاد الخلافة الإسلامية وتحويل البلاد من دار الكفر إلى دار الإسلام. وصدق الله العظيم حيث يقول:
(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).