بسم الله الرحمن الرحيم
جواب سؤال: كيفية إيجاد الرأي العام؟
السؤال:
لقد جاء في الكتاب المتعلق بإلغاء الحلقة الأسبوعية العامة وإلغاء الالتزام بالتفرغ ليلة في الأسبوع لأن الجهود يجب أن تنصبّ على الغاية من الاتصال الحي، وفُسر ذلك بأن الجهود يجب أن تنصبّ على تكثير الأشخاص وإيجاد الرأي العام. أما تكثير الأشخاص فقد عرفناه بأنه كسب أشخاص للدعوة إما للحلقات أو لتأييد الدعوة والوقوف بجانبها، ولكنا لم نعرف كيفية إيجاد الرأي العام، فهل إعطاء الرأي للأشخاص يوجِد الرأي العام أم أنه لا بد أن يعطى الرأي للجماعة بوصفها جماعة حتى يوجد الرأي العام؟
الجواب:
يلاحظ أن الحكومات تخاف الرأي العام وتحسب حسابه وأنها تقدّر الرأي العام وتعرف قيمته وتدرك أثره، ولذلك نجدها دائمة المراقبة له. وفي أيام الحروب والاضطرابات تكون مراقبتها أكثر وتُسرع على الفور إلى مقاومة كل رأي عام ضدها. وفي أيام السلم تكون مراقبتها أخف ولكنها إذا أحست بأن هناك أفكاراً تُبث فيها خطر عليها إذا صارت رأياً عاماً فإنها تبادر على الفور إلى مقاومتها ومنعها من أن تصبح رأياً عاماً ضدها، وكذلك إذا لاحظت بأن هناك آراء وأخباراً توجِد رأياً عاماً ضدها فإنها أيضاً تبادر إلى مقاومتها ومنعها. ففي الحرب العالمية الثانية كنا نشاهد الحكومات المتحاربة تراقب الرأي العام أشد المراقبة وتمنع انتشار الأخبار والآراء والأفكار التي فيها خطر عليها إذا صارت رأياً عاماً، وبعد الحرب العالمية الثانية حين صار التوافق بين أمريكا وروسيا على بث أفكار التحرر والاستقلال والتقدم في البلاد المستعمَرة وقَصدت روسيا تصفية الاستعمار وقَصدت أمريكا تغيير طريقة الاستعمار لتحل هي محل الدول الاستعمارية الأخرى، ولمقاومة ذلك أخذت الدول الاستعمارية الأخرى هذه مقاومة هذه الأفكار إما عن طريق منعها ومقاومتها، وإما عن طريق محاولة تثبيتها وإعطائها مفهوماً خاطئاً وواقعاً متناقضاً لحقيقتها.
وحين ظهر حزب التحرير في المنطقة يحمل فكرة الدولة الإسلامية أجمعت الحكومات كلها على مقاومته ومنع آرائه من أن تصير رأياً عاماً، وحين بُعث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لم تأبه به قريش في أول الأمر، ولكن حين أحست بخطر أن تصبح رسالته رأياً عاماً وأن يعتنقها كثيرون، بادرت إلى مقاومتها ومنعها من أن تصبح رأياً عاماً. وهكذا فإن كل حكومة تقاوم كل فكر أو رأي أو خبر يمكن أن يصير رأياً عاماً ضدها. فما هي الكيفية التي تسلكها هذه الحكومات كلها في مقاومة الرأي العام؟
والجواب على ذلك هو أنه يلاحظ أن الحكومات تسلط عملها في مقاومة الأفكار والآراء من أن تصبح رأياً عاماً على منعها التحدث بها في الأمكنة العامة سواء كان حديثاً مباشراً كالخطابة والحديث العادي أو كان حديثاً غير مباشر كالكتابة في الصحف والمجلات والنشرات والكتب. فعملها كله مسلط على منع الحديث في الأمكنة العامة. وأما الحديث في غير الأمكنة العامة فإنها لا تجعله غايتها ولا تهتم به. صحيح أنها قد تقوم بمنع الحديث في الأمكنة الخاصة ولكن ذلك نادر جداً إلاّ من الحكومات التي تدرك معنى الحكم ويكون حوادث فردية معدودة لا تشكل طريقة من طرق المقاومة ولا أسلوباً من أساليبها ولا وضعاً من أوضاعها، فلا تعتبر عملاً من أعمال الحكومات في مقاومة الأفكار حتى لا تصير رأياً عاماً. وبالنسبة للحزب فإن الحكومات تسلط عملها على منع الحزب من التحدث في الأمكنة العامة، فتمنع المنشورات والصحف والكتب والخطابة والحديث العام في الشارع والمسجد والمقهى وغير ذلك. وأما منع الحكومات للحلقات أو الأحاديث في الأمكنة الخاصة فإنه لم يكن موضع اهتمام لديها، وما حصل من حوادث فردية في بعض البلدان فإنما هي حوادث نادرة وليست مبنية على ترتيبات وتعليمات من الحكومة، فلا تعتبر من أعمال مقاومة الحكومة للأفكار حتى لا تصير رأياً عاماً. والواقع أن الأعمال في الأمكنة الخاصة كالحلقات وأحاديث البيوت لم يجر منعها. ولو أرادت الحكومات أن تمنع الحلقات كما منعت الخطابة والأحاديث العامة لاستطاعت ذلك أو على الأقل لاستطاعت أن تمنعها إلى الحد الذي حدث بالنسبة للمنشورات. فعدم عنايتها بمنع الأفكار والآراء والأخبار في الأمكنة الخاصة معناه أن الحكومات طريقتها في مقاومة الأفكار من أن تصبح رأياً عاماً هي أن تمنع التحدث بالأفكار والآراء والأخبار في الأمكنة العامة.
وهذا أيضاً يشاهَد في السيرة النبوية، فإن قريشاً كانت حريصة على منع الرسول عليه السلام من التحدث في الأمكنة العامة، فكانوا أولاً يأتون بمن يجلس ليحدّث الناس ضد حديثه ثم أخذوا ينالونه بالأذى ليمنعوه من أن يحدّث الناس في الأمكنة العامة، وكانوا يمنعون أبا بكر من أن يصلي في مسجده الذي بناه في باب بيته ويطلبون إليه أن يصلي في بيته. ومن هذا كله يتبين أن طريقة منع الأفكار التي سلكها الحكام في كل زمان ومكان هي منع التحدث في الأمكنة العامة، وهذا يدل على أن التحدث إلى الناس في الأمكنة العامة هو الذي يؤثر ويوجِد الرأي العام. وعليه فإن الرأي العام إنما يتكون من التحدث إلى الناس في الأمكنة العامة. وبناء على هذا فإن كيفية إيجاد الرأي العام هو التحدث إلى الناس في الأمكنة العامة. غير أن الأمكنة العامة قد يكون فيها الحديث مع شخص أو أشخاص حديثاً خاصاً كأن يتحدث إلى أشخاص في مقهى على طاولة منفردة، وهذا وضع ليس من شأنه أن يسمح لمن في المقهى أن يأتوا إلى الطاولة أو يسمعوا الحديث أو أن يتحدث إلى مريض في مستشفى حديثاً خاصاً، ولهذا فإن مثل هذا الحديث إلى الناس ليس مما يتكون به الرأي العام، فلا بد أن يكون التحدث جهراً بحيث يتأتى سماع الحديث لكل من يريد سماعه. وأيضاً فقد يتحدث في الطريق أو المسجد أو في المقهى حديثاً لمن يريد سماعه أن يسمعه ولكنه يعطي أفكاراً عامة ويحاول إخفاء ما يريد، فهذا ليس مما يتكون به رأي عام لأنه قد لا يدركه من يسمعه لو أراد سماعه، فلا يتأتى أن ينقله إلى غيره، ولذلك لا بد أن يكون الحديث صريحاً واضحاً. وأيضاً قد يتحدث حديثاً صريحاً واضحاً ولكنه حين يشاهد عيناً من عيون الحكومة يسكت أو حين يصل إلى بحث يعرف أن السامع لا يوافق عليه يتحفظ في الحديث، فهذا لا يشكل رأياً عاماً، بل لا بد أن يكون الحديث ليس فيه تحفظ حتى تعطى الفكرة كاملة كما هي فتُنقل مجملة أو مفصلة كما هي، ولذلك لا يصح أن يكون هناك أي تحفظ في الحديث، وعلى ذلك فإن كيفية إيجاد الرأي العام هي التحدث جهراً إلى الناس في الأمكنة العامة حديثاً صريحاً ليس فيه تحفظ. إلاّ أن هذا التحدث على هذا الوجه يشمل أمرين:
أحدهما الحديث غير المباشر كالصحف والمنشورات والكتب، والثاني الحديث المباشر كالخطابة والحديث العادي. والحديث غير المباشر يوجِد رأياً عاماً ولكنه لا يوجِد وعياً عاماً ولا تبنى به قاعدة شعبية. والرأي العام الذي نريد إيجاده إنما نريده أن يكون منبعثاً عن وعي عام ونريد أن نبني به قاعدة شعبية، وهذا لا يتأتى إلا بالاتصال الحي، فلا يتأتى إلاّ بالحديث المباشر أي بالتحدث الشخصي. وعلى ذلك فإن كيفية إيجاد الرأي العام المطلوب إيجاده في الكتاب المذكور هي: التحدث الشخصي جهراً إلى الناس في الأمكنة العامة حديثاً صريحاً ليس فيه تحفظ. وهذا هو الذي يسمى الاتصال الجماهيري. فتكون كيفية إيجاد الرأي العام المطلوب هي القيام بالاتصال الجماهيري.
إلاّ أنه ينبغي أن يُعلم أن مدلول الاتصال الجماهيري هذا لا علاقة له بما يتردد في هذه الأيام من ألفاظ الجماهير وقيادة الجماهير وعفوية الجماهير وما شاكل ذلك، وإنما هو واقع معين قد وُضع للدلالة عليه تعبيراً الاتصال الجماهيري. وأما ما يتردد في هذه الأيام فهو ألفاظ منقولة عما كتبه الغربيون عن الجماعات وإقامتها وتكوّنها في كتب "علم النفس والاجتماع" وهذه الألفاظ التي تتردد في هذه الأيام خطأ من ناحيتين، إحداهما أن علماء النفس والاجتماع حين كتبوا هذه المواضيع قد كتبوها بناء على كونها وقائع جزئية حدثت فقاسوا عليها جميع الوقائع قياساً شمولياً فكانت خطأ، فهي من قسم القياس الشمولي، وأيضاً فإن بعضها قد كُتبت بناء على استنتاجات منطقية لا على إحساس بواقع، والاستنتاج المنطقي فيه قابلية الخطأ، فهي عبارة عن نظريات فقط استُنتجت استنتاجاً منطقياً فاتخذها قواعد، وبناء أعمال عليها خطأ ولا شك، ولذلك لا يصح أخذها. والناحية الثانية أن هؤلاء الذين يرددونها يحاولون تطبيقها على وقائع غير الوقائع التي جُعلت نظريات لها، فيرتكبون خطأ التطبيق على فرض صحة النظريات، ولذلك يتناقضون فيقولون تارة الجماهير السطحية ويقولون تارة الجماهير قد أصبحت واعية، والوعي يتنافى مع السطحية. ولهذا لا يصح الالتفات إلى ما يقال عن الجماهير وعن موضوع الجماهير من قِبل المتأثرين بالثقافة الغربية، وإنما يُنظر إلى الواقع، والواقع أن الجمهور معناه الجماعة المتجمعة آنياً، والجماهير معناها الجماعات المتجمعة تجمعاً آنياً. والأمكنة العامة عادة تكون فيها الجماعات المتعددة ونادراً ما يكون في الأمكنة الخاصة جماعات متعددة وإن كان قد توجد فيها جماعة ولكن لا تصل إلى أن يطلق عليها جمهور، والمقصود هنا ليس التحدث إلى الجماعة، أي جماعة، وإنما التحدث إلى الجماعات المتعددة المتجمعة تجمعاً آنياً. وعليه فإن الصواب هو أن يقال عن التحدث إلى الناس في الأمكنة العامة الاتصال الجماهيري. ولهذا صح أن يقال إن كيفية إيجاد الرأي العام إنما هو القيام بالاتصال الجماهيري. وهنا ينبغي أن يُلفت النظر إلى أمرين:
أحدهما أن الاتصال الجماهيري ليس التحدث إلى الجماعة أو الجماعات وإنما التحدث إلى الناس في المكان الذي من شأنه أن توجد فيه الجماعات، أي الجماهير، سواء أكان الحديث لشخص واحد أو لجماعة أو لجماعات، أي التحدث في الأمكنة العامة، وعلى ذلك فالتحدث لجماعة في مكان خاص كأن يتحدث إلى جماعة في بيت خاص، لا يعتبر جماهيرياً وليس هو مما يتكون به الرأي العام، ولكن التحدث إلى شخص واحد في دكان مطروق أو في الطريق العام يعتبر اتصالاً جماهيرياً، وهو مما يتكون به الرأي العام. فالعبرة بمكان الحديث ووضعيته لا بالجماعة أو الفرد. ولذلك تجد الحكومات حين تريد منع إيجاد رأي عام إنما تمنع من الكلام في الأمكنة العامة ولو مع شخص واحد ولا تمنع الكلام في الأمكنة الخاصة ولو إلى جماعة، وما يحصل في حالة الطوارئ من غشيان بعض البيوت لمنع اجتماع، إنما هو نادر وحوادث فردية فلا تشكل أسلوباً، وفوق ذلك فالمنع هو لمنع التآمر وليس لمنع إيجاد رأي عام.
الأمر الثاني أن الاتصال الجماهيري ليس التحدث إلى المجتمع فيحاوَل ملاحظة نوع العلاقات القائمة بين الناس، وإنما التحدث إلى الناس لتحميلهم أفكاراً أو آراء أو أخباراً يتحدثون بها، فالغاية حملهم على الحديث بهذه الأفكار والآراء، ولذلك لا يفرق بين مدينة وقرية ولا بين حي الأغنياء وحي الفقراء ولا حي مسلمين وحي غير مسلمين ولا بين مجتمع رأسمالي ومجتمع إسلامي، بل يُسار في كل مكان ومع كل جماعة سيراً واحداً، من حيث أنك تتحدث في مكان عام بغض النظر عن أي اعتبار. هذا هو واقع الاتصال الجماهيري وهو التحدث الشخصي جهراً إلى الناس في الأمكنة العامة حديثاً صريحاً واضحاً ليس فيه تحفظ. وهذا الاتصال الجماهيري يكون في أوضاع كثيرة منها:
التحدث جهراً في الطريق.
التحدث جهراً في المقهى.
التحدث جهراً في المسجد.
التحدث جهراً في المضافة والديوان.. الخ.
التحدث جهراً في دوائر الحكومة.
التحدث جهراً في المسبح المطروق لا على شاطئ البحر أو النهر غير المطروق.
التحدث جهراً في السيارة والقطار والطائرة.. الخ.
التحدث جهراً في المستشفى والعيادة الطبية.
التحدث جهراً في المنتزهات العامة.
التحدث جهراً في محطات الإذاعة والتلفزيون ومكبرات الصوت.
فهذه كلها أوضاع يحصل فيها الاتصال الجماهيري، ويمكن للشخص أن يختار الوضع الذي يريد والذي يمكن أن يتاح له. أما أنواع الاتصال الجماهيري فإنها محصورة فيما يتعلق بالنطق بلسان، فمن أنواعه الخطابة ومن أنواعه التكلم العادي ومن أنواعه المناقشة ومن أنواعه إلقاء محاضرة ومن أنواعه القيام بالمناظرة. وهذه كلها أنواع ميسورة، فمن لم يتيسر له أن يخطب يتيسر له الحديث العادي، ومن لم يتيسر له إلقاء محاضرة أو مناظرة تتيسر له المناقشة. أما أساليب الاتصال الجماهيري فلا حصر لها وإنما يعيّنها واقع الاتصال، فقد يستعمل الشخص أسلوب الاعتراض على عمل أو على رأي قد يستعمل السؤال عن شيء أو عن عمل أو عن رأي، وقد يُلفت النظر إلى شيء أو إلى عمل أو إلى رأي، وقد يبدي التأييد لرأي أو لعمل، إلى غير ذلك من الأساليب التي يمكن أن يؤدي فيها الإبداع إلى ثمرات ملموسة وقد يقصر الزمن اللازم لإيجاد الرأي العام.
هذه هي كيفية إيجاد الرأي العام المطلوب إيجاده وهي القيام بالاتصال الجماهيري في أي وضع من أوضاعه الكثيرة وبأي نوع من أنواعه المتعددة وبأساليب يتجلى فيها الإبداع.
6 من شهر ربيع الثاني سنة 1383
الموافق 25/8/1963