بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال: عن البيعة

لقد درستُ موضوع أخذ البيعة لرجل على غرار بيعة العقبة الأولى فوجدتُ ما يلي:

1- أن الاثني عشر الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وافوا الموسم فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوه على بيعة النساء، وذلك قبل أن يُفترض عليهم الحرب، فتكون هذه البيعة قد أصبحت غير كافية بعد افتراض الحرب، عن عبادة بن الصامت قال: كنت في من حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلاً فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يُفترض علينا الحرب.

2- إن نص بيعة العقبة الأولى هو (على أن لا نُشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فإن وفّيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء غفر وإن شاء عذب). وقد أنزل الله في المدينة العقوبات التي فرضها على المؤمنين في الدنيا من حدود وجنايات وتعزير، فمن غشي من ذلك شيئاً لا يُترك من أمره إلى الله، وإنما يؤخذ بذنبه في الدنيا ويعاقَب.

3- إن الله قد افترض على المسلمين إذا كانوا جماعة أن يؤمِّروا عليهم أميراً، لا أن يبايعوا واحداً منهم، عن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَحِلّ لثلاثة أن يكونوا بفلاة من الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدهم)، وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا عليهم أحدهم)، وأخرج البزار بإسناد صحيح من حديث عبدالله بن عمر بلفظ (إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم)، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم)، فهذه الأحاديث تبين طريقة إقامة الجماعة من يتولى شؤونها وهي تأمير واحد منهم وليست بيعة أحدهم.

4- إن أحاديث البيعة التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة كلها خاصة في بيعة الإمام، أي الخليفة، (ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنياه) الحديث، (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه) الحديث، (إذا بويع لخليفتين) الحديث، (وستكون خلفاء فتَكثُر) قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (فوا ببيعة الأول فالأول) الحديث، وغير ذلك من الأحاديث فإنها كلها تدل دلالة صريحة على أن البيعة إنما هي للخليفة وأنها طريقة نصب الخليفة.

5- إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين جاء إلى المدينة وتولى الحكم قد أخذ البيعة ثانية على الذين أخذها منهم في بيعة العقبة الأولى، عن عبادة بن الصامت قال: "دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايَعَنا، فقال فيما أخذ أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا" الحديث، وعبادة بن الصامت كان من الاثني عشر الذين بايعوا بيعة العقبة الأولى.

6- إن قول الرسول: (من مات وليس في عنقه بيعة) خاصة ببيعة الإمام، أي الخليفة، فإنه قال: (في عنقه بيعة) ولم يقل: "لم يبايِع" فهو كناية عن أن يكون له إمام، أي خليفة، تجب عليه طاعته. وهذا يعني أن كلمة بيعة إنما يراد منها بيعة الخليفة. فهذه النصوص تدل على أن بيعة العقبة الأولى قد أصبحت غير كافية بافتراض الحرب وبكونها لا بد أن تكون بيعة حكم على الطاعة بأخذها ثانية ممن أُخذت منهم في المرة الأولى، ويكون موضوعها قد شرع الله له عقوبات ولم يبق أمر العمل بأحكام الإسلام إلى الله يوم القيامة إن شاء غفر وإن شاء عذّب. وتدل على أن طريقة نصب رئيس أو قائد على جماعة هي تأميره وليس بيعته، وتدل على أن البيعة إنما هي طريقة لنصب الخليفة ليس غير ولا تكون طريقة لنصب غير الخليفة ولا ينصّب الخليفة إلا بها. وهذا كله يدل على أن طريقة هؤلاء طريقة خاطئة مخالِفة لنصوص الشرع، فالبيعة لا تكون إلا للخليفة، وطريقة الإسلام في نصب رئيس أو قائد لجماعة إنما هي تأميره عليهم. ومن سلك طريقاً غير ذلك في استعمال البيعة لغير الخليفة وفي نصب رئيس عن غير طريق التأمير فقد خالف الشرع.