بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال

إن الحزب هو تكتل يقوم على مبدأ آمن أفراده به يراد إيجاده في المجتمع، وحزب التحرير ينطبق عليه هذا التعريف للحزب، فهو تكتل يقوم على الإسلام بوصفه مبدأ ويراد إيجاده في واقع العالم الإسلامي ثم تركيزه وحمايته والسير به في الطريق التصاعدي، والحيلولة دون تأويله ودون هبوط المجتمع الإسلامي، وهذا لا يتأتى له إلا إذا كان حزباً سياسياً، أي تكتلاً يرعى شؤون الناس، إلا أنه يتولى رعاية شؤون الناس بالفكر وحده إذا لم يكن في الحكم، ويرعى شؤونهم بالفكر والعمل إذا كان هو الذي يتولى الحكم، وفي كلتا الحالتين يجب أن تظل الناحية السياسية بارزة عليه بشكل ظاهر بحيث يبعد على أي فرد من الناس أن يرى فيه الناحية الروحية وحدها مع أنها هي أساسه، ويبعد على أي واحد أن يلاحظ الناحية الثقافية وحدها مع أنها المظهر الذي يميزه عن سواه، ولكن كل واحد يشاهد الناحية السياسية وحدها هي التي تبرز عليه بشكل ظاهر، وذلك لأنه حزب سياسي ليس غير.

إلا أنه من المعلوم أن السياسة هي رعاية شؤون الناس، وليست قراءة الصحف ولا سماع الأخبار، ولا التعليق عليها، والإحاطة بالمعلومات السياسية، وإن كانت هذه وأمثالها من لوازم السياسي كخبزه اليومي سواء بسواء. وما دامت السياسة هي رعاية شؤون الناس فإنه من الضروري معرفة ما الذي يجعل الشخص، سواء أكان كتلة أو فرداً من الناس، قادراً على رعاية شؤون الناس، أي قادراً على الاشتغال بالسياسة. فشؤون الناس يقوم برعايتها عملياً الحكام، ويقوم برعايتها سياسيون، ويقوم برعايتها كتل سياسية. وهؤلاء وأمثالهم لا يتصدرون للأعمال السياسية إلا إذا كان لهم وجود سياسي في البلد، أي عرف الناس والحكام أنهم يشتغلون بالسياسة. وحتى يعرف الناس هؤلاء الأشخاص أنهم سياسيون لا بد أن يوجَدوا بين الناس بوصفهم ممن يشتغل بالسياسة، فهذا الوجود هو الذي يعطيهم أنهم سياسيون، ويعطيهم الحق برعاية شؤون الناس، أي بأن يشتغلوا بالسياسة.

ولمّا كانت السياسة هي أعمالاً جارية وأفكاراً من أعمال جارية، فإنها تكون التاريخ الذي يجري في الوقت الحاضر، ومن هنا كانت السياسة التي مرت وانتهت تاريخاً، وكان التاريخ الذي يجري سياسة. فالتاريخ كان سياسة. والسياسة ستصبح تاريخاً.

إلا أن هذه الأعمال الجارية والأفكار المتعلقة بها إنما تصل عادة إلى الناس وإلى الأشخاص عن طريق الأخبار، وكان فهمها يتأتى عن سعة الأخبار والإحاطة بها وتتبعها، لذلك كانت ألف باء السياسة هي قراءة الأخبار وسماعها. فالسياسي، أي سياسي، لا يمكن أن يكون سياسياً إلا إذا كان لديه أخبار، ومحيطاً بالأخبار، ومتتعباً للأخبار، وهذه الأخبار تأتي عن أعمال، أو أفكار متعلقة بالأعمال، فلا بد من معرفة هذه الأعمال وهذه الأفكار، وكل ما يتعلق بها، وهذا ما يسمى بالمعلومات السياسية. فإذا سُمع خبر أن بريطانيا تجري انتخابات مرتين في سنة واحدة، فلا بد أن تكون لديه معلومات سياسية عن بريطانيا في وضعها السياسي، وعن أسباب إعادة الانتخابات حتى يدرك أن بريطانيا في حالة اضطراب وحالة إعياء، من جراء ضربات خارجية أو داخلية. فالمعلومات السياسية، وإن كانت في أصلها أخباراً، أو تاريخاً، ولكنها تصبح جزءاً من الخبر عن العمل أو عن الفكر الذي يتعلق به، فتكون من السياسة، ما دامت تتعلق بالخبر. ومن هنا كانت الأخبار بما في ذلك المعلومات السياسية هي التي تكوّن السياسي، وهي التي بها يتمكن المرء من رعاية الشؤون، أي من أن يشتغل بالسياسة.

إلا أنه لما صار لهذه الأخبار والمعلومات السياسية من القيمة والرواج، برزت أهميتها وأُعطيت عناية فائقة من بعض الناس، فوجدت الصحف ووجدت وكالات الأنباء ووجد المعلقون السياسيون، وصار لهؤلاء وزن بين الناس لأنهم يملكون الأخبار. وبالرغم من أن الأخبار هي السياسة تقريباً لأنها التي تكوّنها، فإن الذين يرعون شؤون الناس، سواء أكان ذلك قولاً أو فعلاً، فإنهم يربأون بأنفسهم عن أن يكونوا صحفيين أو معلقين، ولا يرضون أن يُحشروا في زمرة هؤلاء، لأن هؤلاء يقدّمون لهم المادة التي يصنعون منها السياسة، أي يقدمون لهم الأخبار فهم خدم للسياسيين، والوسيط في جلب بضاعة السياسة لهم، لذلك وُجد في الناس سياسيون ووُجد صحفيون، وأحدهما غير الآخر، ووُجد معلقون سياسيون، ووُجد معلقون صحفيون، وأحدهما غير الآخر. وقد يرتفع الصحفي إلى مستوى أن يكون سياسياً، وقد ينخفض السياسي إلى مستوى أن يكون صحفياً أو معلقاً صحفياً، ولكن لا بد أن يؤدي في النهاية إلى ترك الصحافة وترك السياسة، لأن الشخص لا يكون صحفياً وسياسياً في وقت واحد، فإما أن يكون صحفياً وإما أن يكون سياسياً.

وشباب حزب التحرير يُعتبرون سياسيين عمليين لا سياسيين نظريين ولا صحفيين. فهم وإن كان لا بد من أن يبذلوا العناية الفائقة في تتبع الأخبار والإحاطة بها، وجعلِها خبزهم اليومي، ولكنها يجب أن تكون لديهم وسيلة لرعاية شؤون الناس، لأنهم سياسيون وليسوا صحفيين. وفوق ذلك فهم حملة دعوة، وأصحاب فكرة، وليسوا معلمين، ولا أئمة مساجد. لذلك لا بد أن يظلوا سائرين في رعاية الناس بالفكرة وبحمل الدعوة، ولا يجعلوا للأخبار السياسية والمعلومات السياسية إلا كونها الأداة التي نقلت إليهم الأعمال أو الأفكار المتعلقة بها، ولا يصح أن تزيد قيمتها لديهم عن كونها الوسيط لنقل البضاعة مهما علا كعب ناقلها، ومهما عظم شأنها.

فالصفة التي يتصف بها شباب الحزب هي أنهم سياسيون عمليون، أو بعبارة واحدة هم سياسيون، بل الذين عملهم في الحياة هو السياسة. صحيح أنهم لا يرتزقون بالسياسة، ولا يحصرون أعمالهم بالسياسة، ولكنهم سياسة تمشي في الطريق حتى أثناء قيامهم بعملهم الذي يرتزقون منه. فهم قبل الحكم سياسيون، وبعد الحكم سياسيون، أي هم سياسيون سواء كانوا في الحكم أو خارجه، أي هم الذين يرعون شؤون الناس.

وشؤون الناس تختلف باختلاف الأوضاع، وتتفاوت في الرتب والارتفاع. فكون الطعام قد ارتفع سعره، من شؤون الناس، وكون نقد الدولة قد انحطت قيمته الشرائية، من شؤون الناس، وكون الحاكم يرعى شؤون رعايته بحسب مصلحة دولة أجنبية، من شؤون الناس، وكون المواسم الزراعية قد أصابها الاضمحلال، أو ساد البلاد قحط، هو من شؤون الناس، وكون أمريكا تراجعت في مسألة قبرص خوفاً من روسيا، هو من شؤون الناس، وكون روسيا تحاول أن تنشئ علاقات مع أوروبا الغربية، هو من شؤون الناس. وهكذا، فالسياسي يرعى هذه الشؤون، وهذه الشؤون لا يعرفها إلا عن طريق الأخبار، فكان هذا السياسي محل إحاطة بالأخبار، ليرعى شؤون الناس. فالأخبار لم تكن له العمل الذي يقوم به، ولكن العمل الذي يقوم به لا يتأتى إلا بها، فصار يختلط في بعض الأذهان معنى السياسة، وصار الكثيرون يعتبرون قراءة الأخبار وسماعها هو الاشتغال بالسياسة.

إن شباب حزب التحرير هم حملة دعوة وأصحاب فكرة، فعملهم حمل الدعوة الإسلامية، والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وفي حالة استئنافها يكونون قوّامين على المجتمع للحيلولة دون انحداره أو تغييره، فعملهم هو العمل لفكرتهم، سواء أكان بحملها للناس، أو بتثقيفهم بها، أو بهدايتهم لما تحويه وتهدف إليه. إلا أن هذا العمل إنما هو في ذاته رعاية شؤون الناس، أي هو في ذاته سياسة، لذلك لا بد أن يكون شباب حزب التحرير سياسيين، وما لم يكونوا سياسيين فإنهم لا يمتّون إلى حزبهم بصلة ولو انتسبوا إليه.

إلا أن ما يجب أن يكون واضحاً أن السياسة ليست هي الأخبار السياسية، ولا المعلومات السياسية، وإن كان لا توجَد السياسة إلا بهذه الأخبار والمعلومات. ورعاية الشؤون التي يقومون بها ليست مجرد رعاية شؤون لما فيه مصلحة الناس وما فيه الصلاح لهم، بل هي رعاية شؤون الناس بمبدأ الإسلام لأن المصلحة هي ما يقول بها الإسلام، ولأن الصلاح إنما هو بما جاء به الإسلام. فهم إذن سياسيون، ومن نوع معين، خاص، وليسوا تجار أخبار. لذلك لا بد أن يكون واضحاً لديهم أن عملهم هو رعاية شؤون الناس، وبمبدأ الإسلام. ولكنهم لا يستطيعون ذلك إلا إذا كانت لديهم الأخبار والمعلومات، فالأخبار والمعلومات السياسية هي الخبز اليومي، وهي التي تمكّن من فهم السياسة، ومن الاشتغال بالسياسة، ولكنها ليست هي السياسة، ولا الأعمال السياسية.

ولهذا فإن واجب الشباب أن يسمعوا الأخبار يومياً بقدر ما يستطيعون، وأن تكون لديهم المعلومات السياسية عن أكثر ما يمر بهم من الأخبار، وأن يقرأوا الأخبار السياسية بشكل واسع ومستفيض. ولكن ذلك يجب أن لا يرتفع عن كونه وسيلة للسياسة، الوسيط لبضاعة السياسة. ورعاية شؤون الناس هي وحدها السياسة، فسماع الأخبار ضروري ولازم، لكن الحديث مع الناس يجب أن يكون حديث سياسيين بمعنى أن لا نتصدى لنقل الأخبار والتعليق عليها، بل نأخذ الخبر والمعلومات السياسية من أجل رعاية شؤون الناس. فمثلاً حين يجري الحديث عن "ووترغيت" ونيكسون، يبيَّن بأن هذا دليل على فساد النظام الديمقراطي، لأن المقصود هو استقامة الحاكم وليس عزله، فنظام الإسلام جَعَل للناس محاسبة الحاكم من أجل استقامة الحكم، فهو يحاسِب الحاكم بشكل دائم من أجل أن يظل مستقيماً. وهكذا كل خبر يُجعل الحديث عنه من رعاية شؤون الناس.

6 من شهر رمضان سنة 1394

22/9/1974