بسم الله الرحمن الرحيم
جواب سؤال
- السؤال:
هل حزب التحرير مجتهد أو مقلِّد، عامي أو متبِع، وما هو موقفه تجاه الأفكار في العالم واتجاه المعالجات والقوانين؟
- الجواب:
حزب التحرير تكتل يقوم على مبدأ آمن أفراده به، يراد إيجاده في المجتمع، في بقعة من الأرض، ثم في جميع أنحاء العالم. فهو ليس مجتهداً ولا مقلداً، وإنما هو تكتل يقوم على الإسلام بوصفه مبدأ يريد إيجاده في المجتمع ثم في العالم. فهو مجموعة أفراد ومجموعة أجهزة تكتلت على الإسلام بوصفه مبدأ، ويتعسر بل يتعذر أن يوصف التكتل بالاجتهاد أو التقليد. فلا يصح ولا يتأتى أن يكون مجتهداً أو مقلداً. إنما يتبنى الحزب أفكاراً وأحكاماً من الشرع الإسلامي يدعو لها ويعمل لتطبيقها. إلا أن هذه الأحكام والأفكار لا يأخذها إلا من مجتهدين إما من أعضائه، أي من أفراد التكتل، وإما من غيرهم من الأحياء والأموات سواء. وتبنيه لها ليس بناء على المصلحة، ولا حسب صلاحيتها للمعالجة، وإنما يأخذها ويتبناها باعتبارها جاء بها الوحي أو مستنبَطة مما جاء به الوحي، ولذلك تبناها حسب قوة الدليل ليس غير. فإذا كان دليلها قوياً تبناها، وإذا كان دليلها ضعيفاً نبذها ولو كانت شائعة لدى المسلمين، ولو كانت تعالِج المشكلة، ولو كانت المصلحة في تبنيها، لأن تبني الحزب للأفكار والأحكام إنما هو مبني على قوة الدليل، أي على كونها جاء بها الوحي، أو مستنبَطة مما جاء به الوحي.
والحزب يقوم على الفكرة وحدها، أي على مبدأ الإسلام حسب فهمه هو لأفكاره وأحكامه، فالفكرة وحدها هي التي يقوم عليها، فهي سر حياته، وهي وحدها التي تجعله حياً، وتجعل حياته دائمة بل خالدة. فهو لا يقوم على الأشخاص مهما أوتوا من العلم والجاه والقوة، ولا يهتم بكثرتهم أو قلتهم، ولا يقوم على تأييد الناس له، قلّ هذا التأييد أو كَثُر، ولا يقوم على ما يوفر له القدرة على العمل مهما كان هذه القدرة مغرية بالتسهيل والتيسير، والتقدم والارتفاع، ولا يقوم على ما يقربه من الحكم أو يسهل له أن يتولاه وإنما يقوم على شيء واحد هو الفكرة.
ويعتبر هذه الفكرة سر حياته، أي روحه التي يحيا بها, والتي إذا فقدها مات. فالفكرة هي أساس وجوده، وهي أساس حياته، وهي أساس سيره. ولذلك يُعنى بالفكرة وحدها، والتي إذا فقدها مات. فالفكرة هي أساس وجوده، وهي أساس حياته، وهي أساس سيره، ولذلك يُعنى بالفكرة وحدها، ويوجه همّه كله نحو الفكرة، ويعتبر جُلّ أعماله متعلقاً بالفكرة سواء من حيث التبني أو من حيث النشر أو من حيث التطبيق أو من حيث ما يتطلب بناء المجتمع أو يستلزم إقامة الدولة، أو يقتضي إنهاض الأمّة، أو يستوجب حمل الرسالة إلى العالم. وإذا كان يعمل لإقامة الدولة وبناء المجتمع وإنهاض الأمّة وحمل الرسالة إلى العالم، فإنما يعمل بالفكرة ومن أجل الفكرة. فالفكرة هي كل شيء في حزب التحرير.
وهو يقصد بالفكرة، الفكرة الإسلامية، من حيث كونها عقيدة عقلية مبنية على الأساس الروحي، ومن حيث كونها فكرة سياسية، لا فكرة دينية روحية فحسب، ولا فكرة تشريعية فقط، ولا فكرة عقلية محضة، بل من حيث كونها فكرة سياسية. ولذلك فهو ليس حزباً دينياً بالمعنى الروحي فحسب، ولا فكرة سياسية بمعنى رعاية الشؤون فقط، وإنما باعتبارها فكرة عن الكون والإنسان والحياة، وما قبلها وما بعدها، وما يتعلق بالحياة، على وجه يؤدي إلى تطبيقها على الناس وفي المجتمع ويؤدي إلى نشرها في العالمين. ولذلك فهو حزب سياسي مبدؤه الإسلام، ولا يصح أن يوصف بغير هذا الوصف.
ولمّا كانت هذه الفكرة، أي الفكرة الإسلامية، هي وحدها سر حياته، فإنه يتبناها على أساس يقيني مقطوع به، فعلى من ينضم إليه ألاّ ينضم إلا إذا كان موقناً بشكل قطعي بأنه تكتل يقوم على الإسلام فعلاً، وأن أفراده يؤمنون بمبدئه وهو الإسلام، وأنهم يريدون إيجاده، أي الإسلام، في المجتمع، أي لا ينضم إليه إلا بعد الإيمان الجازم المقطوع به بهذا الحزب. وعلى من يؤيده أن لا يؤيده إلا إذا غلب على ظنه أنه على الحق في إجماله، بغض النظر عن التفاصيل، فالانضمام إليه شرطه الاعتقاد الجازم، وحكمه حكم الإيمان بالإسلام، وتأييده شرطه شرط أخذ الحكم الشرعي، يكفي فيه غلبة الظن أنه قائم على الإسلام، ويعمل للإسلام، وحكمه حكم العمل بأحكام الإسلام.
وحزب التحرير قد وضع قاعدة لتبني الأفكار والأحكام. فبالنسبة للأفكار المتعلقة بالعقائد، لا يتبناها إلا إذا قام الدليل القاطع على صحتها وصدقها، سواء أكان الدليل مما جاء به الوحي أو دليلاً عقلياً حسب فهمه لمعنى العقل. وأما الأحكام فإنه لا يشترط ثبوتها بشكل قاطع، بل يكفي أن يغلب على صحتها وصدقها، وهو لا يكتفي بالنصوص، ولا بفهم هذه النصوص، وإنما يشترط إلى جانب ذلك انطباقها على الواقع الذي جاءت به النصوص. ولذلك فإنه يدرس الواقع دراسة اجتهاد، ويدرس النص دراسة اجتهاد، ثم يطبق الحكم الذي استنبطه من النص على الواقع الذي درسه، فإن انطبق عليه أخذه، وإن لم ينطبق عليه تركه وبحث عن الحكم الذي ينطبق عليه حتى يجده، فإن انطبق عليه تبناه، وإن لم ينطبق عليه ولم يعرف حكماً ينطبق على هذا الواقع، فإنه إما أن لا يتبناه، وإما أن يتبنى أنه ليس من أحكام الإسلام.
والحزب ما دامت الفكرة هي سر حياته، وما دام أنه إنما يعمل بالفكرة، ومن أجل الفكرة فإن أخذه للسلطة إنما هو طريقة لتطبيق الفكرة، وليس طريقة للفكرة. فطريقة تبني الفكرة هي أخذها من المجتهد على شرط الحزب، ثم تبنيها وإلزام كل شاب في الحزب أن يتبناها. وطريقة نشر الفكرة، إنما هي الكيفية التي جاء بها الرسول عليه السلام في نشر الفكرة، سواء بأقواله أو أعماله. وطريقة تعليم الفكرة إنما هي الطريقة الإسلامية في التعليم، فالحزب يريد إيجاد الفكرة في المجتمع، فهو من أهم أعماله أخذُ السلطة من أجل تطبيق الفكرة، ولكنه إلى جانب ذلك يعمل لنشر الفكرة، ولتعليم الأفراد من أجل نشرها. فالفكرة هي التي يحيا بها وحدها.
ولمّا كانت الفكرة قد أصابها من عوامل التغشية ما أصابها, وتعرضت بالغزو الثقافي والغزو السياسي إلى ما تعرضت له من أنواع التضليل، ولمّا كانت هذه الفكرة هي روح الحزب، كان لزاماً عليه أن يتبنى من الأفكار والأحكام ما يعتقد أنه وحده الحق بالنسبة لما يتعلق بالعقائد وما يغلب على ظنه أنه وحده الصواب فيما يتعلق بالأحكام، وأن يكون تبنيه للأفكار والأحكام واسعاً بقدر يكفيه للقيام بمهمته من إقامة الدولة، وبناء المجتمع، وإنهاض الأمّة، وحمل الرسالة الإسلامية إلى العالم، فهو نظراً لحاجته الماسة إلى قدر كبير من الأفكار والأحكام، تبنى أفكاراً وأحكاماً أخرج بها عشرة كتب، التزم بدراستها وتثقيف نفسه بها، وأخرج كتباً أخرى، وأجوبة أسئلة، ليسهل دراسة الإسلام، دراسة حمله للناس، وهو وإن لم يتبنها، ولكنه راعى فيها ما يراعى عند تبنيه أي حكم وأي فكر وأي كتاب.
إلا أنه بالرغم من أن الفكرة حسب فهم الحزب هي سر حياته، وغاية وجوده، فإنه ليس مذهباً من المذاهب، ولا طريقة من الطرق، ولا شخصاً من الأشخاص، وإنما هو حزب سياسي مبدؤه الإسلام، أي هو تكتل يقوم على فكرة آمن أفراده بها يريد إيجادها في المجتمع، وحملها إلى العالمين. وهو وإن كانت له طريقة خاصة في الفهم، ولكنه ليس مجتهداً ولا مذهباً، والطريقة إنما هي من أجل التبني، لا من أجل الاجتهاد، وللحرص على هذا التبني، لا من أجل إلزام الناس بها، وبالفهم بحسبها. وفوق ذلك فإنه مع تبنيه طريقة معينة في الفهم فإنه لم يتبن جميع الأفكار اللازمة للمسلم، بل تبنى فقط ما يلزم لما يعمل له، فهو لم يتبن في العقائد إلا ما كانت أعماله تستوجب التبني فيها، ولم يتبن من العبادات إلا ما كان لا بد منه لنشر الأفكار كأحكام الجهاد. ولم يتبن من التشريع إلا ما كان أخذه للسلطة يستوجبه. فهو وإن تبنى في نظام الحكم، ولكنه لم يتبن في المعاملات ولا في العقوبات، فهو إذن ليس مذهباً من المذاهب، ولا طريقة من الطرق، ولا مجتهداً من المجتهدين. وهو وإن كان همه كله هو الفكر وعمله كله هو الفكر ولكنه ليس مدرسة فكرية، بل هو حزب سياسي ليس غير، وإذا كان محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس مذهباً ولا طريقة ولا مدرسة فكرية، فكذلك حزب التحرير وإن كان ليس رسولاً ولا يملك أي شيء من أمور الرسالة ولا من أمور الرسول، فإنه يتبع الرسول النبي الأمّيّ، ويسير حسب هداه، فهو مجموعة من المسلمين تكتلت على مبدأ الإسلام لإيجاده في المجتمع، وحمله إلى العالمين، فهو يقوم على مبدأ الإسلام، ويتبع نبي الإسلام ورسوله، ويسير على هداه، ولا يقتدي إلا به، ولا يقيم وزناً لسواه من جميع الأنام. وهو جزء من الأمّة، وكواحد من المسلمين، لا يتميز على أصغر مسلم بشيء إلا أنه أثقل الناس حملاً، وأكثرهم طمعاً في رضوان الله. فالأمة الإسلامية التي هو جزء لا يتجزأ منها وهي قوته وهي التي تمثل الإسلام وهي التي تعتبر جماعة المسلمين، وليس الحزب ولا أي تكتل من التكتلات. إلا أن الحزب وهو قوّام على المجتمع، ويعتبِر الفكرة حسب فهمه سر حياته، فإنه يعتبر العقيدة الإسلامية هي أساس الأمّة، وهي أساس الحزب، فإذا أجمعت الأمّة على ترك العقيدة الإسلامية وجب عليه أن يقاومها ولو منفرداً حتى يردها إلى حظيرة الإسلام، أما إذا أجمعت على غير ذلك، فإنه لا يخرج عليها، ويسير كجزء منها ولو ظل على فهمه في الأفكار والأحكام.
أما موقف الحزب تجاه المعالجات والقوانين فهو موقف الإسلام يعتبرها كلها كفراً لا يحل أخذها ويحرم العمل بها، لأنه لا يحل أخذ حكم إلا مما جاء به الوحي، أما الأفكار فإن ما كان منها ليس معالجة مثل كون الحياة مادة، ومثل كون الإنسان مخلوقاً لخالق، فإنه يأخذ ما كان موافقاً للإسلام وينبذ ما كان مخالفاً له. وعلى أي حال فالعقيدة الإسلامية هي أساس الأحكام والأفكار، تنبثق عنها جميع الأحكام وتُبنى عليها جميع الأفكار. فما تبناه الحزب من أفكار وأحكام محصور في العقيدة الإسلامية، فالحزب إنما تسيّره العقيدة الإسلامية وموقفه هو موقفها. لأن العقيدة الإسلامية هي سر حياة الحزب وهي التي تسيّره في كل موقف من المواقف وفي كل عمل من الأعمال حتى تبنّيه للفكرة إنما هو على أساس العقيدة الإسلامية ليس غير.
29 من ربيع الأول 1394هـ
21/4/1974م