بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال

  • السؤال:

لقد جاء في نشرة الخطاب أن الحزب سيكون منه شخصيات لها تأثيرها في المجتمع، أو يجذب إليه شخصيات لها تأثيرها في المجتمع، ولكن الواقع الذي حدث بعد نشرة الخطاب، وقد مضى عليها أكثر من عقد من الزمن، لم يوجد في الحزب من شبابه شخصيات لها تأثيرها في المجتمع، ولا جذب إلى صفوفه شخصيات لها تأثيرها في المجتمع، فهل كان هذا خطأ في الخطاب، أم هناك أسباب أخرى؟

  • الجواب:

إن ما ذُكر في الخطاب صحيح فكرياً وواقعياً، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد صار شبابه شخصيات لها تأثيرها في المجتمع، وذلك مثل أبي بكر وعمر وعثمان، فإن أبا بكر كان عمله بيع الثياب العتيقة يبيعها على كتفه، وظل كذلك حتى تولى الخلافة، وحين دخل في الإسلام كانت منزلته في المجتمع أقل من منزلة محمد عليه السلام ولكن بعد دخوله الإسلام أخذت شخصيته تنمو وترتفع، كما أخذت شخصية محمد الرسول تنمو وترتفع، وعمر كان عمله أن يوصل الرسائل بين شيوخ قبائل العرب الذين كانوا يسمون ملوكاً، وقبل أن يدخل الإسلام كان واحداً كسائر الناس وإن اشتهر بالشجاعة، وإذا كان الرسول عليه السلام كان يقول: اللهم انصر الإسلام بأحد العمريْن، أبي جهل وعمر، فإنما كان يقصد شجاعة عمر وبروزه بين أقرانه، بخلاف عمرو بن هشام فقد كان من كبار القوم، وعثمان قبل إسلامه كان شاباً كسائر الشباب، ليس له أي ثقل في المجتمع، ويروى عن سبب إسلامه أنه سمع أن محمداً يريد أن يزوج بنته من ابن أبي جهل فطار صوابه وقال: أنا أحق بها من ابن أبي جهل، وكان يريد أن يخطبها، فذهب لأبي بكر بوصفه صديق محمد ليوسطه في خطبة الفتاة، فما كان من أبي بكر إلا أن دعاه إلى الإسلام، فأسلم وذهب إلى الرسول عليه السلام، ثم تزوج بنته وهي رقية، فعثمان لم يكن شخصية بارزة حين دخل الإسلام ولكن بعد دخوله الإسلام نمت شخصيته وارتفعت، وهكذا فإن من يحمل الفكرة السياسية، أي الفكرة الإسلامية، فإن المفروض فيه أن تنمو شخصيته وترتفع. صحيح أن كثيرين لم تنمُ شخصيتهم بعد دخولهم إلى الإسلام، ولكن ذلك راجع إلى استعداداتهم، فالفكرة السياسية تأخذ بيد من عنده استعدادات سامية، فهي تؤثر فيمن عنده استعدادات، تأثيراً كبيراً، وتؤثر التأثير الكافي لإشباع الاستعداد ولو كانت في أدنى مراتب الإنسان. وعليه فإن الدعوة تؤثر قطعاً في حاملها، والفكرة تؤثر في كل من يعتنقها ولكن يتفاوت هذا التأثير، وقد يصل في قوته إلى حد البروز. ومن هنا لا بد أن توجَد في شباب الحزب شخصيات لها تأثيرها في المجتمع، أما لماذا لم يحصل في حزب التحرير ذلك، فهو ليس راجعاً للاضطهاد الوحشي الذي يلحق بشبابه، ولا لأن شبابه في أصل وجودهم ليسوا من الشخصيات التي لها تأثيرها في المجتمع، ولا لثقل الحِمل الذي يحملونه وصعوبة الطريق التي يسلكونها. لا، ليس لهذه الأسباب وأمثالها، بل ذلك راجع إلى الحد الذي اعتنقوا به الأفكار وإلى مدى اتصالهم بالناس. فالفكرة السياسية، حين تُعتنق، يُشترط في أن يكون لها تأثير فيمن يعتنقها أن يتحلى بالإخلاص الخالص.

أما الإخلاص فهو أن يعطي نفسه لها، وأما الإخلاص الخالص فهو أن يعطي نفسه للفكرة، ولا يشرك بها غيرها على الإطلاق، لا مطامحه، ولا مصالحه، ولا خوفه على حياته أو مكانته أو رزقه أو مستقبله، أو يناله الأذى أو ما شاكل ذلك. فالفكرة حتى تؤثر فيمن يعتنقها لا بد أن يتحلى معتنقها بالإخلاص الخالص بعد اعتناقها، فمن لا يتحلى بالإخلاص الخالص لا تؤثر فيه، حتى لو تحلى بالإخلاص وحده فإنها تنمي عقليته، وتعزز ثقافته ولكنها لا تؤثر فيه تأثيراً تاماً. فمن وصل إلى حد الإخلاص الخالص، فلا شك أن الفكرة ستؤثر به، ومن وقف عند حد الإخلاص، فإن الفكرة وإن أثّرت على عقليته فصقلتها، وعلى ثقافته فزادتها غزارة، ولكنها لا تؤثر فيه حتى يتوفر الإخلاص الخالص الذي لا تشوبه شائبة. هذه واحدة، أما الثانية وهي الاتصال بالناس، فإنها شرط لبروز الأشخاص بين الناس حتى لو لم يتمتعوا بالإخلاص الخالص. فإن الناس لا يمكن أن يكون لأحد لديهم مكانة، إلا من جراء معرفة شخصية ذلك الشخص، أي عقليته ونفسيته. فقد يتأثرون بصاحب العقلية القوية، إذا عرفوه، إما بالمشافهة والاجتماع، وإما بأن يعرفوا عنه. وقد يتأثرون بصاحب النفسية الصافية إذا اجتمعوا به أو عرفوا عنه. وشباب الحزب كان المفروض فيهم وقد اعتنقوا فكرة سامية، وكانوا في مجتمعهم كالزهرة الناضرة في الصحراء الجدباء، كان المفروض فيهم أن يتحلوا بالإخلاص الخالص، وأن يدأبوا على دعوتهم بالاتصال بالناس ونشر أفكارهم. ولكن الذي حصل هو أن ملاحقة الكفار للدعوة جاءت مبكرة، أي بمجرد بدئها بالاتصال بالناس، والاضطهاد الوحشي ظل متلاحقاً وقاسياً وعنيفاً، والتضليل والتشويش قد نجح أيما نجاح، فأدى ذلك كله إلى كثرة تساقط الشباب بدل تكاثرهم، وإلى تهيب الشباب من الناس ومن المجتمع الذي سُمّم ضدهم وضد حزبهم، فأدى ذلك إلى قعود الكثير من الواعين والمثقفين إلى ترك الحزب، بل ترك الدعوة، وإن لم يؤد إلى ترك الأفكار. كما أدّى إلى قعود الباقين في الحزب عن غشيان الجماعات والمجتمعات، وعن الاتصال بالناس وزيارتهم والاختلاط بهم. فكان ذلك النتيجة الطبيعية وهي عدم نمو شخصيات الشباب وارتفاعهم، وبالتالي إلى عدم جعلهم شخصيات مؤثرة في المجتمع. ولذلك فإن عدم نجاح الحزب في جعل شبابه شخصيات مؤثرة في المجتمع راجع إلى عدم غشيان الشباب للجماعات والمجتمعات، وعدم اتصالهم بالناس بالزيارة والاختلاط. وقد عمل الحزب ولا يزال يعمل لجعل شبابه شخصيات مؤثرة في المجتمع، ولكنه وإن نجح في تنمية شخصية الحزب وارتفاعها، وفي حمل الناس على الإكبار لفكرته والاعتقاد بصحتها وسموها، ولكنه لم ينجح حتى الآن في جعل شبابه شخصيات مؤثرة في المجتمع، وإن كان لا يزال يأمل في تحقيق ذلك ولو بعد استلامه الحكم. فالطريق الوحيد لجعل شباب الحزب شخصيات مؤثرة في المجتمع هي غشيان الجماعات والمجتمعات، والاختلاط بالناس وزيارتهم، حتى تجد شخصياتهم طريقها للبروز في المجتمع وبين الناس.

أما عدم جذب الحزب للشخصيات المؤثرة في المجتمع، فإن ذلك راجع لنفس السبب الذي لم يجعل شبابه شخصيات مؤثرة في المجتمع. فإن عدم غشيان الشباب للجماعات والمجتمعات، وعدم زيارتهم للناس واختلاطهم بهم، أبعدهم عن الشخصيات المؤثرة في المجتمع، وأبعد هذه الشخصيات عنهم وعن حزبهم. صحيح أن للخوف والرعب الذي نشره الكفار وعملاؤهم فوق الحزب وعمله، أبعد الكثيرين من الشخصيات عنه، ولكن هذا يسبب قلة الأشخاص الذين يجيئون إلى الحزب ولا يسبب عدم مجيئهم بتاتاً. والدليل على ذلك ما عمله مصعب بن عمير في المدينة، فإنه في غشيانه الجماعات والمجتمعات، وزيارته للناس واختلاطه بهم قد جعل المدينة في جملتها إلى جانب الإسلام، ثم عن طريق أسعد بن زرارة جذب الزعيمين الكبيرين سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، ثم جذب الكثير من الزعماء والشخصيات البارزة، حتى جاء للرسول عليه السلام بثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، ليبايعوه بيعة الحرب في العقبة، وفيهم بل أكثرهم من الزعماء والشخصيات البارزة. صحيح أن جو المدينة كان خالياً من الاضطهاد الوحشي، ولكن جو مكة أيضاً استطاع الرسول عليه السلام أن يأتي بزعماء بعض القبائل، حتى القبائل التي حاربت زعيمها حين أسلم واستطاع الصحابة أن يوجِدوا في مكة من يقف إلى جانبهم من زعماء المشركين فيجيرونهم كما حصل مع الرسول ومع أبي بكر، أو يفرجون عنهم كما حصل في مقاطعة قريش للرسول عليه السلام. فالاضطهاد الوحشي يقلل جذب الشخصيات، ولكنه يوجِد مؤيدين في هذه الشخصيات. لذلك فإن الوسيلة الوحيدة لجذب الشخصيات المؤثرة في المجتمع إلى صفوف الحزب أو إلى تأييده هي غشيان الجماعات والمجتمعات، وزيارة الناس والاختلاط بهم. لذلك فإن ما جاء في نشرة الخطاب صحيح كل الصحة، والحزب وإن لم ينجح حتى الآن في تحقيق ما ورد فيه، فإنه جدير بأن ينجح إذا استطاع أن يدفع شبابه لغشيان الجماعات والمجتمعات وزيارة الناس والاختلاط بهم. لأن الإخلاص متوفر في كل واحد منهم بلا شك، والإخلاص الخالص متوفر في الكثيرين منهم. والإخلاص وحده كافٍ لأن يجعل صاحبه شخصية لها تأثيرها في المجتمع، فكيف إذا وُجد الإخلاص الخالص، أي إذا كان الإخلاص خالصاً لا يشركه أي شيء؟ ومن هنا لا تزال الفرصة متاحة أمام الشباب لأن يكونوا شخصيات مؤثرة في المجتمع، ولأن يجذبوا شخصيات بارزة لهم ولحزبهم. فالفكرة التي يحملها الحزب هي الفكرة الإسلامية، وهي من أسمى الأفكار وأعلاها قيمة في المجتمع وبين الناس.

26 من محرم سنة 1394

18/2/1974