بسم الله الرحمن الرحيم
جواب سؤال
السؤال هو:
من المحسوس أنه يوجد بوْن شاسع بين قيادة الحزب وبين بقية أعضاء الحزب، أي أن العقلية المبدعة ليس محسوساً وجودها، فما العمل من أجل رفع الشباب إلى مستوى العقلية المبدعة؟ وبمعنى آخر يلاحَظ أن القيادة متيقنة من وصولها للحكم وتقوم بأعمال على أساس أنها في الحكم، كبيان اللباس الذي يجب أن تلبسه المرأة، في حين أن الشباب يلاحَظ عليهم أنهم في دور التفاعل، وهذا يمكن معرفته من أسئلتهم في النقاش في خارج الحلقات وفي داخل الحلقات في ربع الساعة الأول، وهكذا. فأرجو توضيح هذا الأمر لي؟
الجواب هو:
يجب أن يكون معلوماً بيقين أن قيادة الحزب لا تزيد في قدرتها على شباب الحزب، ولا يوجد شيء مهما قلّ يجعل لديها ما ليس لدى شباب الحزب من قدرة ومعرفة وغير ذلك، فمثلها مثل أي شاب، بل ربما كان في شباب الحزب ولا سيما الشباب الصغار الذين دون سن الثلاثين من يفوقها في بعض الأمور. وأما ما يلاحَظ من أعمال وأفكار فإنه نتيجة ما أعطيت من صلاحيات وليس نتيجة مجهود شخص أو تميز استعدادي، بل هو فقط نتيجة صلاحياتها المعطاة لها ليس غير. فالقيادة تتجمع لديها جميع الأخبار، ولديها جميع المعلومات عن الشباب وعن الأعمال، وتُهيأ لها جميع الفرص، وتملك الصلاحيات المطلقة في كل شيء. فهذا وأمثاله يجعل لديها ما يلاحَظ من أعمال وأفكار، ولولا هذه الصلاحيات لَما ظهر أي شيء، وأي شاب يعطى هذه الصلاحيات وأمثالها يظهر لديه ما يلاحَظ من أعمال وأفكار.
والدليل على أن في الشباب قدرة كقدرة القيادة وربما تزيد في بعض الأمور، هو تلك الأسئلة الدقيقة التي يرسلها الشباب، وتلك الملاحظات النيرة التي ترسَل في بعض الأحيان على الأجوبة، وتلك التحليلات السياسية المبدعة التي توجد بين تحليلات الشباب، حتى أن بعض التحليلات يصل إلى حد العبقرية لعظمة ما فيه من إبداع وربما من إحاطة.
ثم إن الناس، ولا سيما المفكرين والمثقفين، يرون الحزب ولا يرون القيادة ويختلطون بالشباب، وما لديهم من إكبار للحزب راجع لاختلاطهم بالشباب وليس لقراءة آراء الحزب وحدها. فمثلاً في الجامعة الأمريكية يوجد أساتذة كبار، وهؤلاء حين يسألهم أحد الشباب ويعرفون أنه من الحزب يحسبون حساباً لسؤاله ومناقشته، وقسطنطين زريق العالِم المشهور كان يظن أن هؤلاء الشباب ينقلون الآراء نقلاً، فأراد أن يختبرهم فناقشهم مناقشة طويلة في السياسة وفي تعليق كان صدر حديثاً، ولمّا انتهت مناقشته قال: أشهد أنكم حزب وأن هذه الآراء هي آراؤكم وليست آراء أشخاص في الحزب. وفي المؤتمرات التي عُقدت في الكويت وفي العراق، وفي المناقشات التي جرت مع أساتذة الجامعة العربية في بيروت حوادث كثيرة عن قدرة الشباب وانبهار العلماء بهم. وهذا كله دليل قاطع على أن الحزب ككل لا يوجد فرق بين قيادته وبين شبابه، بل كلهم متساوون دون أي فرق، بل إن الأمل في الجيل الذي دون سن الثلاثين ودون العشرين أن يبز كل من سبقه من شباب الحزب من القيادة وغيرها. لذلك أرجو أن يُعلم بيقين خطأ القول بأن هناك بوناً بين قيادة الحزب وبين أعضائه، وهو قول فوق ما فيه من خطأ ومخالفة للواقع هو خطر على الحزب، فلا يصح أن تحدّث النفس فيه مجرد حديث. وإذا ماتت قيادة الحزب فإنه سيأتي من هو مثلها أو خير منها بل الأصل أن يأتي من هو خير منها. والمسألة مسألة صلاحيات لا أكثر من ذلك ولا أقل.
ويجب أن يظل مدركاً أن الرسول عليه السلام لم يركز الدولة والفكرة إلا في المدينة وحدها، وإن كان أوجد الدولة في كل جزيرة العرب، ولكنها كانت دولة هشة لم تلبث أن انهارت عقب وفاة الرسول مباشرة، وما ظهر على يد أبي بكر وعمر وعثمان يبهر الأبصار، وبالرغم من فتنة معاوية التي يمكن أن تطيح بالجبال الشم فإن الدولة والأمة نهضت من كبوتها وملأت الدنيا. فمن هم الذين فعلوا ذلك؟ إنهم كتلة الصحابة، ثم المسلمون بشكل عام، وهكذا سيكون، فالحزب ككل وشبابه المؤمنون الذين يتمتعون بالإخلاص الخالص سيحققون ما حققه أسلافهم. وليس في حزب التحرير قيادة وأعضاء، بل في حزب التحرير أعضاء يتساوون في كل شيء وفي القدرة والعبقرية، سواء لديهم صلاحيات أم ليس لديهم، وإن كانت الصلاحيات تبرز ما يلاحَظ من أعمال وأفكار.
12 من شهر ربيع الأول سنة 1391
7/5/1971