بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال

السؤال:

إن حزب التحرير حزب سياسي، والسياسة أعمال وليست ثقافة، ولا مجرد مناقشات أكاديمية، ولكن يلاحَظ شباب الحزب وحتى أجهزته أنها تغلب عليها الناحية الثقافية والناحية النظرية بالرغم من أن الحزب يعمل في نقطة الارتكاز، فما هو سبب ذلك؟ وما الذي أبقى الناحية الثقافية في مرحلة التفاعل؟ وما هي الأمور التي تضع حداً لطغيان الناحية الثقافية والانتقال للحالة التي تطغى فيها الأعمال وتطغى فيها الناحية السياسية على الحزب؟

الجواب:

إن حزب التحرير سياسي مبدؤه الإسلام، فكان المفروض أن تطغى عليه الناحية السياسية من أول وجوده، وأن تبرز الأعمال على تصرفاته، وليس الثقافة، من أول اجتيازه المرحلة الثقافية. هذا ما يجب أن يكون أو ما ينبغي أن يكون قد كان. ولكن واقع المجتمع وواقع الظروف السياسية قد فرضا على الحزب أن يتصدى للمشاكل القائمة ليعطي الرأي الإسلامي فيها، لا سيما أنه يريد أن يُنهِض أمّة وأن يقيم دولة وأن يبني مجتمعاً وأن يحمل رسالة. فلا بد أن تكون لديه ثروة فكرية هائلة، أو على الأقل ثقافة تتضمن مجمل الأفكار التي يحتاجها حل مشاكل الحياة والمجتمع والدولة والناس. فكان من الطبيعي بل من المحتم أن يكون لديه الزاد الكافي من الثقافة، وأن يتزود شبابه من هذه الثقافة أكبر قدر مما يحتاجه من يخوض الحياة السياسية بين الناس والمجتمع، ولذلك كان بديهياً وطبيعياً أن يكون أبرز ما يتميز به حزب التحرير وشباب حزب التحرير هو الفكر والثقافة التي تتضمن الأفكار. وهذه الثقافة هي بحد ذاتها ثقافة سياسية، أو بعبارة أخرى هي سياسة، وهي ليست معلومات مدرسية ولا أفكاراً نظرية، ولذلك فالمناقشات فيها ليست مناقشات جامعية (أكاديمية) ولا مناقشات علمية، لأن الفرق بين الثقافة الجامعية (الأكاديمية) والثقافة الحزبية، أي ثقافة حزب التحرير، هو أن الثقافة الجامعية هي دراسة لمجرد المعرفة وليست بحثاً عن واقع، ولا هي تعني واقعاً، وحتى إن كان لها واقع في الحياة فإنه لا يلاحَظ عند الدراسة، ولا يُقصد من الدراسة معالجته.

أما ثقافة حزب التحرير فإنها دراسة للعمل لا للمعرفة، وهي بحث عن واقع ومعالجات له، ومحصورة بالواقع، ومعالجته لا تعني إلا إياه. وفوق ذلك فإن المقصود من دراستها ومن مراجعتها ومن الرجوع إليها، هو الواقع ومعالجة الواقع، أو بعبارة أخرى هو العمل ليس غير.

إلا أنه نظراً لأن الإسلام غير موجود في واقع السياسة ولا في الواقع السياسي، كان من الطبيعي أن يجد الحزب صعوبة في جعل السياسة بمفهومه هي الطاغية على المجتمع، ومن أجل ذلك اضطر لأن يحاول تدريب الشباب على تنزيل الأفكار على الوقائع، وأن يحاول غشيان الأوساط السياسية، وأن يحاول القيام بالأعمال السياسية، أي اضطر لأن يأخذ الدور التدريبي مع شبابه، والدور التدريجي مع المجتمع، حتى وصل إلى حد أن صارت السياسة هي الطاغية على شبابه، وأن صارت معالجات وقائع الحياة هي الغالبة على أحاديثهم ومناقشاتهم. وهم وإن برزت عليهم الناحية الثقافية فإنها تبرز بوصفها سياسة وبوصفها معالجات، وليس بوصفها معلومات، وتوفُر الفكر أو توفُر الثقافة في الشباب أمر لا بد منه، لذلك فإن بروز الناحية الثقافية على الحزب دليل خير، وبرهان على أنه ملتزم السير في الخط الذي رسمه، وهو الإعداد الفكري وخوض غمار الحياة السياسية على أحسن وجه.

هذا من ناحية الحزب ومن ناحية الشباب، أما من ناحية أعمال الحزب وأعمال الشباب، فإن الحزب بعد أن دخل مرحلة التفاعل في سنة 1960 صار لا بد أن يخوض غمار المجتمع، لذلك أخذ يحاول غزو الأوساط السياسية، وغزو السياسيين، وأخذ في نفس الوقت يطرق باب المجتمع، فأدخل على سيره عملين: أحدهما إثبات وجوده في المجتمع، والثاني إثبات وجوده في السياسة، ولكنه لم يُحدث لهذين العملين أساليب جديدة متبناة، بل ترك للولايات أن تُحدث لكل عمل أسلوبه حسب ما يتطلبه واقعه، وصار أساليب لبعض الأعمال السياسية لتنفذ بحسبها ولتكون نماذج للولايات، فكان هذا مدعاة للبطء، ولعدم التتابع، وللتعثر والتخبط. فظهر كأن الحزب لا يزال يشتغل بالثقافة ولا تزال تطغى عليه الناحية الثقافية.

فمثلاً يقوم الحزب عادة في أعماله بالاتصالات وبالزيارات وبتشكيل الوفود وبتوزيع المنشورات، وهذه أساليب صارت بديهية. وهذه الأساليب نفسها التي كان يقوم بها في التبني وكشف الخطط، والثقافة الجماعية، أو بنشر فكرة، هي عينها التي يقوم بها في إثبات وجوده في المجتمع، وفي إثبات وجوده في السياسة، أي هي عينها التي يقوم بها في العمل السياسي، بل هي عينها التي ينبغي أن يقوم بها في العمل السياسي. إلا أنه نظراً لعدم التفريق بين الزيارة لعمل سياسي، والزيارة لتبني مصلحة، صار يطغى على العمل الناحية الثقافية، وصار العمل نفسه لا يختلف عن العمل الثقافي، لذلك صار يُظن أن الذي يطغى على الحزب هو الثقافة وليست السياسة، وهو الفكر وليست العمل، وإلا فإن الحزب منذ سنة 1960 يقوم بالأعمال السياسية، وهي التي تجري المحاولات بتتابع يجعلها ظاهرة من ظواهر سيره، وهي إن كانت قليلة ولكنها في حال نجاحها ستكون طابعه.

أما ما هو الذي يُبرز الأعمال وحدها والسياسة وحدها، على الحزب، ويجعل الثقافة والفكر العامل الموجّه قط، فإنه الصبر والتتابع وطول المعاناة. فمثلاً حين تُعطى ولاية من الولايات أن تقوم بعمل سياسي في جعل الناس لا يقفلون يوم الجمعة، أو في جعل الفدائيين لا يستهدِفون الحكم في الأردن، أو في مقاطعة الناس للانتخابات، أو في جعل الحكومة تحارِب تدويل القدس، أو في إلغاء البدل عن التجنيد الإجباري، أو في جعل أهل حي يبنون مسجداً، أو غير ذلك، فإن هذا العمل السياسي يجوز أن يقام به بأن يقوم أعضاء الولاية وحدهم به، ويجوز أن يشكل لأجله وفد أو وفدان أو ثلاثة، ويجوز أن يختار بعض النابهين فقط للقيام به، ويجوز أن يقام به بكل ذلك، ويجوز أن يصحب العمل بنشرة توزع أثناء القيام به أو أن يُتبَع بنشرة توزع فور الانتهاء من العمل. هذه هي أداة العمل السياسي، يضاف إليها ما هو معروف من الاستعانة بغير شباب الحزب ممن يؤمنون به وبأفكاره. إلا أنه يجب أن يُعلم أن العمل هو محاولة تحقيق الفكرة، وليس مجرد التبليغ. فأول شرط من شروطه أن لا يقوم به إلا الأكثر وجوداً في المجتمع، أي يُختار له من له وزن بين الناس، ومن له ثقل في علاقات الناس، ومن له احترام بين من بيدهم ثقل المجتمع. فلا يُختار له أحسن الشباب ثقافة، ولا أنضجهم فكراً، ولا أوعاهم في السياسة، بل يُختار أعلاهم مكانة، لأنه يريد أن يؤثر، ولا يؤثر إلا بقدر احترام المجتمع له. فإذا لم تفعل الولاية ذلك واختارت أحسن المشرفين، وأكثر الشباب نشاطاً، أو أنضجهم فكراً، فإن العمل السياسي كله قد فشل من اللحظة التي جرى فيها اختيار من يقوم به. ثم إنه إذا جرى الاختيار للعمل السياسي وفق المطلوب، واختير له أكثر الناس احتراماً، ولكن هؤلاء الناس بعد أن فهموا الموضوع ذهبوا وشرحوه للناس، أو ناقشوا به من ذهبوا إليهم، فإن ذلك لا يكفي بل لا بد أن يذهب الشاب أو الوفد لمن هم محل العمل أو محل البحث، أي للدولة أو الوجوه أو رؤساء العائلات أو كبار التجار أو ما شاكل ذلك. ثم يجلس إليهم جلسة أو اثنتين أو ثلاث، ويكون حديثه في الموضوع لا يخرج عنه ويحاول ويحاول إقناع الشخص أو الأشخاص بالموضوع، وبأن يتبناه، وأن يصمم على العمل له، ولا يترك المراجعة والنقاش حتى يتحقق من أن العمل قد بوشر به أو ييأس من ذلك.

فهذان الأمران شرط أساسي لأن يكون العمل عملاً سياسياً، وإن لم يتوفرا كان العمل عبارة عن نشر فكرة أو تبني مصلحة، أو كشف خطة، أو ما شاكل ذلك. فتبرز الناحية الثقافية ولا يبرز العمل، بل لا تبرز الناحية السياسية، فالموضوع ليس نشر فكرة. ولذلك فليس المهم تعريف الناس بها، ولا إيجاد رأي عام عنها. وما يحصل من إتباع الأعمال بنشرة أو من أن تصاحبها نشرة هو لتقوية العمل وليس لنشر الفكرة. ولذلك فإنه لا يصح أن يلاحَظ شيء من إيجاد الرأي العام، ولا شيء من نشر الفكرة إلا إذا كان العمل نفسه يقوى بها. ولا يصح أن يٌتساهل في احترام القائمين بالعمل والإصغاء لهم وتقديرهم، فإن الاحترام شرط جوهري للتنفيذ وللعمل وللطاعة. والتقدير لا بد منه للدلالة على القناعة والتصميم على العمل. فلا بد أن يكون الوفد محترَماً، وأن يجري احترامه بالفعل.

فهذه الأعمال السياسية هي التي تبرز على الحزب أنه يقوم بالأعمال، وتبرِز الحزب بأنه يعمل بالسياسة، فإذا وُفّق الحزب للقيام بهذه الأعمال على وجهها، وبتوفر شرطيها، وفرّق الشباب بين العمل السياسي وبين غيره من أعمال الحزب، فإنه حينئذ يوضع حد لما يلاَحظ من طغيان الثقافة، ومن طغيان الفكر على الأعمال وعلى السياسة. والتوفيق في هذا لا يأتي برسم أسلوب متبنى لإثبات وجود الحزب في المجتمع، ولإثبات في وجوده في السياسة، ولا بالإرشاد والتنبيه، ولا بالتعليم والمحاسبة، وإنما يوجد بالممارسة والمعاناة، والصبر والتحمل، مع التأكد من وقوع الأخطاء وتكرر هذه الأخطاء.

وعليه فإن ما يُظن بأن الحزب تغلب عليه الناحية الثقافية هو غير صحيح، وإن كان يوجد ما يبرر هذا القول، وسبب هذا القول هو قلة الأعمال السياسية، وعدم إحسان القيام بها، ولكن متى أحسنت الولايات وأحسن الشباب القيام بالعمل السياسي، أي متى أحسنوا إثبات وجودهم في المجتمع، أي في العلاقات، وأحسنوا إثبات وجودهم في السياسة، أي في رعاية شؤون الناس، وميّزوا بين نشر الفكر وبين العمل السياسي، أو بعبارة أخرى بين كشف الخطط وتبني المصالح، وبين العمل السياسي وتتابع القيام بالأعمال السياسية، فإنه ولا شك سيذهب ما يسمى بطغيان الناحية الثقافية، وستطغى على الحزب الأعمال لا الأفكار، والسياسة وليس الثقافة.

27 صفر سنة 1391

23/4/1971