بسم الله الرحمن الرحيم
جواب سؤال
(الفرق بين طلب النصرة والقاعدة الشعبية)
- السؤال:
يلاحَظ أن بعض الشباب لا يقومون بعمل أثناء إيجاد نقطة الارتكاز، فلا يعملون لطلب النصرة ولا يعملون لبناء القاعدة الشعبية، ويقفون موقف المنتظر قيام الدولة، فلِمَ لا يعمل جميع الشباب في إقامة الدولة؟ وهل العمل لإيجاد القاعدة الشعبية وطلب النصرة شيء واحد أو أمران مختلفان؟ وإذا كانا مختلفين فما هو الفرق بين القاعدة الشعبية وطلب النصرة؟
- الجواب:
إن كُتب الحزب ونشراته قد بينت أدوار الحزب ونقاط التقاء الأدوار، وبيّنت كيف يكون العمل المباشر لأخذ الحكم فعلاً، فأدوار الحزب هي: دور الثقافة، ودور التفاعل، ودور الحكم وتطبيق المبدأ. وهذه لا بد أن يقطعها الحزب، ونقاط التقاء الأدوار هي: نقطة الانطلاق أو محاولة المخاطبة، وهي بين دور الثقافة ودور التفاعل، ونقطة الارتكاز، وهي بين دور التفاعل ودور الحكم، وهذه لا ضرورة لأن توجَد، فقد ينتقل الحزب من دور الثقافة إلى دور التفاعل من غير حاجة إلى نقطة انطلاق، أي من غير حاجة إلى نقطة التقاء بين دور الثقافة وبين دور التفاعل، وقد ينتقل من دور التفاعل إلى دور الحكم من غير حاجة إلى نقطة الارتكاز أي من غير حاجة إلى نقطة التقاء بين دور التفاعل ودور الحكم، إلا أن حزب التحرير نظراً لتجزئة البلاد الإسلامية إلى دول، ونظراً لعدم تطبيق الإسلام في الحكم والمجتمع اضطر لأن يمر في جميع النقاط، فانتقل من دور الثقافة إلى دور التفاعل عن طريق المرور بنقطة الانطلاق أي محاولة المخاطبة، ومكث فيها ست سنوات مع أن دور الثقافة لم يمكث فيه سوى سنتين، ويسير بالانتقال من دور التفاعل إلى دور الحكم عن طريق المرور بنقطة الارتكاز، ومضى عليه حتى الآن خمس سنوات وبدأ بالسادسة، مع أن دور التفاعل لم يمكث فيه سوى أربع سنوات، فالحزب فوق كونه قد بيّن في كتبه ذلك فإنه قد سار فيه فعلاً، المفروض في شبابه أن يدركوه، ومن إدراكه يتبين أن جميع الشباب يعملون لإقامة الدولة منذ اللحظة الأولى في جميع أدوار الحزب وجميع نقاطه، ومن ذلك نقطة الارتكاز، فالقول إن الشباب لا يعملون أثناء إيجاد نقطة الارتكاز قول مغلوط، فهم يعملون فيها كما عملوا فيما سبقها.
أما طلب النصرة وبناء القاعدة الشعبية فهي أعمال من أعمال الحزب لا تدخل في أدوار سير الحزب ولا تُحسب في حساب مسافات السير التي يقطعها الحزب، إلا أن أعمال الحزب يقام بها حسب ما يقتضي قطع المسافات أي حسب ما تستوجب الأدوار والنقاط. فمثلاً في دور الثقافة كانت أعمال الحزب هي الثقافة المركزة والثقافة الجماعية، وفي نقطة الانطلاق أو محاولة المخاطبة ضُم إلى هذين العملين عملين آخرين هما: تبني مصالح الأمّة، وكشف خطط الاستعمار. وفي آخر نقطة الانطلاق جرت محاولة طرق باب المجتمع ثم صار طرق باب المجتمع من ضمن الأعمال الأربعة. وفي دور التفاعل وُجد تنزيل الأفكار على الوقائع. وفي أثناء دور التفاعل وُجد عمل طلب النصرة ووُجد كذلك بناء القاعدة الشعبية، وذلك كأعمال من أعمال الحزب وبالطبع من أعمال الشباب. فصدر تعميم عن طلب النصرة، وصدر الخطاب، وقطعة من كتاب، ونشرة الحديث الجماهيري، وذلك علاوة على الأعمال الأربعة، واستمر الحال كذلك بعد اجتياز دور التفاعل إلى نقطة الارتكاز، ولا تزال الحال كذلك يقام بالأعمال الأربعة وتنزيل الأفكار على الوقائع، وطلب النصرة حسب ما كان يستوجب دور التفاعل وحسب ما تقتضيه نقطة الارتكاز، وعليه فالشباب يقومون بأعمالهم في نقطة الارتكاز حسب ما تستوجبه وتقتضيه، كما كانت الحال قبل ذلك، ولكن حسب طبيعة العمل وما يلزم له من أعمال وأساليب.
أما بالنسبة لطلب النصرة فإن الحزب أثناء دور الثقافة في سنة 1953م بناء على أسئلة كثيرة عن كيفية أخذ الحزب للحكم، أصدر نشرة بيّن فيها أن الحزب يأخذ الحكم عن طريق الأمّة. أما الأسلوب العملي لأخذ الحكم فإنه لا يمكن معرفته إلا في حينه. فعندما ينتهي الحزب من دور التفاعل وتتجاوب الأمّة معه، يرى حينئذ، وحينئذ فقط، ما يلزم لذلك من أساليب فيتبعها، فقد يأخذ الحكم عن طريق العصيان المدني، وقد يأخذه عن طريق الإضراب وعن طريق المظاهرات، أو عن طريق عدم التعاون مع السلطة، وقد يأخذه عن طريق انقلاب عسكري يقوم به غيره، أو غير ذلك.
هذه خلاصة ما ذكرته النشرة من أن الأسلوب العملي في ذلك الوقت لم يكن بالإمكان معرفته، ولا يُعرف إلا في حينه. ومنذ ذلك التاريخ سار الشباب وسار الحزب لإيجاد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام في الأمّة وتَرَك أمر أسلوب أخذ الحكم لحينه، إلا أنه في أثناء دور التفاعل وُجد أمران شديدان: أحدهما أن المجتمع قد جَمُد، وأن الأمّة قد تبلّدت تجاه الحزب، فلم تعد النشرات والاتصالات تؤثر في الناس، ووُجد إلى جانب ذلك شدة الأذى على الشباب وشدة الضغط على الحزب، وهذان الأمران قد وُجدا فعلاً مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وحين وُجدا قام الرسول بطلب النصرة وضم هذا العمل إلى عمله وهو حمل الدعوة. لذلك أصدر الحزب تعميم طلب النصرة وصار يطلب النصرة، وكان قصده من طلب النصرة حينئذ أمرين: أحدهما تمكينه من حمل الدعوة، والثاني إيصاله للحكم، فطَلب النصرة في سورية ليتمكن من القيام بحمل الدعوة وليأخذ الحكم، وطَلَب النصرة في العراق ليتمكن من القيام بحمل الدعوة وليأخذ الحكم. وظل الحال كذلك حتى أوائل سنة 1964م دون أن يجد من يلبي طلب النصرة. إلا أنه في أوائل سنة 1964 وُجد تجاوب الأمّة مع الحزب في الأردن أي في ولاية من ولاياته، وبذلك يكون قد حصل التجاوب مع الحزب ككل فكأنه حصل في جميع مجاله، لذلك حُصر طلب النصرة في موضوع واحد من الموضوعين، حصره في طلب النصرة لأخذ الحكم، ومن ذلك الوقت حتى الآن وهو يعمل في طلب النصرة لأخذ الحكم.
وطلب النصرة لأخذ الحكم هو طريقة وليس أسلوباً، أي هو حكم شرعي واجب التقيد به وليس عملاً من الأعمال التي يقتضيها الواقع، لذلك تقيّد الحزب بطلب النصرة. إلا أن أعمال طلب النصرة أعمال ضخمة وخطرة، فليس في مقدور كل شاب أن يقوم بها، ولا يصح للحزب أن يسندها إلى أي شاب، لذلك لم يكن بالإمكان إسنادها إلى جميع الشباب، فكان من جراء ذلك ما سار عليه الحزب من اختيار العدد القليل من الشباب لأعمال طلب النصرة، وذلك حسب ما تقتضيه طبيعة العمل، فقد يكون طلب النصرة من رئيس دولة فيحتاج الأمر إلى وفد واحد أو إلى شاب واحد، وقد يكون طلب النصرة من رئيس كتلة أو قائد جماعة قوية أو زعيم قبيلة أو ما شاكل ذلك، فيحتاج الأمر إلى اختيار معرّفين وعدة شباب، وقد لا يحتاج إلا إلى شاب واحد خبير، وقد يكون طلب النصرة من أفراد عاديين فيهم شهامة وقوة فيحتاج العمل إلى شباب يتخصصون بهذا العمل ويعطونه كل مجهودهم، وهكذا، فطبيعة عمل طلب النصرة لا تمكّن جعل جميع الشباب يقومون به، إذ لا بد من الاقتصار فيه على العدد القليل القليل، ومن أجل ذلك يشاهَد أن بعض الشباب لا يقومون بأعمال طلب النصرة لأنهم لا يلزمون لها، ولكن ذلك لا يعني أنهم لا يقومون بعمل أثناء نقطة الارتكاز بل معناه فقط أنهم لا يقومون بعمل طلب النصرة لأنهم لا يلزمون لها.
وأما بالنسبة للقاعدة الشعبية، فإن الحزب في أواخر نقطة الانطلاق وأوائل دور التفاعل أخذ يحاول التركيز على إيجاد الرأي العام، فيزرع ويلاحق الزرع بالعناية والرعاية من عزق وسقي وتنقية وغير ذلك، فأوجد نظام المناطق وأخذ يحاول تطبيقه، وفي أثناء دور التفاعل ركز على عمل صهر الأمّة في بوتقته فعُنِيَ بتركيز السير في خطتين: إحداهما كسب الأفراد، والثاني إيجاد الوعي العام على المبدأ عند الأمّة، فدخل في ذلك بناء القاعدة الشعبية، فالعملية في أصلها هي العملية الصهرية، ومنها بناء القاعدة الشعبية. فالقاعدة الشعبية جزء من العملية الصهرية ونتيجة من نتائجها، وقد صدرت من أجل ذلك عدة نشرات منها الخطاب، وقطعة من كتاب، ونشرة تنظيم الأمّة، ونشرة الحديث الجماهيري، وغير ذلك، وظل الحال كذلك، أي يقام بالعملية الصهرية ومنها بناء القاعدة الشعبية، طوال دور التفاعل ومن أول نقطة الارتكاز حتى الآن، وسيظل الحال كذلك بعد قيام الدولة وحتى قيام الساعة ما دام الحزب موجوداً، فالعملية الصهرية ومنها بناء القاعدة الشعبية هي فوق كونها الأساس الضروري الذي لا بد منه لإيجاد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام فإنها هي التي تحفظ الأمّة وتحفظ الدولة وتصون الإسلام وتضمن تطبيق أحكام الشرع وإحسان تطبيقه وإيجاد أفكار الإسلام وتركيزها في المجتمع، لذلك كان القيام بهذه العملية، أي العملية الصهرية ومنها بناء المجتمع، أمراً لازماً لكل شاب وأمراً حتمياً على الحزب أن يقوم بها، سواء أكان ذلك قبل قيام الدولة أو بعد قيام الدولة لا فرق في ذلك ولا بحال من الأحوال. إلا أنه حين تنجح العملية الصهرية وتوجَد القاعدة الشعبية كما هي الحال في الأردن اليوم فإنه يضاف إلى القيام بالعملية الصهرية أن يكون الحزب قوّاماً على المجتمع في فكره وحسه المتطورين ليأخذ بيده في الطريق التصاعدي من عليّ إلى أعلى ويحُول بينه وبين الانتكاس، لذلك فإنه من الخطأ أن لا يقوم بعض الشباب في العملية الصهرية ومنها بناء القاعدة الشعبية، فإن ذلك تقصير إذا لم ينفع فيه العلاج يُطرد كل من يتقاعس عن القيام بالعملية الصهرية من الحزب، فإنه لا يصح أن يبقى في الحزب من لا يقدّر خطر انعدام العملية الصهرية ولا يقوم بها أو لا يعمل للقيام بها.
ومن ذلك يتبين أن جميع الشباب يعملون لإقامة الدولة ولا يوجد ولا شاب واحد لا يعمل، وإذا وُجد مقصّرون فإن تبعة ذلك ملقاة عليهم، وتبعة بقائهم في الحزب ملقاة على المسؤولين، فالكل يعمل في بناء الدولة، والجميع يعملون في حمايتها حين قيامها، وكل شاب منهم يدرك تمام الإدراك أنه على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتيَنّ من قِبَله.
أما الفرق بين طلب النصرة وبناء القاعدة الشعبية، فإن واقع طلب النصرة هو عين واقع ما سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وما سار عليه مصعب بن عمير، فالرسول صلى الله عليه وسلم طلب النصرة من زعماء القبائل أو رؤساء الدول، وطلب النصرة من الوفود التي كانت تأتي مكة، ومن الرجال الأقوياء الذين كانوا يؤمّون البيت، أي طلب النصرة من الجماعة القوية التي هي أهل لطلب النصرة، ومصعب بن عمير طلب النصرة من زعماء المدينة، وطلب النصرة من الرجال الأقوياء ثم جمعهم فرداً فرداً وأخذهم كتلة واحدة للرسول صلى الله عليه وسلم ليقوموا فعلاً في نصرته وتسليمه سلطان المدينة والذود عن الدعوة والموت في سبيل حمايتها.
هذا الواقع هو عينه الواقع الذي عليه الحزب في طلب النصرة، فهو يطلبها كما طلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطلبها كما طلبها مصعب، وبالرغم من اختلاف الزمان واختلاف المكان واختلاف الأشخاص فإن الواقع في سير طلب النصرة اليوم مع الحزب هو عين الواقع في طلب النصرة مع الرسول عليه الصلاة والسلام حين سار بطلب النصرة، سواء بطريقة الرسول من طلب النصرة من الجماعة الواحدة، أو بطريقة مصعب التي أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي طلب النصرة من الأفراد الأقوياء فرداً فرداً ثم جمعهم جماعة واحدة ليقوموا فعلاً بالنصرة، فكلتا الطريقتين تعبّران عن واقع طلب النصرة، وإن كان واقع طريقة مصعب أقرب إلى ضمان النجاح. وهذا بخلاف واقع القاعدة الشعبية، فإن واقع القاعدة الشعبية هي أنه نتيجة توحيد الأفكار والآراء والمعتقدات عند الأمّة توحيداً جماعياً إن لم يكن توحيداً إجماعياً، وهي تتكون من الرأي العام المنبثق عن الوعي العام بشكل يطغى على المجتمع وعلى الجماعة طغياناً تاماً، ومن الأفراد الذين يعتبَرون أركاناً في المجتمع وفي الجماعة كالتجار ورجال الأعمال والمفكرين والوجهاء وكل من له رجال يقولون بقوله، أما إيجادها فإنه وإن كان يحصل نتيجة للعملية الصهرية، وإن كان من أهم أعمال إيجادها السير بالخطين المعروفين: كسب الأشخاص من أجل أن تتجسد الدعوة فيهم، وإيجاد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام، فإنه لا بد من أن يعمل عن تقصّد لإيجادها، وذلك بالمواظبة على الحديث الجماهيري مهما كلف ذلك من تضحيات ويُتقصد الأشخاص الذين يعتبَرون أركاناً في المجتمع لكسب تأييدهم للحزب ولأفكار الحزب وللإسلام وللدولة تأييداً يتجاوز العواطف ولغة الكلام إلى التضحيات والأفعال، فالقاعدة الشعبية واقع لا يتجاوز آثار الدعاية وإيجاد الثناء وكسب التأييد، إلى الاحتضان والإسناد والاستعداد للتضحيات وخوض الغمرات.
هذا هو الفرق بين طلب النصرة والقاعدة الشعبية، علاوة على أن طلب النصرة طريقة مؤقتة بوجود الدولة واستغنائها عن النصرة بنصرة الأمّة كلها كما حصل بالنسبة للأنصار، وأما القاعدة الشعبية فإنه وإن كانت طريقة مؤقتة لتمكين الحزب من استلام الحكم ولكنها طريقة دائمة لحفظ الأمّة وحفظ الدولة وصيانة الإسلام وضمان تطبيق أحكام الشرع وإيجاد أفكار الإسلام وتركيزها، لذلك كان الفرق شاسعاً جداً بين طلب النصرة وبناء القاعدة الشعبية وبين النصرة والقاعدة الشعبية، ومن هنا كانت القاعدة الشعبية هي العمل اليومي لكل شاب، وللحزب كله، وكان لزومها للحزب وللأمة وللدولة الإسلامية لزوم الماء لبني الإنسان.
5 ربيع الثاني 1389هـ
20/6/1969م