بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال:

كيف السبيل إلى إيجاد بعض هذا الشعاع الذي كان يشع زمن الرسول صلى الله عليه وسلم؟

يلاحظ من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قبل النبوة كان يحنث في الغار وكان يعتزل الناس وكان يتقزز مما هُم عليه من علاقات وما يحملون من أفكار. وحين نزل عليه الوحي بالرسالة صار يُعنى بالناس ويخالطهم ويتعمد غشيانهم وتحديهم وعلاقاتهم، واستبدل التهجد بالتحدث، فكانت مواظبته على الصلة بالله وقيامه بأعباء الرسالة على أقصى مدى تستطيعه وتحتمله الطاقة البشرية، وكان ذلك كله هو الغذاء الدائم الذي يبعث القوة الخارقة، فصَدَر عن هذه القوة الذاتية إشعاع يلمسه المؤمنون والكافرون سواء، فيزداد إيمان المؤمنين، ويؤمن به بعض الكافرين، وكلما تقدم الزمن زاد هذا الإشعاع، وازداد إيمان المؤمنين له، يرونه كل يوم من عظمة هذا الرسول ومن عظمة هذه الرسالة. ولذلك كانوا يقولون له: لا يزال الله يزيدنا إيماناً بك يا رسول الله. ولقد استمرت مواظبته على الصلة بالله، واستمر قيامه بأعباء الرسالة إلى أقصى احتمال الطاقة البشرية من يوم أن بُعث حتى التحق بالرفيق الأعلى.

هذه واحدة، أما الثانية فإن من يؤمنون به لا يكلفهم هذا الإيمان إلا التصديق وتلقّي القرآن وتعلّم الأحكام. ولذلك أقبلوا في أول الأمر إقبالاً زائداً حتى كان عددهم في فترة قليلة قد بلغ المئات في بلد واحد. ولما قام هو بالتحدي وصارع الكفر، أوذي المؤمنون به لأنهم آمنوا، وليس لأنهم يتحدّون، وأقصى تضحية كانوا قدموها أن يجهر أحدهم بصلاته أو يعلن إسلامه. وظل هو وحده يقوم بتأدية الرسالة، وظلوا جميعاً غير مكلفين بأي التزام سوى إقامة الصلاة إلى أن قامت الدولة. ومن هنا كان الثمن الذي يدفعونه مقابل حصولهم على هذا الإشعاع هو المحافظة على الإيمان ليس غير. ومع ذلك هاجروا للحبشة فراراً بالإيمان حتى لا يُفتنوا، وارتد كثيرون ولم يظل متمتعاً بالإشعاع الدائم إلا من ظل ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ابتعد عنه وأخفى صلاته وإسلامه كانت لذته بإدراك الصلة بالله هي التي تجعله يحافظ على هذا الإيمان، حتى إذا قامت الدولة، وتغيّر التيار، حينئذ انجرف الناس جميعاً مع التيار، حتى ثقيف التي أسلمت وهي تبكي على هدم المسلمين للصنم.

هذا هو سر الإشعاع، وهذا هو سر التباسه، ويتلخص في ثلاث نقاط:

إحداها مواظبة الرسول على الصلة بالله، والثانية استمراره على الاتصال بالناس، والثالثة عدم تكليف المؤمنين بغير المحافظة على إيمانهم، ثم إن استطاعوا تعلم أحكام الإسلام وحفظ القرآن دون أن يكون عليهم أي التزام، إلا من تطوع بإعطاء حلقة أو حدّث قريباً أو صديقاً له بالإسلام. أما نحن فإننا قبل حمل الدعوة كنا نختلط بالناس ونحافظ على الصلة بالله. وبعد حمل الدعوة حافظنا على الصلة بالله ولكن بشكل عادي لا يلفت النظر لاتخاذ القدوة. فبعضنا يقوم بصلاة الضحى ويتهجد بالليل متفقداً نفسه بين الأسبوع والأسبوع، مبتعداً في سيره عن كل حرام وعن كثير من المكروهات، بل متحرجاً من بعض الأمور تنزهاً من قبيل الورع، ولكن ذلك كان بينه وبين الله بحيث لا يجعل أحداً يعلم بذلك. وكان هذا مبيناً على فكرة حماية الدعوة من الكهنوتية, والحرص على إبراز الناحية السياسية فيها، لأنها هي التي تبعث حرية العمل بالنسبة لإحدى الغايتين اللتين نعمل لهما، وهي استئناف الحياة الإسلامية. فكان هذا الإخفاء جاعلاً الإشعاع الروحي ضعيفاً في رؤيته وإن كان صاحبه يحس أنه قوي في نفسه. ومع ذلك فإن ما ظهر من المواظبة على الصلة بالله قد أوجد إشعاعاً لفت النظر وصار له وجود بالقدر الذي يجعل الناحية السياسية هي البارزة، والناحية الإسلامية موجودة، ويمنع وجود الكهنوتية، وبالرغم من الإحساس بضرورة إبراز الإشعاع الروحي فإنه كانت خشية تسرب الكهنوتية مؤْثرة الاكتفاء بهذا القدر لأنه كافٍ إذا تعهد صاحبه لأن يبرز فردياً وجماعياً الإشعاع بشكل بارز. وكانت طريقتنا في ذلك هي نفس طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي التثقيف الجماعي وليس التربية الفردية. فالرسول كان ينزل عليه القرآن فيبلغّه للناس، ومن يلازمه يعلمه أحكامه، ومن ملازمته له يعرف سلوكه ويذكره إذا رأى أي انحراف أو تقصير. فعمله كان التبليغ العام وتعليم من يلازمونه ثم تذكيرهم. وهكذا نحن نسعى للتبليغ العام، ونثقف من يلازموننا، ونلاحظ على من انحرف انحرافاً أو تقصيراً فنذكّره ونحاول زجره، ونسلك التثقيف الجماعي وليس التربية الفردية. ولهذا فإننا من حيث النقطة الأولى وهي المحافظة على الصلة بالله نسير فيها حتى الآن بشكل يوجِد الإشعاع الروحي ولكنه لا يبرزه. ويلاحَظ أن انبعاث هذا الإشعاع أثناء السير موجود ولكن بشكل غير بارز. والنقطة في الحرص على وجوده وعدم بروزه آتية من الحرص على إبعاد الكهنوتية نهائياً، فإن خطرها أفظع مما يتصور لو تسربت إلى الحزب. فإذا كان هذا الاجتهاد في هذه النقطة خطأ، فيكون هو موضع ضعف في انبعاث الإشعاع يحتاج إلى إعادة نظر، وإذا كان صواباً يكون غيره موضع ضعف في انبعاث الإشعاع.

إلا أن استمرار الاتصال بالناس طرأ عليه منذ أوائل سنة 1957 شيء من الانقطاع، وكان ذلك عن اجتهاد من المسؤولين، فلم يبق أحد من مراكز الإشعاع متصلاً بالناس اتصالاً مستمراً، وكانت المحافظة على استمرار السير الحجة التي قامت دليلاً على ضرورة وجود التخفيف من استمرار الاتصال، وصحب ذلك ضعف عام في الاتصال عند جمهرة الشباب من جراء التهيّب الذي وُجد عندهم من المجتمع والناس. ولهذا ضعُف وجود الإشعاع المنبعث إليهم من قادتهم، وضعُف بروز الإشعاع المنبعث منهم إلى الناس والمجتمع. وكانت محاولات المعالجة التي قام بها المسؤولون غير مجدية لأنها مبنية على دفع الجنود وعدم اندفاع القادة بالنسبة للاتصال. وكان هذا الاجتهاد في المحافظة على السير هو المتحكم، ولذلك لم تُفِد المعالجات، ولم ينسّقوا استمرار الاتصال بأي وجه من الوجوه. وإذا كان القادة لا يتصلون بالشباب ولا بالناس، والشباب لا يتصلون بالناس، فمن أين ينبعث الإشعاع؟ ويكاد يشمل هذا جميع القادة لا فرق بين القيادة ولجان الولايات الموجودة واللجان المحلية، ويُستثنى منه بعض المشرفين.

هذه هي النقطة التي أُحِس ضرورة معالجتها لأنها هامة. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان مستمراً في الاتصال بالمسلمين وسائر الناس لم ينقطع لحظة واحدة. فكان إشعاعه ينبعث للناس في أشد أوقات جمود المجتمع، وفي أشد أوقات الإعراض عن تلقي هذا الإشعاع حتى من أقرب المقربين لديه. ولذلك لا بد من إعادة النظر في اجتهادنا في هذه النقطة لأني أراه معارضاً للنص، ولا اجتهاد في مورد النص. نعم، قد يترتب على تغيير هذا الرأي والتمسك بالنص أمور على جانب عظيم من الخطورة والخطر، ولكني أرى النص ووجوب التمسك به ولا سيما بعد أن برز وجود ضعف في هذا الإشعاع، وأخشى أن يكون من خطأ هذا الاجتهاد. ومن هذا يمكن أن نستنتج أن النقطة الثانية من سر الإشعاع وسر التباسه وُجد فيها فارق بيننا وبين الرسول عليه الصلاة والسلام قد فسّرناه نحن بوجود فارق بين الظروف والحالات، وأخذنا النص معلَّلاً قدرنا مع العلّة، والعلة هذه مستنبطة استنباطاً وليست نصاً ولا دلالة.

أما النقطة الثالثة فإن هناك فرقاً بيننا وبين الرسول من حيث التزامات التكتل ومن حيث التبليغ والتعليم، فالرسول كان هو مسؤولاً عن التبليغ والتعلم، ولم يكلف المسلمون بأية تبعة عامة إلا بعد قيام الدولة. أما نحن، فكل فرد في الحزب عليه التزامات حزبية ومسؤول عن التبليغ والتعليم أمام الله. ولذلك هو حين آمن بالحزب، إنما آمن بتكتله من حيث كونه قائماً على الإسلام، وآمن بغايتيه: حمل الدعوة الإسلامية واستئناف الحياة الإسلامية، وتبنى أفكاره جميعها من مفاهيم عقائدية، وأحكام شرعية، وآراء سياسية، وأمور إدارية. ولذلك كان من المحتم أن يكلَّف بالتزامات، وهذه الالتزامات فوق كونها فرضاً عليه كمسلم وكحزبي من حيث التبليغ ومن حيث التعليم، هي مقدمات للجهاد أو تهيئة للجهاد، ولهذا كان لا مناص من التكليف بها. ولمّا كانت هذه الالتزامات ثقيلة، وبرز خطرها على مصالح الأفراد وعلى نفوسهم، لم يعد الإشعاع الذي انبعث إليهم والذي ينبعث منهم كافياً عند البعض لأن يجعله يحتمل في سبيله هذا الحِمل الذي تنوء به الجبال، ولهذا ضعُف وجود هذا الإشعاع لديه فضعُف وجوده لدى من حوله من الناس، فأخذ يسأل عن الاستطاعة، وأخذ يسأل عن تجزئة الالتزامات، وأخذ يسأل عن الكشف هل هو أسلوب أو طريقة، وأخذ يشعر بالهمّ، وصار يرى الخطر دائماً ويلمس ناره كلما دُعي لتوزيع منشور، بل أخذ يعيد نظره في وجوده في الحزب. كل ذلك لثقل الحِمل وتصور الأخطار مجسمة. ومن هنا جاء توهم ضعف الإشعاع من هذه الجهة، وجاءت شبيهة عدم السير على ما كان يسير عليه الرسول من عدم تكليف المؤمنين بشيء إلا بالمحافظة على إيمانهم. ولو جُعل التكليف اختيارياً، فضلاً عن عدم التكليف، واكتُفي منهم بالمحافظة على الإيمان، لظل الإشعاع في نفوسهم ولظهر بالمواظبة على الحلقات وبأخذ الأفكار وإعطائها للناس في حلقات ومناقشات ما دامت لا تسبب خطراً وإن سببت إزعاجاً. ولكننا لا نفعل ذلك لأن المسلمين كُلّفوا بعد وجود الدولة بأحكام فوجب عليهم أن يقوموا بها لا فرق بين أن كانت شُرعت في العهد المكي أو في العهد المدني، ولو كنا نقوم بعملنا الآن كما كان الحال في العهد المكي، ولكننا مكلّفون بجميع ما نزل على الرسول من أحكام. ومن هنا كان لا بد من التكليف بالتزامات لأن الشرع كلّف بها. وعليه فالنقطة الثالثة وإن كانت أكثر النقاط الثلاث صعوبة ومشاكل، وسببت ذهاب أكثر من 70% من الشباب، فإن الحكم فيها صريح، وقد أُخذت بحكم شرعي، ولهذا ليست هي سبب هذا الضعف في وجود الإشعاع.

ومن هذا يتبين أن موضع الشبهة القوية في سبب ضعف الإشعاع هو النقطة الثانية، وهي الانقطاع الذي حصل في استمرار الاتصال. وهو انقطاع في استمرار الاتصال وليس انقطاعاً في الاتصال، وهو الذي يحتاج إلى إعادة درس. أما النقطة الأولى فإنها وإن بُنيت فيها ناحية على اجتهاد في الأداء فإنها في نظري ليست موضع شبهة وإن كان يُظن عند البعض أنها محل الشبهة للمعالجة. أما النقطة الثالثة فلا أراها محلاً للظن لأية شبهة وإن كانت مصدر الإزعاج ومجلبة المشقات.

هذا يا أخي ما خطر لي من جواب على سؤالك: كيف السبيل إلى إيجاد بعض هذا الإشعاع الذي كان يشع في زمن الرسول عليه الصلاة السلام. فأرجو منك دراسته ثم دراسة العهد المكي في ابن هشام وحياة محمد ثم إعادة قراءته في ضوء ما وقر في ذهنك من السيرة وما تلمسه من واقع هو مناط الحكم، واكتب لي في ذلك مفصلاً أخي.

المخلـص

أخـوكم