بسم الله الرحمن الرحيم
جواب سؤال:
عن سبب عدم ظهور أي تأثير للحزب بين الناس في مجاله من حيث الأفكار الإسلامية الأساسية؟
إن من أعظم ما يجب أن يحصل على يد الحزب وجود الأفكار الإسلامية السياسية عند الناس وجوداً بارزاً يظهر في أحاديثهم ومناقشاتهم وأن يصل هذا الوجود إلى حد أن تبدو آثارها في علاقاتهم كبدو صلاح الثمر عند نضجه. وما لم توجد هذه الأفكار فإنه لا يمكن أن تحمل الأمة الرسالة التي يحملها الحزب ولا يمكن أن يوجَد وعي عام ينبثق عنه رأي عام. ومعلوم أن حمل الأمّة للرسالة التي يحملها الحزب شرط أساسي لقيامه في مهمته، وأن وجود وعي عام ينبثق عنه رأي عام أمر جوهري حتى يجوز للحزب أن يأخذ الحكم في أي جزء من مجاله. ولهذا كان من أهم ما يجب أن يشغل ذهن كل فرد في الحزب أن توجَد بين الناس الأفكار الأساسية من الإسلام كما تبناها الحزب ولا سيما الأفكار التي تعتبر من المقاييس والتي تؤثر على وجهة النظر في الحياة.
وتبيَّن من قياس أفكار الناس ومشاعرهم في جميع المجال أنه لا وجود للأفكار الأساسية الإسلامية بين الناس إلا وجوداً وراثياً حسب البيئة التي يعيشون فيها، ولا يبرز في أحاديثهم ولا في مناقشاتهم أي فكر أساسي من الإسلام، حتى العقيدة، وهي الأساس في كل فكر وحُكم، لا وجود لأفكارها في أحاديثهم ومناقشاتهم. وبالطبع لا ينتظر أن يبدو في علاقاتهم أي أثر لأفكار الإسلام. وبهذا يبدو أنه لم يظهر للحزب أي تأثير بين الناس في مجاله. ويقفز للذهن سؤال: ما هو السبب في ذلك؟ هل هناك خطأ في فهم الطريقة أم هناك إساءة في تطبيقها؟ أم هناك انحراف عنها؟ ولا يصح أن يقال هناك خطأ في الطريقة لأنها من العقيدة، ولا يجوز أن يتطرق إليها شك، كما أنه لا يصح أن يقال هناك خطأ في الأساليب لأن الخطأ فيها لا يمنع الوصول وإن كان قد يزيد ثقل الحِمل أو يطيل زمن الوصول. أما الطريقة فهي مرسومة رسماً مستقيماً لا عوج فيه ولا غموض. يجب أن يفهم المسلمون أفكار الإسلام الأساسية، وأن يُستنهضوا للعمل بالإسلام وللإسلام. وأثناء ذلك تهاجَم أعمال الحكام بالقول الحق، وتحرّض الأمّة عليهم لمحاسبتهم، وتُكشف للأمة خطط الكفار والمنافقين، ويجب أن يُسلك السبيل إلى ذلك من غير تقية ولا وجل، ومن غير مجاملة ولا مواربة، بل سافراً متحدياً. ويجب أن يقابَل الواقع كما هو، ويُشخّص كما هو، ويعالَج كما هو، على طريقة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لا على طريقة معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص. هذه هي الطريقة، وهي أحكام شرعية فُهمت من الكتاب والسنّة ولا سيما سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، مع العناية التامة في فهم مناط الحكم كفهم النص. أما تطبيقها فكذلك كان من الطريقة أحكاماً شرعية، بالثقافة المركزة في الحلقات، والثقافة الجماعية بالقدر الذي يُتمكن فيه من أدائها، ولو مع احتمال الأذى، وبالمناقشات الخاصة والعامة في الزيارات والاتصالات، تماماً كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلقة خبّاب بن الأرَت، وفي إسماع الناس القرآن من قبل الرسول عليه السلام وبعض أصحابه كعبدالله بن مسعود، وفي اتصالات الرسول بالناس واتصالات بعض أصحابه كأبي بكر. أما مهاجمة أعمال الحكام فكان تطبيقها بتبني مصالح الأمّة أخذاً من مهاجمة القرآن للربا والتطفيف أثناء الدعوة في مكة. ومنها كشْفُ الخطط، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد كشف خطط قريش ضد المسلمين حين أقبل على الناس في بدر وقال: (هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها)، وحين بيّن قصد المنافقين من بناء مسجد ضرار. وهو وإن كان في المدينة ولكنه نص شرعي ولا فرق فيه بين النص المكي والنص المدني من حيث الاستقبال وإنما الفرق من حيث الواقعة التي يطبَّق عليها. وعلى هذا فلا يحتمل هناك أي إساءة أو أي انحراف. ولا يقال إن الحزب اشتغل بالأعمال السياسية عن الأعمال الثقافية وغلب عليه كشف الخطط وتبني المصالح على تفهيم الأفكار الأساسية من الإسلام. لا يقال ذلك، لأن الحزب كائن حي يسير مع الحياة. فلا بد أن ينزِّل الأفكار التي يحملها فكرية كانت أم سياسية على الوقائع اليومية حين وقوعها، فهو ككلّ يبادر عند حصول أي واقعة فيعلن فكرة فيها على شكل تبني مصالح، أو كشف خطة، أو مناقشة عمل، أو مهاجمة رأي، وهذا نفسه تفهيم للأفكار واستنهاض للعمل بها ولها. وهو كأفراد بالرغم من ضغط الأحداث والحوادث السياسية وإبعاد النواحي الفكرية بالنسبة للأجواء التي تكتنف مجال الحزب، فإنه لا يزال -إجمالاً- أفراد كثيرون يناقشون فيما يحصل أمامهم من أفكار إسلامية كانت أم سياسية، وإن كانت تطغى المناقشات السياسية على المناقشات الفكرية في كثير من الأحيان. أما فقدان الثقافة الجماعية فإنه ناجم عن حصار النشر المضروب على الحزب، وما زالت تجري المحاولات لفك هذا الحصار واتخاذ الأساليب والوسائل للوصول إلى إيجاد الثقافة الجماعية. وعليه فإن الحزب يقوم بجميع أعماله قياماً حياً سائراً مع الحياة ونموها وتغيّرها. فيشتغل بالأعمال الثقافية كالأعمال السياسية ولكن اشتغالاً حياً حسب ما يتطلبه سير الحياة من غذاء.
ومن ذلك يتبين أن ما يبدو من عدم ظهور أي تأثير للحزب بين الناس من حيث الأفكار الإسلامية الأساسية ليس ناتجاً عن خطأ في فهم الطريقة، ولا عن إساءة في تطبيقها، ولا عن انحراف عنها، وإنما طبيعة الطريقة نفسها لا تجعل بروز آثارها سريعاً، وطبيعة المجتمعات، ولا سيما المجتمعات المتأخرة فكرياً، يكون انتقال الحرارة إليها بطيئاً جداً، أي يكون تأثرها بالأفكار يحتاج إلى المدى الطويل والجرعات القوية، ولهذا لا بد أن يكون الإيمان بالطريقة إيماناً جازماً لا يؤثر عليه عدم ظهور تأثيرها، وأن يصحب هذا الإيمان تسليم مطلق، ومعرفة الحكم الشرعي في ذلك معرفة صحيحة، وهو أن الفرض هو أداء الأفكار والقيام بالأعمال التي يتطلبها هذا الأداء كالقيام بأعمال الصلاة كالركوع والسجود سواء بسواء. وأما قبول الناس لهذه الأفكار أو رفضهم لها أو مقاومتهم لها فهو ليس على المسلمين وإنما تكفَّل فيه الله (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم). والتأثير ليس ناجماً عن كثرة الأفكار التي أُعطِيَت أو قلّتها، ولا بطول الزمن أو قصره، وإنما هو من حيث العقيدة آتٍ من الله ووفق علم الله. ومن حيث وصف الواقع يختلف باختلاف المجتمعات والناس، فالرسول صلى الله عليه وسلم في مكة على عظمة القوة الروحية التي يملكها لم يؤثر في مجتمع مكة، ولم يؤثر في جماهير الناس فيها، ولم يؤثر إلا في أفراد معدودين مع أنه مكث فيها ثلاث عشرة سنة، ومصعب بن عمير أثّر في سنة واحدة في المدينة، في المجتمع والجماهير وأكثرية الأفراد من أهل المدينة. فمسألة تأثير الحزب في الناس من حيث الأفكار الإسلامية الأساسية إنما تأتي من الله وحده. وما على الحزب إلا أداء هذه الأفكار الأساسية والقيام بالأعمال التي يتطلبها هذا الأداء، وليس عليه أن يؤثر مهما بذل من قوة ومهما طال الزمن، إلا أن عليه أن يظل يدأب على العمل مع دوام توطيد صلته بالله حتى يحصل هذا التأثير، لأنه لا بد أن يحصل جزماً إنجازاً لوعد الله. ويستحيل شرعاً عدم حصوله ما دام السير في الطريق التي بيّنها الله وبيّن أنها توصل إلى الغاية المبتغاة.