بسم الله الرحمن الرحيم

جواب السؤال

الفرق بين عملية الإفهام في مرحلة الثقافة ومحاولة المخاطبة، وبين عملية الإفهام في دور التفاعل

إن التفاعل هو إفهام الأمة مبدأ الحزب ليكون مبدأها، وهذا الإفهام من الحزب للأمّة كان موجوداً في مرحلة الثقافة وفي محاولة المخاطبة، إذ كان الحزب يعطي أفكاره وآراءه ليفهموها ويعتنقوها. وفي المنشورات طالما حثهم على اتخاذهم آراء لهم والعمل لها. فما هو الفرق عملياً بين عملية الإفهام في مرحلة الثقافة ومحاولة المخاطبة، وبين عملية الإفهام في دور التفاعل؟ ثم أين وصل الحزب الآن على وجه التحديد الذي يوضع الاصبع عليه؟

الجــــــــــــــــواب:

إن عمل الحزب كله من أوله إلى آخره، منذ نشأته وإلى قيام الساعة، هو إفهام الناس ما يتبناه من أفكار وآراء وأحكام ليعتنقوها ويعملوا بها ولها. فهذا عمله قبل قيام الدولة، وهذا هو أيضاً عمله بعد قيام الدولة. غير أن هذا الإفهام يختلف مدلوله باختلاف الكيفية التي يؤدى فيها، وبالتالي تختلف نتائجه. فالثقافة هي إفهام الناس أفكار الحزب بكتبه ونشراته وخطب شبابه ومناقشاتهم. وهذه العملية بارزة في الحلقات، وبارزة في المناقشات الفكرية، وكانت بارزة في مرحلة الثقافة، فالجهد يُبذل في الإفهام ويُبذل كذلك في الحرص على كسب الأشخاص الذين يفهمهم إما بالانضمام إلينا أو بحمل أفكارنا، ولكن لا يصحب هذا الإفهام حمل الذين نفهمهم على القيام بأعمال معينة ولا مشاركتنا بأعمال معينة. أما محاولة المخاطبة والمخاطبة، فهي أن نخاطب الناس بأفكار الحزب وآرائه منزّلة على وقائع معينة لافتين نظرهم إلى أخذها والقيام بما جاء فيها، ولكن لا يصحب هذا الإفهام ولفت النظر محاولات عملية لحملهم على القيام بهذه الأعمال ولا على مشاركتنا بالقيام بها. فالمخاطبة أكثر من الثقافة، إذ يصحب إفهام الفكر لفت نظر لأخذه والعمل به سوى أنه لا يقترن بمحاولات عملية لحملهم على القيام فعلاً بالعمل الذي لُفت النظر إليه ولا على مشاركتنا لأن نقوم به معاً. وهذا كله بخلاف التفاعل فإنه إفهام الناس أفكار الحزب وآرائه في أمور أو أعمال أو تصرفات جارية فعلاً وتنزيلها عليها وحمل الناس بشكل مقصود وبدأب متواصل على القيام فعلاً بما نطلبه بالنسبة للفكر أو الرأي الذي أعطيناه في الحادثة الجارية وبذل الجهد لأن يشاركونا في القيام بهذا العمل، أي التفاعل لا يقتصر على إفهام الناس الفكر والرأي والحرص على أن يعتنقوه ويجعلوه لهم، ولا يقتصر على مخاطبتهم بالفكر والرأي منزّلاً على وقائع ولفت نظرهم إليه ليجعلوه لهم ويعملوا به، بل هو إلى جانب ذلك كله حمل الناس بشكل مقصود وبدأب لأن يجعلوه فكرهم بحملهم على العمل له بمشاركتنا. فالناحية الزائدة فيه هي حمل الناس فعلاً بشكل عملي على القيام فعلاً بالعمل وعلى مشاركتنا بالقيام به. وبهذه الناحية الزائدة يفترق التفاعل عن المخاطبة وعن الثقافة. وبهذا الافتراق تحصل ثلاثة أمور:

أحدها: بناء القاعدة الشعبية، ولم يكن ذلك قبل وصول الحزب إلى هذه المرحلة. ففي مرحلة الثقافة كان الحزب يعطي الأمّة أفكاراً، وفي محاولة المخاطبة كان الحزب يخاطب الأمّة بآرائه في بعض مصالحها وأمورها، أما في مرحلة التفاعل فيريد الحزب أن يُعد الأمّة إعداداً عملياً لتندفع جماهيرياً بحماسٍ لأفكاره ولآرائه في مصالحها وأمورها، وهذا الإعداد يحتم عليه كسب أشخاص يشاركونه في كل شيء فيصبحون جزءاً منه، وكسب جمهرة الناس لتأييده ومشاركته في الرأي والعمل فيما يتعلق بمصالح الأمّة وأمورها. وبهذا، أي بحمل الأشخاص وبحمل الجماهير على القيام فعلاً بالأعمال ومشاركتنا إياها تتكون قاعدة من سواد الأمّة وجماهير الناس للحزب، أي تتكون القاعدة الشعبية. ومن هنا سمي العمل لإعطاء الأفكار والآراء وكسب الأشخاص وجماهير الناس وحملهم ليشاركوا الحزب في أعماله، سمي هذا بناء قاعدة شعبية، لأن واقعه كذلك، إذ أن الحزب لا يعطي أفكاره وآراءه فحسب، وإنما يعطي الآراء ويلاحقها ليكسب بها قوى هي قوة الرأي العام وقوة الأفراد وقوة الشخصيات القوية، جِماع العمل فيها الملاحقة، أي ملاحقة ما بثه من أفكار وما أعطاه من آراء لتوجَد فعلاً. فهو يستهدف عن قصد وتعمد كسب رأي عام منبثق عن وعي عام، ويستهدف عن قصد وتعمد كسب أشخاص للحزب، ويستهدف عن قصد وتعمد الشخصيات القوية لتؤيده. وبهذه الكيفية يقوم فعلاً ببناء القاعدة الشعبية. غير أن هذه العملية أي بناء القاعدة الشعبية إنما تتم ضمن عملية أخرى هي العملية الصهرية للأمّة، وهي السعي لتوحيد الأفكار والآراء والمعتقدات عند الأمّة توحيداً جماعياً إن لم يكن توحيداً إجماعياً. وذلك أن الحزب أدرك منذ نشأته الأدران التي أدت إلى انحطاط الأمّة، والأدران التي تولدت عندها أثناء انحطاطها، وتبنى من أول يوم الأفكار والآراء والمعتقدات التي تقضي على هذه الأدران والتي يوحّدها عند الأمّة فيتوحد بتوحيدها هدفها. فهو يملك مادة العملية الصهرية وهي الأفكار والآراء، وفوق ذلك فإن هذه الأفكار والآراء قد تبلورت لدى مجموع شباب الحزب ومجموع أجهزته، وانتقلت من معاني لجمل من الكلام إلى واقع متصور في الذهن، وهي في طريقها إلى أن تنتقل لدى الحزب أي لدى مجموع شبابه ومجموع أجهزته إلى واقع محسوس في الحياة بوضع الاصبع على مدلولها، وبهذا تكون مادة بناء القاعدة الشعبية وهي الأفكار والآراء منزّلة على الوقائع الجارية، ومادة العملية الصهرية بالذات من هذه الأفكار والآراء، وهي التي تقضي على الأدران التي أدت إلى انحطاط الأمة أو تولدت عندها أثناء انحطاطها، والتي توجد عند الأمّة ويتوحد بتوحيدها هدفها، هذه المادة تكون جاهزة وموجودة فلم يبق إلا القيام بعملية بناء القاعدة الشعبية، أو بشكل أعم بجعل الحزب بوتقة تصهر الأمّة؛ أي القيام بعملية تكاثر الخلايا إلى جانب القيام بإيجاد الوعي العام، وذلك بحمل الأشخاص وحمل جمهرة الناس على القيام بما نفهمهم إياه من أفكار، ومشاركتنا في القيام بالعمل به وله. وبهذا يتبين أن حمل الناس على العمل بما نقوله لهم ومشاركتنا بالعمل به وله يُنتِج بناء قاعدة شعبية، كما يُنتِج جعل الحزب بوتقة تصهر الأمّة بقيامه بالعملية الصهرية فيها. ومنه يظهر افتراق إفهام الأفكار في مرحلة التفاعل عن إفهامها في مرحلة الثـقافة وفي محاولة المخاطبة.

ثانيها: العناية الفائقة بالأعمال الجزئية وبمراجعة الثـقافة الحزبية، ولم يكن ذلك قبل وصول الحزب إلى هذه المرحلة، ففي مرحلة الثـقافة كان الحزب يحرص على شرح الأفكار وبلورتها للناس، وكان يُعنى بالأمور السياسية بعض العناية. وفي محاولة المخاطبة كان الحزب يُعنى بإعطاء الرأي في الوقائع البارزة بالأفكار والآراء. وفي فترة البدء بطرق باب المجتمع وفي فترة طرق باب المجتمع عُني بالعلاقات المحلية، وازدادت عنايته بالأمور السياسية والأعمال المحلية، ولكن كانت الأمور السياسية هي الغالبة. وفي كلتا الحالتين لم يكن يُعنى بالجزئيات الصغيرة ولم يكن يُعنى بمراجعة كتب الحزب لفهم التفصيلات الجزئية في الأفكار والتفريع عليها. أما في مرحلة التفاعل فإن مجموع أجهزة الحزب ومجموع شبابه بل كل شاب فيه ملزم بالاتصال بالناس وملزم بأن يقول للناس أفكاراً وآراءً وأحكاماً منزلة على وقائع جارية في المجتمع ولذلك هو ملزم بمعرفة هذه الحوادث الجزئية وملزم بإعطاء الرأي فيها وإلا فقد مادة الاتصال وبالتالي فقد الاتصال. ولذلك هو ملزم بتتبع الأعمال الجزئية الجارية في المجتمع، وملزم بمراجعة كتب الحزب للتأكد من الرأي المنطبق على هذه ااااااتنخئسبيالأعمال الجزئية أو من التفريع عن الفكر المتبنى في الكتب. ومهما كانت إحاطته بثـقافة الحزب فإنه لا يستغني عن المراجعة ولا بوجه من الوجوه, ومهما كانت قدرته فإنه لا غنى له عن معرفة الحوادث الجزئية أي تتبع الجزئيات، ومن هنا يظهر افتراق إفهام الأفكار في مرحلة التفاعل عن إفهامها في مرحلة الثقافة وفي محاولة المخاطبة، لأن هذا الإفهام في مرحلة التفاعل يحتم عليه تتبع الأعمال الجزئية ويحتم عليه مراجعة الكتب والتفريع على الأفكار.

ثالثها: الاستهداف المباشر لأخذ السلطة، ولم يكن ذلك قبل وصول الحزب إلى هذه المرحلة. ففي مرحلة الثقافة كان الحزب يصرّح بأنه يطلب تسلم الحكم، وسجل في مفاهيمه المتبناة أن طريقته لتنفيذ غايته هي تسلم الحكم. ولكن ذلك لم يصل إلى حد الاستهداف المباشر بل كان مجرد مفهوم متبنى. وفي محاولة المخاطبة كان الحزب يعلن أنه يستهدف الحكم، ويصارع الحكام بالمنشورات والوفود للناس ليبين جهل الحكام وعدم قدرتهم على القيام بأعباء الحكم وعمولتهم وخيانتهم لتدرك الأمّة أن الحزب هو الذي يجب أن يستلم الحزب، ولكن هذا لم يصل إلى حد الاستهداف المباشر بل كان مجرد صراع فكري ومجرد كفاح سياسي. أما في مرحلة التفاعل فيريد الحزب تسلم الحكم فعلاً ولكن عن طريق الأمّة، ويستهدف الحكم استهدافاً مباشراً ولكن من يد الأمّة. وبما أنه يدرك أين تكمن السلطة وكيف يتسلم الحكم لذلك يسير حسب إدراكه، فهو يهاجم أعمال الحكام هجوماً عنيفاً بشكل تتعرض معه السلطة القائمة لما يحطم أضلاعها ويزيل هيبتها ويطمّع الناس فيها ويكثر من الأيدي والأصابع التي تأخذ بحلاقيمها، ويكون هجومه هذا هجوماً على حكم كفر وعلى سلطان غير إسلامي، ولذلك تتجلى فيه الغلظة والشدة والقسوة، ويكون الحزب حذراً من أي تساهل أو أية مراضاة أو أية مهادنة، قال تعالى: (ودّوا لو تُدهِن فيُدهنون). غير أن هذا الهجوم إنما يكون بالأفكار المتبناة منزّلة على الوقائع الجارية ولا يكون بغير ذلك مطلقاً، وفي نفس الوقت يقوم الحزب أي مجموع أجهزته ومجموع شبابه بالهجوم على ما عليه الأمّة من كونها تعيش في دار كفر وتُحكم بأحكام كفر وعلى ما هي عليه من الذل والانحطاط. ويكون هذا الهجوم كذلك عنيفاً صلباً لا يقبل أي تساهل ولا أي سكوت أو تنازل لأنه هجوم على ما حرّمه الشرع على المسلمين من العيش في دار كفر ومن الرضى بالذل للكفار ومن سيادة أحكام الكفر. إلا أن هذا الهجوم إنما يكون كذلك بالأفكار المتبناة منزّلة على الوقائع الجارية ولا يكون بغير ذلك مطلقاً، ويكون من أجل كسب الأمّة ضد الحكم والحكام وجعلها بجانب الحزب. وإلى جانب هذين الأمرين يقوم الحزب بإضعاف الوسائل التي تساعد على سند السلطة مثل الجيش والنواب والقضاة وأجهزة الأمن وذلك بتنفيرهم مما عليه الحكام من باطل وظلم وحكم كفر وخضوع لنفوذ الكفار وما شابه ذلك ومحاولة كسبهم وبعث المحبة والهيبة في نفوسهم لأفكار الحزب، ومهاجمة الذين يحملون أفكار الكفر منهم لكسبهم أو إضعافهم مع الحذر في كل ذلك من المجاملة أو المداراة في أي فكر من أفكار الكفر أو المفاهيم المغلوطة أو التصرفات الخاطئة التي تلاحَظ لديهم، ويكون ذلك كله، أي كسبهم وبعث هيبة الحزب ومهاجمة الأفكار، يكون ذلك كله بأفكار الحزب منزّلة على الوقائع الجارية ولا يكون بغير ذلك مطلقاً. وبهذا الهجوم على الحكام لإضعافهم، وعلى ما هي عليه الأمّة لكسبها ضد الحكم وإلى جانب الحزب، وإضعاف الوسائل التي تسند السلطة، يحصل الاستهداف المباشر لأخذ السلطة. ومن هذا يظهر افتراق إفهام الأفكار في مرحلة التفاعل عن إفهامها في مرحلة الثقافة ومحاولة المخاطبة، لأن هذا الإفهام في مرحلة الثقافة لم يكن أكثر من رأي يعطى وفي محاولة المخاطبة كان صراعاً فكرياً وكفاحاً سياسياً ليس غير. أما في مرحلة التفاعل فيتحتم أن يكون هذا الإفهام مصحوباً بقصد معين ومقروناً بأعمال معينة ينتج عنهما، أي عن القصد وعن الأعمال، الوصول إلى تسلم السلطة.

أما أين وصل الحزب الآن على وجه التحديد:

هذا هو الفرق عملياً بين عملية الإفهام في مرحلة الثقافة ومحاولة المخاطبة وبين عملية الإفهام في مرحلة التفاعل. أما أين وصل الحزب الآن على وجه التحديد فإنه يمكن معرفته من الرجوع لمعنى كلمة تفاعل وتطبيقه على الوقائع الجارية والأعمال التي نقوم بها تجاه هذه الوقائع. فكلمة تفاعل تعني حمل الناس بشكل مقصود وبدأب متواصل لأن يجعلوا الأفكار التي نفهمهم إياها، بالمنشورات أو بالمناقشة أو بالنقد اللاذع، أفكارهم بحملهم على العمل لها ومشاركة الحزب في ذلك.هذا هو معنى التفاعل، أما الوقائع الجارية فهي أعمال يومية دائمية تحصل كل يوم، والحزب يعطي رأيه فيها، فمجموع الأجهزة ومجموع الشباب يعطون كثيراً من الآراء في هذه الوقائع الجارية، ولكن محاولة حمل الناس على جعل ما يعطيه الحزب أفكاراً لهم يحملهم على العمل لها ومشاركة الحزب بذلك غير موجودة بالرغم من لفت النظر للقيام بها والحث على إيجادها. فتكون هذه هي النقطة التي وصل إليها الحزب، وهي محاولة حمل الناس على جعل ما يعطيه الحزب من آراء في الوقائع الجارية أفكاراً لهم بحملهم على العمل لها ومشاركة الحزب في ذلك. فمثلاً بيّن الحزب أن محاولة عبدالناصر ضرب ضباط الجيش في سوريا وإشعال ثورة أهلية فيها أضعف وضع الحكم هناك وحوّله من وضع هجوم إلى مسايرة. فهذه حادثة بيّن الحزب رأيه فيها، وكان من قَبْل حثّ على الاتصال الحي لجعل آراء الحزب آراء للناس، ومع ذلك لم يحصل شيء من هذا، ولم يزِد العمل على التوزيع. وعليه يكون ما يحاوله الحزب ولم يحصل بعد هو النقطة التي وصل إليها الحزب بالتحديد، فالحزب دخل في دور التفاعل في النصف الثاني من سنة 1960، وأمضى سنة 1961 وهو يحاول السير خطوة واضحة في دور التفاعل. ومنذ أن دخلت سنة 1962 وهو يقوم بأعمال محددة لاجتياز النقطة التي وصل إليها، وعليه فإن المحاولات الجارية في حمل الناس لجعل آراء الحزب آراءهم هي بالتحديد النقطة التي وصل إليها الحزب. وبذلك يمكن لكل شاب أن يضع اصبعه على "أين وصل الحزب".

23 ذي الحجة 1381

26/5/1962