بسم الله الرحمن الرحيم

إعطاء معلومات عن الحزب والشباب للمخابرات

فيه ضرر محقق ويحرمه الإسلام

حصل أن بعض الشباب عندما يعتقلون أو يستدعون إلى المخابرات للتحقيق معهم لأي غرض من الأغراض، لا يقفون مواقف الصمود ومواقف المؤمنين الصلبة، بل لا يلبثون إلا قليلاً حتى يتهاووا ويتخاذلوا أمام المخابرات، ثم يعطونها كل ما تطلبه منهم من معلومات سواء أكانت تتعلق بالحزب وأعماله، أم بأجهزته وتشكيلاته أم بتسييره وإدارته، أم بقيادته وبمسؤوليه، أم بجلساته وحلقاته، أم بشبابه ومؤيديه، أم بأساليبه وحركاته.

كما أن بعضهم يصل به التهاوي والتخاذل إلى حد إعلان براءته من الحزب واستنكاره للحزب وأعماله، وقبوله بالطعن على الحزب ووصمه بالهدّام ووصم قيادته بالعمالة.

إن مما لا شك فيه أن جميع الشباب حتى من يتخاذل منهم، يعتبرون أن الموقف المتخاذل لا يليق بحامل الدعوة أن يتصف به وأنه موقف يتناقض مع موقف المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا لله النية، فصدق الإيمان وإخلاص النية لله يتطلبان من الشباب حاملي الدعوة، بل من المسلم أن يكون متحلياً بالصلابة والثبات والصبر على الشدائد وتحمل المكاره، وأن لا يهن ولا يضعف أمام الأعداء وأمام الحكام الظلمة وأمام جلاوزتهم مهما أصابه من عذاب نفسي أو جسدي، ومهما لحقه من ضرر في نفس أو مال أو أهل، لأن حامل الدعوة يكون قد هيأ نفسه لتحمل المشاق والصبر على المكاره، فطبيعة تبليغ الدعوات وحملها منذ أن أرسل الله الرسل دفعت خصومها إلى الوقوف في طريقها، والتصدي لمُبلِّغيها وحمَلتها والمؤمنين بها بالفتنة والتعذيب والبطش والقتل والتعدي عليهم وعلى أموالهم وأهليهم، وقد بين الله سبحانه للمسلمين أن ذلك هو سنّة الله في خلقه، وبين لهم أنهم سيُفتَنون وسيُعذَّبون وسيُبتلون في الأنفس والأموال والأولاد، وقد حضهم على الصبر وعلى تحمل المكاره والقيام على أمر الله دون أن يصدهم صاد، أو يقعدهم ابتلاء في نفس أو مال أو ولد، وبيّن أن الصبر والتحمل أمارة صدق الله وإخلاص النية له، وجعل الجنة جزاء لمن يصبر ويتحمل ويستمر في القيام على أمر الله. وقد حض الله المسلمين على أن لا يهنوا وأن لا يضعفوا أمام أعدائهم وهم الأعلون، حيث قال: (أحسب الناس أن يُترَكوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتَنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)، وقال جل شأنه: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزُلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب)، وقال: (لتُبلوُنَّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعُنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)، وقال: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)، وقال: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).

لقد كُذب الرسل والأنبياء هم ومن آمن بهم كما أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوذي صحابته الكرام، فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى جاءهم نصر الله سبحانه، ولم يثنهم الإيذاء والعذاب والشدة عن تمسكهم بدينهم وعقيدتهم وعن المضي في حملها، وقد وقع بهم من البلاء الشيء الكثير، وصبروا حتى الموت كما حصل مع آل ياسر، وكما عُذِّب بلال وعمار وزنيرة وابن مسعود وخباب وغيرهم من الصحابة الكرام وابتلوا بالجوع والعطش والبطش والتعذيب الشديد، فلم يثنهم ذلك عن عقيدتهم شيئاً، وقد نُشر أصحاب الرسل السابقين بالمناشير ومشطوا بأمشاط الحديد وأُحرقوا بالنيران فما رجعوا عن دينهم وما استكانوا لأعداء الله وأعدائهم، قال تعالى: (قُتِل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السموات والأرض، والله على كل شيء شهيد). وأخرج مسلم عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان مَلِك في مَن قَبلكم وكان له ساحر، فلما كبر، قال للملك: إني كبرتُ فابعث إليّ غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلامه يعلمه، وكان في طريقه ،إذا ذهب إلى الساحر، راهب، فقعد الغلام إلى الراهب وسمع كلامه فأعجبه، وكان الغلام كلما أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكى ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو على ذلك، إذ أتى على دابة عظيمة وقد حبست الناس، فقال: اليوم أعلَم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستُبتلى، فإن ابتُليت فلا تدل عليّ. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأمراض. فسمع به جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة وقال له: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال له الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما الذي يشفي هو الله تعالى، فإن آمنت بالله دعوت الله لك فشفاك. فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربي. قال الملك: ألك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الغلام. فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل. فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب. فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا الملك بالمنشار، فوُضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوُضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه الملك إلى نفر من أصحابه وقال لهم: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، وقال: اللهم اكفِنيهُم بما شئت. فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فُعل بأصحابك؟ فقال الغلام: كفانيهم الله تعالى. فدفعه الملك إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به، فحملوه في قرقور -قارب- وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به فقال: اللهم اكفِنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، فجاء الغلام يمشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فُعل بأصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى. فقال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فقال الملك: ما هو؟ قال الغلام: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم تأخذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الملك الناس في صعيد واحد وصلب الغلام على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغ الغلام فوضع يده في صدغه فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأُتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه السكك فحُفرت وأُضرم فيها النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق). وأخرج البخاري عن خباب بن الأرَت يقول: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر الوجه فقال: (قد كان من قبلكم ليُمشّط بأمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ولَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون). وأخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي رافع قال: وجّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشاً إلى الروم، وفيهم رجل يقال له عبدالله بن حذافة السهمي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأسره الروم، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا له: إن هذا من أصحاب محمد، فقال له الطاغية: هل لك أن تتنصّر وأشركك في ملكي وسلطاني؟ فقال له عبدالله: لو أعطيتني ما تملك وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت. فقال له الطاغية: إذن أقتلك، قال: أنت وذاك، فأمر به فصلب، وقال للرماة: ارموه قريباً من يديه، قريباً من رجليه، وهو يعرض عليه وهو يأبى، ثم أمر به فأُنزِل، ثم دعا بقِدر وصُبّ فيه ماء حتى احترقت، ثم دعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقي بها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم أمر به أن يلقي فيها، فلما ذُهِب به بكى، فقيل له: إنه قد بكى، فظن أنه قد جزع، فقال: ردّوه، فعرض عليه النصرانية فأبى، فقال: ما أبكاك إذن؟ قال: أبكاني أني قلت في نفسي تُلقى في هذا القدر فتَذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة من جسدي نفس تُلقى في الله. فقال له الطاغية: هل لك أن تقبِّل رأسي وأخلي عنك؟ قال له عبدالله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: وعن جميع أسارى المسلمين، قال عبدالله: قلت في نفسي: عدو من أعداء الله أقبِّل رأسه يخلي عني وعن أسرى المسلمين، لا أبالي. فدنا منه فقبّل رأسه، فدُفع إليه الأسارى، فقدم بهم على عمر رضي الله عنه بخبره، فقام عمر فقبّل رأسه.

هذه نماذج مشرّفة حصلت مع الأنبياء السابقين ومع من تبعوهم من المؤمنين وحصلت مع الرسول الكريم وصحابته الغُرّ الميامين، وقد حصل مثلها مع بعض إخوان لكم من الحزب، قد عُذّبوا حتى الموت فلم يهِنوا ولم يضعفوا واستمروا صامدين صابرين محتسبين حتى فاضت أرواحهم الطاهرة إلى بارئها مستبشرة بلقائه كما حصل مع الشهيد عبدالغني الملاح في بغداد سنة 1963م الذي استشهد تحت تعذيب البعثيين له، وهو أول شاب استشهد من شباب الحزب، وقد صبر على التعذيب ولم يعطِهم كلمة واحدة، ولم يكن يتلفظ وهم يعذبونه إلا بكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله والله أكبر، حتى فاضت روحه إلى بارئها. وكذلك الشهداء ناصر سريس وعلي أحمد عوض الله وبديع حسن بدر ونمر خالد خميس وعبدالله حموده وعبدالله المسلاتي والكردي وصالح النوال ومحمد جفاف الذين قتلهم السفاك الطاغية القذافي، وماجد القدسي الدويك ومحمد بيومي والفاقوري الذين استشهدوا تحت تعذيب جلاوزة القذافي، فإنهم لقوا الله وهم صامدون دون أن يتزعزع فيهم الإيمان. بالأمس القريب استشهد إخوة لكم في العراق قتلهم السفاح الظالم صدام منهم المهندس ماهر الشهبندر والمهندس أحمد البنا وشقيقه حسن البنا والشيخ ناظم العاص وثلة من الضباط المخلصين، فإنهم لقوا الله وهم على وعدهم وعهدهم لم يتزعزع لهم إيمان ولم تضعف لهم قناة، حتى فاضت أرواحهم الطاهرة إلى بارئها فرحة بلقائه.

وكذلك فإن لكم إخواناً في سجون عمان والشام وبغداد وتونس وقد عذّبوا وضربوا فصمدوا ولم يهنوا ولم يضعفوا ولم يعطوا المخابرات شيئاً.

هذه هي مواقف المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا لله دينهم فصبروا على ما ينالهم من الأذى وشدة البلاء والتعذيب والفتنة، وهي مواقف مشرّفة، فأين منها موقف التخاذل أمام الأعداء وأمام الحكام الظلمة ومخابراتهم؟ فموقف التخاذل وإعطاء المعلومات فوق كونه يتناقض مع مواقف المؤمنين الصادقين، ومواقف حملة الرسالات والدعوات فإنه لا يخلّص صاحبه ولا يخفف عنه الإيذاء من هؤلاء الظلمة، وهو موقف يجلب الازدراء والاحتقار للشاب والحزب ويزيد من تجرؤ هؤلاء الحكام الظلمة على الحزب وشبابه، بينما مواقف المؤمنين الصادقة الجريئة الصلبة توقِع الرهبة من الحزب وشبابه في قلوب هؤلاء ونفوسهم وتفرض الإكبار والاحترام للحزب ولشبابه عندهم وعند الأمّة.

إن المواقف الجريئة الصلبة، مواقف المؤمنين الصادقين، هي التي يجب أن يتحلى بها جميع شباب الحزب، خاصة في هذه الأيام التي تكالب فيها الكفر وأعوانه والكفار وعملاؤهم من حكام المسلمين على الكيد للحزب وشبابه للقضاء عليه أو حرقه بعد أن لمسوا الخطر الحقيقي منه.

لذلك يجب أن يَبعُد الشباب عن مواقف الجُبن ومواقف الضعف أمام الحكام الظلمة، وأمام مخابراتهم، وأن يمتنعوا عن إعطاء المعلومات التي تطلبها المخابرات منه، فإعطاء المعلومات عن الحزب وأجهزته وتشكيلاته وعن قيادته ومسؤوليه وشبابه وعن حلقاته وجلساته وعن أساليبه وتحركاته، وعن كيفية تسييره وإدارته، يلحق أكبر الضرر بالحزب وأمنه ويتيح لهؤلاء الحكام الظلمة أن يبطشوا بالحزب وأن يعرقلوا سيره وأن يلاحقوا شبابه، وبذلك يكون الشاب الذي يضعف ويعطي المعلومات عوناً ومساعداً لهؤلاء الظلمة لضرب الحزب وإعاقة الدعوة وإيذاء شبابه، كما يكون عوناً لهؤلاء الحكام في الوقوف أمام إعادة حكم الله إلى واقع الحياة، وإعادة الخلافة إلى الأرض، وفي ذلك ضرر محقق للحزب وسيره، والضرر محرّم شرعاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، كما أنه إيذاء للشباب وخذلان لهم وتيسير إلى تسليمهم لعدوهم، والله سبحانه وتعالى قد حرّم كل ذلك وجعله إثماً عظيماً، قال تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا).

كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى المسلم عن أن يؤذي المسلم أو أن يخونه أو أن يظلمه أو يخذله أو يروّعه أو يسلِمه إلى عدوه وجعل عِرض المسلم ودمه وماله عليه حرام. عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلِمه)، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام عِرضه وماله ودمه)، وعن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده) وعنه صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يروّع مسلماً)، وفي رواية أخرى: (لا تروّعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم).

أما ما يصل إليه بعض المتخاذلين من الاستجابة لما تطلبه المخابرات منهم من إعلان البراءة من الحزب واستنكار الحزب وأعماله، وقبول وصف الحزب بالهدّام، ووصم قيادته بالعمالة، فذلك إثمه عند الله كبير، لأنه يعني البراءة من الذين يعملون لتطبيق أحكام الإسلام والاستنكار من تطبيق الإسلام وإعادته إلى الأرض، وإعادة الخلافة إلى الوجود والاستنكار من الأعمال التي أمر الله المسلمين بها ليعيدوا تطبيق أحكام الإسلام عليهم. هذا فضلاً عن أن وصف الحزب بالهدّام ووصم قيادته بالعمالة هو كذب صراح، وهو افتراء على الله وعلى دينه وحزبه وعلى المؤمنين، وكل ذلك مما يحرّمه الإسلام أشد التحريم، ويعاقِب عليه أشد العقوبة لأنه في حكم الصد عن سبيل الله.

إن الله سبحانه وتعالى لا يقبل عذراً ممن يضعف ويعطي معلومات تضر بالحزب وبشبابه وتعيق عمل الدعوة وتسهل على الحكام محاربة الحزب والبطش به، كما لا يقبل عذراً ممن يتبرأ من الحزب ويستنكر الحزب وأعماله ويصمه بالهدم والعمالة، إلا من أُكره إكراهاً ملجئاً وهُدّد بالموت، أو عُذّب عذاباً شديداً أو أوذي إيذاءً كبيراً بحيث أنه أصبح لا يقوى على تحمله، فإن الله يعذر أمثال هؤلاء، حيث قال جل من قائل: (إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم)، وحيث أخرج ابن اسحق عن حكيم عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبدالله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يُعذرون في ترك دينهم؟ قال: نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضرب الذي به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهان من دون الله. فيقول: نعم، افتداءً منهم مما يبلغون من جهد.

ومع أن الله يعذر أمثال هؤلاء إلا أنه رغّب في الثبات والصبر والمصابرة ولو أدّى إلى الموت تحقيقاً للقيم الرفيعة التي ينبغي أن يتخلق بها حملة الدعوة في وقت عزّت فيه القيم الرفيعة وسيطرت فيه القيم المادية.

إن الله سبحانه وتعالى يبيح للشباب أن يستعملوا التورية والمعاريض في إعطاء المعلومات، كما أنه يبيح لهم أن يعطوا معلومات عن أنفسهم، غير أن الله سبحانه وتعالى لا يبيح لهم أن يعطوا معلومات عن الحزب وتشكيلاته وأجهزته ومسؤوليه ولا عن تحركاتهم وأعمالهم وأماكن تواجدهم وسكنهم، فإن زاد الضغط والتعذيب على الشاب فلا حرج من أن يذكر أسماء بعض الشباب المسجونين عندهم أو الذين سبق أن سُجنوا على أنهم من الحزب لأنهم بذلك لا يقدّمون جديداً.

إن مفهوم أن الحزب والدعوة يجب أن يكون علنياً لا يعني إباحة إعطاء المعلومات عن الحزب وتشكيلاته ومسؤوليه وشبابه للمخابرات، لأن في ذلك ضرر محقق للحزب ولشبابه وتسهيل لضرب الحزب وملاحقة شبابه وإعاقتهم عن حمل الدعوة.

فالصبر الصبر، والثبات الثبات، يا أحباب الله وأحباب رسوله، ويا حملة الدعوة، فمن يطلب النصر فلا بد أن يتحلى بصدق الإيمان والثبات والصبر، فانصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم ويزلزل أعداءكم.

2 المحرم الحرام 1405هـ

27/9/1984م