بسم الله الرحمن الرحيم

إعادة ثقة الأمة الإسلامية بصحة أفكار الإسلام وأحكامه عن طريق حمل الدعوة الإسلامية في طريقها السياسي

إنه من الخطأ أن يقال إن القضية هي قضية العقيدة الإسلامية، لأن هذا يعني اتهام المسلمين في إيمانهم، وهذا غير صحيح وأمر في منتهى الخطر. فالعقيدة الإسلامية موجودة عند كل مسلم ولكنها فَقدت ثلاثة أمور هامة: فقد فَقدت علاقتها بأفكار الحياة وأنظمة التشريع فغاضت منها الحيوية، لأن العقيدة العقلية إذا انفصلت أفكارها عنها ماتت وكانت جثة هامدة. وفقدت أيضاً تصورها ما بعد الحياة فلم تعد تواجه في سيرها يوم القيامة وحسابه، ولم يعد يهزها عذاب الله، ولم تعد تثيرها جهنم، ولا يخوّفها الجحيم، كما أنها لم تعد تستهدف الجنة ولا تشتاق لنعيمها، ولا يجذبها إليها ما فيها من نعيم مقيم، ومما لا عين رأت ولا أذن سَمِعَت ولا خطرَ على قلب بشر، ولم تعد بالتالي تستهدف رضوان الله غاية الغايات عند المسلمين. وفَقدت كذلك ارتباط جماعة المسلمين كجماعة بهذه العقيدة بأخوة إسلامية فصاروا شعوباً ودولاً، وصاروا جمعيات وأسراً بل صاروا أفراداً أفراداً. هذه الأمور الثلاثة فقدتها العقيدة الإسلامية من نفوس المسلمين فكانت جثة هامدة. أما العقيدة نفسها فلا تزال موجودة عند كل مسلم، ولا يزال كل مسلم يقول صباح مساء لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإن كان قوله هذا لم يحرك شعرة في بدنه، ولا خلجة من قلبه، ولا شيئاً من مشاعره، ولا يدفعه في الحياة قدر اصبع، ولا يمنع عنه من التأخر والانحطاط شيئاً، وبذلك فإن المسلمين لم يفقدوا العقيدة الإسلامية وإنما فقدوا الثقة بما ينبثق عن هذه العقيدة الإسلامية.

وإنه من التضليل أن يقال إن القضية قضية اقتصادية لأن هذا يعني أن الفقر هو سبب انحطاط الأمّة والغنى هو سبب رفعتها وهذا باطل لا شك فيه. فالغنى لا ينهض بالفرد ولا ينهض بالأمّة، لأن النهضة هي الارتفاع الفكري، والنهضة الصحيحة هي الارتفاع الفكري على الأساس الروحي، فإذا وُجدت الأفكار وُجدت النهضة، وإذا عدمت الأفكار كان الانحطاط. فإن الأفكار في أية أمّة من الأمم هي أعظم ثروة تنالها الأمّة في حياتها إن كانت أمّة ناشئة، وأعظم هبة يتسلمها الجيل من سلفه إذا كانت الأمّة عريقة في الفكر. وإذا دُمّرت ثروة الأمّة المادية، فسرعان ما يمكن تجديدها ما دامت الأمّة محتفظة بثروتها الفكرية، أما إذا تداعت الثروة الفكرية وظلت الأمّة محتفظة بثروتها المادية، فسرعان ما تتضاءل هذه الثروة وترتد الأمّة إلى حالة الفقر. على أن واقع الأمّة الإسلامية أنها من أغنى الأمم إن لم تكن أغناها إذا جمعت ثروتها في دولة واحدة كما يفرض ذلك الإسلام على جميع المسلمين. وفوق ذلك فإن الاقتصاد حتى ينمو وينتقل من الزراعة وحدها إلى الزراعة والصناعة بحيث تكون الصناعة هي رأس الحربة، لا بد من حافز حاد يحفز الأمّة على السعي للاقتصاد، وهذا الحافز الحاد لا ينبثق إلاّ عن فكر. ومن أعظم الفكر العقيدة العقلية التي تنبثق عنها أفكار الحياة، وعليه فالقضية ليست قضية اقتصادية وإنما هي قضية فكرية، أي قضية الثقة بما ينبثق عن عقيدتهم من أفكار.

ومن السطحية أن يقال إن القضية قضية تعليم وعلوم، لأن هذا يعني أن العلوم هي الحافز وليس الأفكار، مع أن الواقع أن الأفكار هي الحافز والعلوم إنما تتأثر بالأفكار ارتفاعاً وانخفاضاً ووجوداً وعدماً. والفرق بين الأفكار والعلوم أن الأفكار هي النظرة إلى الأشياء والأفعال للوصول إلى تعيين الاتجاه بالنسبة لها، أما العلوم فهي النظرة إلى الأشياء نفسها لمعرفة كنهها. والذي يسيّر الحياة هو الأفكار وليس العلوم. وأن معظم الحقائق العلمية التي اكتشفتها الأمّة يمكن أن تهتدي إليها مرة أخرى إذا فقدتها دون أن تفقد طريقة تفكيرها. أما إذا فقدت طريقة تفكيرها أي فقدت فكرها، فإنها سرعان ما ترتد إلى الوراء وتفقد ما لديها من مكتشفات ومخترعات. على أن الأمّة الإسلامية فيها من المتعلمين والمثقفين عدد ضخم يعد بمئات الألوف، ومع ذلك لا تزال متأخرة في الاكتشافات والاختراعات لأنه لا يوجد فكر يسيّر هذه المعارف والعلوم نحو غاية معينة فيدفعها إلى الأمام لخدمة تلك الغاية السامية. وفوق ذلك فإن العلماء والمخترعين يملؤون الأرض وهم أُجراء ويمكن إحضارهم من أية أمّة من الأمم أُجراء، ولكن إحضارهم وإحضار أمثالهم لا يعالِج المشكلة إذا لم يوجَد فكر، فالمسألة مسألة فكر.

ومن غير الدقة أن يقال إن القضية قضية تشريع وقوانين، لأن هذا يعني أن القوانين هي أساس الحياة وأساس الدولة، وهذا غير صحيح. فإن القوانين والأحكام إن هي إلاّ معالجات للمشاكل اليومية التي تحدث مع البشر منبثقة عن وجهة النظر في الحياة. فالأصل هو وجهة النظر التي انبثقت عنها القوانين وليست القوانين. ألا ترون أن الكفار من رعايا الدولة الإسلامية كانت تطبَّق عليهم نفس الأحكام التي كانت تطبَّق على المسلمين، ولم يكن هنالك فرق بينهم وبين المسلمين في تطبيق الأحكام، فالمسلمون والكفار أمام القاضي وأمام الحاكم سواء، ومع ذلك فقد كان المسلمون في الدولة الإسلامية هم أصحاب الرسالة وهم حملة الدعوة، وتتمثل فيهم النهضة. والكفار كانوا تحت ظل الإسلام يُعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. ثم ألا ترون الآن أن المسلمين في أكثر بقاع الأرض يطبَّق عليهم التشريع الغربي والقوانين الغربية، ولكنهم لأنهم لا يزالون يعتنقون العقيدة الإسلامية فلم تنبثق القوانين من عقيدتهم وإن انبثقت عما أصبح رأياً عاماً عندهم، ومع ذلك فهم لم يلحقوا بالغرب بالنهضة، ولم يحصل عندهم ارتفاع فكري، ولا يزالون منحطين متخلفين عن الغرب قروناً وأجيالاً مع أنه مضى عليهم يطبِّقون القوانين الغربية قرابة أربعين عاماً، مما دل على أن القضية ليست قضية تشريع وقوانين وإنما هي ما تنبثق عنه هذه القوانين من وجهة نظر، أي هي قضية جعل العقيدة تنبثق عنها القوانين الموثوق بصلاحها، أو جعل القوانين منبثقة عن عقيدة. فالقضية إذن قضية الثقة بالقوانين من حيث انبثاقها عن العقيدة، أي قضية وجهة النظر في الحياة وما يسمونها في العصر الحديث (بالايديولوجية).

وعلى هذا فالقضية هي الأمّة الإسلامية بوصفها أمّة وبوصف هذه الأمّة أمّة إسلامية، وقضية الأمّة الإسلامية هذه ليس إيجاد العقيدة الإسلامية عندها، ولا هي تقوية اقتصادها، ولا إيجاد التعليم والثقافة فيها، ولا هي إصلاح تشريعها وإيجاد دستور وقوانين لها، وإنما القضية هي ربط عقيدتها بدستورها وقوانينها، أي جعل التصديق الجازم المطابق للواقع الموجود عند الأمّة في عقيدتها منصباً على الأفكار والأحكام الشرعية المستنبَطة من الكتاب والسنّة ومما دل الكتاب والسنّة على أنه دليل شرعي، وبعبارة أخرى هي إيجاد الثقة بالأفكار والنظم المنبثقة عن العقيدة الإسلامية. هذه هي القضية بالدقة والتحديد.

أما كيف تعالَج هذه القضية فإن علاجها محصور بالرجوع إلى النقطة التي بدأ منها الخطأ لإصلاح هذا الخطأ، وليس هناك شيء غير هذا مطلقاً. فالمسلمون لا يزالون مسلمين رغم كل ما هم عليه، فلا تزال عقيدتهم عقيدة إسلامية، والإسلام لا يزال في أصوله الكتاب والسنّة كما كان في أيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والأحكام الشرعية المستنبَطة لا تزال كما كانت في العصر الذي استُنبطت فيه، أي في العصر الأموي والعصر العباسي، وكيفية الاستنباط لا تزال كما كانت يوم وُضع علم أصول الفقه. فليس هناك نقص في اعتقاد المسلمين بالإسلام، ولا هناك تغير في الإسلام، وإنما هنالك فقط زعزعة في الثقة بالأفكار والأحكام المنبثقة عن العقيدة الإسلامية ترتب عليها إيجاد خلل في كيان الأمّة، وإيجاد خلل في كيان الدولة، أدّى إلى تدمير الدولة، وسار في الأمّة في طريق الفناء حتى جعلها على حافة الهاوية تشرف على خطر الفناء. فالعلاج إنما يكون بالرجوع إلى النقطة التي بدأ منها الخطأ، أي إلى علاج الزعزعة التي حصلت في الثقة بالأفكار والأحكام المنبثقة عن العقيدة الإسلامية، فإن هذه الزعزعة هي التي دمرت الدولة، وتوشك أن تفني الأمّة. والغاية من العلاج هي إنهاض الأمّة، وإعادة الدولة، لاستئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. هذا هو الموضوع، وهذا هو بيت القصيد. يقولون إن الثقة ناجمة عن القناعة بصحة الشيء وصدقه، والقناعة آتية من المشاعر، فهي تأتي للإنسان من غير براهين وتذهب دون براهين، فالثقة ليست شيئاً ممكن الحصول بالحجة والمنطق بل بإيجاد القناعة وهي تأتي اعتباطاً وتذهب اعتباطاً. وهذا الكلام باطل غير مطابق للواقع. فالثقة صحيح أنها ناجمة عن القناعة بصحة الشيء وصدقه، أي بمطابقته للواقع أو للفطرة، ولكنها تحصل بناء على برهان يثبت صحة الشيء وصدقه، وهذا البرهان إما أن يكون عقلياً مرتبطاً بالمشاعر، أي يقوم الدليل العقلي على صحته وصدقه، ويشعر الشخص شعوراً صادقاً بصحته وصدقته، وإما أن يشعر الشخص بصحته وصدقه فقط من غير أن يقوم دليل عقلي عليه، ومن تكرار ذلك تحصل القناعة وتتولد منها الثقة. فالثقة لا تأتي اعتباطاً ولا تذهب اعتباطاً، وإنما تأتي من تكرار ثبوت مطابقة الشيء للواقع أو الفطرة عقلياً أو شعورياً؛ أي من تكرار ثبوت صحة الشيء وصدقه، وتذهب من تكرار ثبوت عدم صحته وصدقه، هذا هو الذي يوجِد القناعة وهذا هو الذي يزعزعها ويذهبها. يعني أنه حتى توجد الثقة لا بد أن تنتقل صحة الشيء وصدقه من دور إقامة البرهان إلى دور البداهة. وذلك بتكرار ثبوت صحته وصدقه بالبرهان عقلياً وشعورياً. وكما يصعب إيجاد الثقة لا سيما في جو التشكيك ويصعب زعزعة الثقة ولا سيما في جو الإيمان. ولذلك كما صعب على الكفار الغربيين زعزعة الثقة بصلاحية أحكام الشريعة الإسلامية لمعالجة مشاكل العصر وقد كان الجو جو إيمان كذلك ليس من السهل على العاملين للإسلام أن يعيدوا هذه الثقة بصلاحية الإسلام؛ أي أن يركزوا وجهة النظر الإسلامية في الحياة أو طريقة الإسلام الخاصة في الحياة وما يسمونه الإيديولوجية ولا سيما والجو جو تشكيك.

ولما كان وضع الثقة في نفوس المسلمين وسائر الناس لا يتأتى إلاّ بإقامة البرهان العقلي والشعوري على صحة الأفكار الإسلامية والأحكام الشرعية وصدقها كان لا بد أن تكون الخطوة الأولى في إعادة الثقة بالإسلام من أجل إنهاض الأمة وإقامة الدولة أن تنطق الوقائع الملموسة والحوادث الجارية بصحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها وصلاحيتها حتى يوجد البرهان العقلي والشعوري الذي يوجِد القناعة بهذه الصحة وهذا الصدق لتحصل بناءً على ذلك الثقة بها. أما كيف تُجعل الوقائع تنطق بذلك فإنه يكون بحمل الدعوة الإسلامية بالطريق السياسي؛ أي بالعمل لإقامة الدولة الإسلامية عن طريق الأفكار الإسلامية التي لها وقائع يجري التعامل بين الناس به، سواءً أكانت أفكاراً تتعلق بشؤون الحياة أو تتعلق بتنظيم العلاقات؛ أي بالعمل السياسي لإقامة الخلافة الإسلامية عن طريق بث الأفكار الإسلامية والكفاح في سبيلها.

وذلك أن الناس يُحكَمون من قبل سلطة قائمة يتولاها حكام منهم أو من غيرهم، وهؤلاء الحكام إنما يرعون شؤون رعاياهم بأفكار وقوانين معينة. فهذه الرعاية تكون لوقائع معينة بأفكار معينة؛ أي تكون لمشاكل معينة بمعالجات معينة، فهذه الوقائع ملموسة محسوسة ومعالجاتها ملموسة مدركة ونتائجها من حيث توفير المصلحة والمحافظة عليها مدركة. فما على الذين يعملون لإقامة الدولة الإسلامية على أنقاض هذا الحكم إلاّ أن يلفتوا نظر الناس إلى فساد هذه المعالجات؛ أي إلى بطلان الأفكار والأحكام التي عولجت بها هذه الوقائع وأن يبينوا أن العلاج الصحيح لها إنما هو فكر كذا أو حكم كذا، وأن هذا هو فكر الإسلام أو حكم الإسلام فينزَّل الفكر الإسلامي أو الحكم الإسلامي على الواقعة الجارية، فيُدرك حينئذ واقع الحكم ويُلمس مدلوله فيحرّك العقل ويثير المشاعر. أما كيف يبيّن بطلان الأفكار والأحكام التي عالج بها الحكام هذه الوقائع، فإنه لا يصح أن يكون من حيث تحقق المصلحة أو عدم تحققها، بل يجب أن يكون البيان من حيث كونها أفكار كفر أو أحكام كفر. فلا يصح أن يكون بيان بطلانها ببيان أنها لا تحقق المصلحة أو ببيان ما ينجم عنها من ضرر، ولا ببيان أنها لا تحافظ على المصلحة، أو بيان أنها تضيع المصلحة، بل يجب أن يكون بيان بطلانها من حيث أنها أحكام غير إسلامية، وأنها أحكام كفر، وأن التحاكم إليها تحاكم إلى الطاغوت. فبطلانها الذي يجب أن يبيَّن هو كونها أفكار كفر وأحكام كفر، لأن المسألة هي من حيث الكفر والإسلام لا من حيث المصلحة وعدمها. وكذلك حين يبيَّن أن العلاج الصحيح لها هو فكر كذا أو حكم كذا وهو فكر الإسلام وحكم الإسلام، لا يصح أن يبيَّن صلاحه وتُشرح صحته من حيث كونه يحقق المصلحة أو يزيل الضرر، بل يجب أن تبيّّن صحته ويُشرح صلاحه من حيث كونه حكماً شرعياً بالإتيان بدليله الشرعي من الكتاب أو السنّة أو من قاعدة مستنبَطة من الكتاب أو السنّة أو من كونه فرعاً أو مسألة من فروع ومسائل حكم شرعي مشهور الدليل.

هذه هي الكيفية التي يتبين فيها بطلان المعالجات المعيّنة التي يعالج بها الحكام مشاكل معيّنة، والكيفية التي يبين فيها صحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها، أي يجب أن تُربط معالجات الوقائع الجارية بالعقيدة الإسلامية مباشرة، فتُجعل العقيدة الإسلامية وحدها الأساس الذي تجري عليه النظرة إلى هذه الأفكار والأحكام، فيُنظر إليها نظرة إسلام وكفر ليس غير. على أن الأحكام التي في الدنيا هي إما أحكام إسلام وإما أحكام كفر ولا ثالث لهما، وحتى العالم كله إما دار إسلام وإما دار كفر ولا ثالث لهما، فيجب أن يكون نقد الأفكار والأحكام على هذا الأساس وحده، أي إسلام أو كفر ولا شيء غير ذلك مطلقاً. فيجب أن يقال عن الفكر أو الحكم: هذا كفر، إن كان كفراً، أو هذا حرام، إن كان حراماً، وأن يبين الدليل الشرعي على أنه كفر، والدليل الشرعي على أنه حرام. ويجب أن يبرز للناس أن آخذ الفكر أو الحكم غير الإسلامي يخرج عن الإسلام فيكفر ويرتد إن كان الفكر أو الحكم داخلاً تحت أوامر الله المتعلقة بالإيمان كفكر فصل الدين عن الدولة، وكالتبرع لبناء كنيسة، ويرتكب معصية يعذَّب عليها في جهنم إن كان الفكر أو الحكم من أوامر الله المتعلقة بالأعمال ولم يكن متعلقاً بالإيمان كفكر القومية وكفتح الاعتماد في البنك، أي يجب أن يُجعل أساس الأفكار والأحكام العقيدة الإسلامية وأن يكون مقياسها الإسلام والكفر والحلال والحرام، فيُحكم ببطلانها أو بصحتها على هذا الأساس وبموجب هذا المقياس.

فالنظر حين يُلفت إلى فساد المعالجات الجارية إنما يُلفت لبيان فساد المجتمع الحالي، أي فساد العلاقات القائمة بين الناس، وفسادها ليس آتياً من حيث كونها تجلب منفعة أو تدفع ضرراً أو العكس، وإنما آتٍ من فساد وجهة النظر في الحياة التي تتحكم في هذه العلاقات وتنبثق عنها هذه المعالجات، ولذلك يجب أن تُربط بأصلها ويبين بطلانها من حيث بطلان أصلها لا من حيث المنفعة والضرر، فكان من المحتم أن تُربط المعالجات بالعقيدة المنبثقة عنها، وأن تُضرب هذه المعالجات باعتبارها منبثقة عن عقيدة فاسدة؛ أي باعتبارها أفكار كفر وأحكام كفر بغض النظر عن وجود المصلحة أو عدم وجودها. ولهذا كان لزاماً أن يكون ضرب العلاقات القائمة بين الناس باعتبارها علاقات قائمة على أفكار كفر أو أحكام كفر، وأن يركز ضربها على هذا الأساس لأن الغاية من ضربها إنما هي تغيير المجتمع الحالي باعتباره مجتمعاً غير إسلامي، وإزالة الأفكار والأحكام الحاضرة باعتبارها أفكار كفر وأحكام كفر لإقامة المجتمع الإسلامي وإيجاد أفكار الإسلام وأحكامه في العلاقات القائمة بين الناس؛ أي أن الغاية هي جعل وجهة النظر الإسلامية في الحياة هي السائدة، وجعل طريقة الإسلام في الحياة هي طريقة الناس في العيش سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين. وهذا لن يتأتى ببيان المنافع والمضار ولن يتأتى إلا بجعل العقيدة الإسلامية وحدها الأساس للحياة وجعل الحلال والحرام المقياس الوحيد للأعمال.

فالقضية هي إعادة الثقة بأفكار الإسلام وأحكامه باعتبارها أفكاراً إسلامية وأحكاماً إسلامية مستنبَطة من الكتاب والسنّة أو ما يرشد إليه الكتاب والسنّة من أدلة، وليست القضية إعادة الثقة بأفكار الإسلام وأحكامه باعتبارها نافعة أو ضارة. والعمل المباشر هو ضرب علاقات قائمة قد أتى بطلانها وفسادها من وجهة النظر التي انبثقت عنها، فكان حتمياً أن يكون هذا الضرب للعلاقات القائمة؛ أي للأفكار والأحكام التي بها يرعى الحكام شؤون الناس ويعالجون مشاكلهم ضرباً لأفكار كفر وأحكام كفر، بوصفها كفراً، بأفكار إسلامية وأحكام إسلامية، بوصفها إسلامية ليس غير. وهنا يحصل الصراع العنيف حول هذه الأفكار والأحكام، ويكون صراعاً عقائدياً تصطدم فيه العقول والمشاعر مع بعضها اصطداماً فكرياً ومشاعرياً يقدح الشرر منه فيلمع ضوء الحقائق ويشرق نورها فيتجلى فساد الأفكار والأحكام الجارية بظهور فساد وجهة النظر المنبثقة عنها، ويلمس المسلم ارتباطها بعقائد الكفر, وانبثاقها عن وجهة نظر الكافر, كما يلمس الكافر والمنافق من الصراع الفكري والنقاش العميق بطلان وجهة نظر الكفر هذه وصحة وجهة نظر الإسلام. وحينئذ يلمس الناس فساد النظام القائم وصلاح حكم الإسلام وبذلك تنطبق الوقائع الملموسة والحوادث الجارية بصحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها وصلاحيتها فإذا تكرر ذلك أي تكرر ثبوت صحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها وجدت القناعة بها وتولدت عن هذه القناعة الثقة بها وحدها دون سائر الأفكار والأحكام الموجودة في العالم. فإذا عمت هذه القناعة الناس وتركزت الثقة في نفوسهم ووجد رأي عام منبثق عن وعي عام فإنه ولا شك تكون قد دبت النهضة في الأمة وأقامت الدولة مهما وقف في سبيلها من عقبات, لأن الأفكار الدينامية تنسف أكبر قوة سياسية وتدمر كل فكر باطل وكل حكم فاسد. هذه هي الطريقة التي تجعل الوقائع والحوادث تنطق بصحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها, وهي الاشتغال بالسياسة على أساس الإسلام أي ببث أفكار الإسلام وأحكامه على الأساس السياسي, وبعبارة أخرى حمل الدعوة الإسلامية في الطريق السياسي. ومن هنا ندرك السر في الحملة التي قام بها الكفار بواسطة المأجورين من المسلمين لإبعاد المسلمين عن السياسة وتنفيرهم منها وجعلها تتناقض مع سمو الإسلام وروحانيته. وندرك السر في محاربة الدول الكافرة والحكام العملاء للكفار للحركات الإسلامية السياسية, لأنها تدرك أن هذه الحركات السياسية الإسلامية هي وحدها التي تنهض الأمة وتقيم الدولة وتضرب الكفر وترجع مجد الإسلام. ومن أجل ذلك تحاربها وتنفر المسلمين من السياسة. وأنه لن تعود ثقة الأمّة بالإسلام ولن تنهض الأمة الإسلامية ولن تقام الخلافة الإسلامية وترجع الدولة الإسلامية إلا بالاشتغال بالسياسة على أساس الإسلام.

وعلى هذا فقضية إنقاذ الأمّة الإسلامية من الفناء هي إعادة ثقتها بصحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها وصلاحيتها عن طريق جعل الوقائع والحوادث تنطق بهذه الصحة وهذا الصدق لتحصل القناعة التامة بذلك, أي عن طريق حمل الدعوة الإسلامية في طريقها السياسي، أي بالعمل لإيجاد الخلافة الإسلامية عن طريق بث الأفكار الإسلامية والكفاح في سبيلها، وهذه الطريقة هي التي أوجَد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمّة الإسلامية والدولة الإسلامية، فهي فوق كونها واقعاً ملموساً يحمل المرء على أن يسلكه ولا يسلك سواه هي حكم شرعي يجب التقيد به ويجب أن يُحصر السير بحسبه ولا يصح أن يُسلك سواه، ومن هنا كانت هذه الطريقة وحدها هي التي يجب أن يسلكها المسلمون. فالعمل الوحيد الذي يجب على المسلمين اليوم أن يقوموا به قبل أن يقوموا بأي عمل آخر هو إقامة الدولة الإسلامية أي إعادة الخلافة الإسلامية، وطريقة ذلك ثورة فكرية سياسية تدمّر الأفكار الباطلة وتحطم الحكم الفاسد.

وهنا يقع السؤال: ماذا تنفع أفكار الإسلام في العالم الإسلامي والكفر قد عمّ جميع أرجائه؟ فالعلاقات بين الأفراد تعالَج بقوانين الكفر، والعلاقات بين الدول القائمة فيه وبين رعاياها تقوم على أساس أحكام الكفر، والمسلمون أنفسهم تتحكم في عقولهم ونفوسهم أفكار الكفر، فماذا تستطيع أفكار الإسلام أن تفعل والكفر مُطبّق من جميع النواحي ولم يبق الإسلام إلاّ في المساجد والمصاحف وعند الأقلية من المسلمين؟ والجواب على ذلك أن أي مجتمع في الدنيا يعيش الناس فيه داخل جدارين سميكين يمنعان الأفكار والمشاعر الغريبة عنه من أن تتسرب إليه، أحدهما الجدار الخارجي وهو جدار العقيدة الأساسية، أي الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وعما قبلها وما بعدها وعلاقتها بما قبلها وما بعدها. والجدار الثاني هو جدار الأنظمة التي تعالج علاقات الناس وطريقتهم في العيش. فإذا أريد قلب هذا المجتمع من قِبل أهله أنفسهم وتغييره تغييراً جذرياً فلا بد من مهاجمة الجدار الخارجي أولاً وبالذات بالعقيدة الجديدة وربط الهجوم على الجدار الخارجي بهجوم على الجدار الداخلي، إلاّ أنه لا بد أن يكون هذا الهجوم مبنياً على الأفكار التي يهاجَم بها الجدار الخارجي. فهذا الهجوم يوجِد صراعاً فكرياً بين الأفكار القديمة والأفكار الجديدة ويحصل فيه الكفاح السياسي حتى يتحطم الجدار الخارجي، وبتحطيمه يتحطم الجدار الداخلي ويحصل الانقلاب الفكري والشعوري، فيكون الانقلاب السياسي، أي يتغير المجتمع كله، أي يتغير الحكم والنظام وسائر العلاقات. وهذا ما حاوله رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجتمع مكة وما فعله في مجتمع المدينة. وهذا يحتاج إلى قوى غير عادية فكرية وجسمية حتى نستطيع نسف مثل هذا المجتمع. أما المجتمع الآن في البلاد الإسلامية فإنه ليس فيه إلاّ جدار واحد هو الجدار الداخلي، وهذا لا يحتاج تغييره إلى إزالة الجدار كله بالهجوم الفكري، بل يكفي فتح ثغرة فيه للدخول داخله لتسلم الحكم فيُنسف حينئذ من الداخل مرة واحدة نسفاً انقلابياً ما دام الجدار الخارجي غير موجود، لأن الصعوبة هي في إزالة الجدار الخارجي، ولا يمكن الدخول في المجتمع إلاّ بنسفه كله قبل الدخول. ولكن ما دام الجدار الخارجي غير موجود فإن العمل أسهل بكثير مما لو كان موجوداً. ولهذا فالمسألة لا تحتاج إلاّ إلى مهاجمة الأفكار والأحكام التي يقوم بها الجدار الداخلي وبيان الأفكار والأحكام الإسلامية التي هي عقيدة الأمّة لتعود الثقة بها وحينئذ سهل أن تفتح الثغرة ويُنسف المجتمع، ولهذا فالعمل ليس بث الأفكار الإسلامية في مجتمع كافر، بل بث الأفكار الإسلامية لمسلمين في مجتمع غير إسلامي، أو بعبارة أخرى ليست المسألة دعوة كفار لاعتناق الإسلام وإنما هي دعوة مسلمين للعمل للإسلام وبالإسلام عن طريق بث أفكار الإسلام والكفاح في سبيلها، وهي وإن كانت صعبة وشاقة ولكنها وحدها المنتِجة وهي أسهل بكثير من العمل في مجتمع كفار.

إلاّ أنه يجب أن نعلم أن أعداءنا الكفار سوف لا يتركونا نعمل لإنهاض الأمّة الإسلامية وإقامة الخلافة الإسلامية، أي لن يمكّنونا من إعادة الثقة بصحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها وصلاحيتها، بل لا بد أن يحُولوا بيننا وبين القيام بهذا العمل بشتى الطرق ومختلف الأساليب. فإنهم ما زَعزعوا ثقة الأمّة الإسلامية بأفكار دينها وأحكامه إلاّ من أجل تدمير دولتها وإفنائها هي إفناءً تاماً. وقد انتصروا في ذلك الانتصار الساحق، فدمّروا الدولة الإسلامية وساروا بالأمة الإسلامية في طريق الفناء حتى أشرفت على هذا الفناء بين عشية وضحاها. فهل يسمحون لها بأن تعود أمّة إسلامية تقوم عليها الخلافة الإسلامية وتظللها راية الإسلام لتَستأنف أداء رسالتها بحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم؟ إنهم لن يمكّنوها من ذلك وسيحاربونها أشد المحاربة، فلا بد من القيام بالعمل جبراً عنهم بكفاحهم وكفاح عملائهم وإيجاد الرأي العام بل الوعي العام الذي يكتسحهم أمامه. لذلك فإن الصعوبة ليست في بث أفكار الإسلام للمسلمين لإنهاض الأمّة وإقامة الدولة، بل الصعوبة في الصبر على كفاح الكفر والمنافقين في سبيل بث أفكار الإسلام.

إن الدول الكافرة التي شهدت الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، ولا سيما الانجليز والفرنسيين والروس، سوف يحاربوننا لِما رأوا في الأمّة الإسلامية من عقائدية الدعوة إلى الإسلام، ولِما لمسوا في الدولة الإسلامية من قوة ومواصلة الجهاد في سبيل حماية الإسلام ونشر دعوته، ورأوا أن الدولة الإسلامية كانت الدولة الأولى عدة قرون، ولذلك ذاقوا وقع أسنّة المسلمين وبطش فكر الإسلام، فهُم يرتعبون من ذكره وترتعد فرائصهم من مجرد تصور عودته بعودة الخلافة الإسلامية ونهضة الأمّة الإسلامية. والدول الكافرة اليوم، ولا سيما الانجليز والفرنسيون والأمريكان والروس، يدركون تماماً أن الإسلام إذا عادت أمّته للنهوض ورجعت دولته للوجود فإنها لن تقف أمامه دولة، ولن يصمد في وجهه مبدأ. فالرأسمالية العفنة ستدمَّر بأفكار الإسلام وأحكامه، والشيوعية الملحدة الآفنة ستحطَّم بالارتفاع الفكري المبني على الأساس الروحي في أفكار الإسلام وأحكامه، وهذا يعني رجوع الدولة الإسلامية إلى مركز الدولة الأولى في العالم مرة أخرى، وذلك ما لا يرضى به أحد من الكفار. ولذلك سيحاربونه أشد المحاربة بأشد بغض وأفظع حقد. لذلك كان لا بد أن نكون واعين على الكفار وأساليبهم ومناوراتهم وأن يُدرك إدراك وعي وتدبّر أن الصعوبة إنما هي في مواجهة أعدائنا أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين وليست هي في بث أفكار الإسلام.

إن انجلترا وروسيا قد ذاقتا الويلات من العسكرية الألمانية، ولذلك تعملان، مع تناقضهما في طريقة الحياة، على إبقاء ألمانيا مجزّأة ضعيفة، ويحُولان بينها وبين أن تستعيد قوتها، ويحاربان كل عمل فيه تقويتها حتى لا تعود العسكرية الألمانية فتكون خطراً عليهما. وإن أمريكا وانجلترا تريان في دولة الاتحاد السوفياتي خطراً عليهما وعلى مبدئهما، ولذلك تعملان لمحاربتها ومحاربة مبدئها بجميع الوسائل وشتى الطرق، حتى أن أمريكا ترى أنه لا يمكن أن يكون للأمريكيين أمان إلاّ إذا زالت دولة الاتحاد السوفياتي من الخريطة ومحيت الشيوعية من الحياة. فإذا كان هذا بالنسبة لألمانيا وروسيا، والعداء لهما أقل من العداء للإسلام والمسلمين لأنه عداء جديد وعداء الإسلام والمسلمين عداء تقليدي قديم يحتل مركز الشعور وموضع التفكير، ومن أجل ذلك قَسموا البلاد الإسلامية إلى دول وشعوب، وقسموا الشعب العربي إلى دول ليكون أيضاً شعوباً، وحاربوا الإسلام حرباً فكرية وحرباً سياسية بدأب متواصل وبحقد دفين، كل ذلك حتى لا تعود الدولة الإسلامية إلى الوجود، ولا تعود الأمّة الإسلامية إلى النهوض. هذا ما يجب أن يدركه المسلمون ويتدبروه لأنه هو سبب الانحطاط وفيه خطر الفناء، وهو الذي يحُول بيننا وبين الحياة كما ينبغي أن تكون الحياة.

إن عدونا هذا حوّل عداوتنا له من كفر وإيمان إلى استعمار ومستعمَرين، من عداوة مسلمين لكفار إلى عداوة مستعمَرين للاستعمار، وحوّل بُغضنا له من بغض مسلمين لكفار إلى بغض وطنيين لأجانب وبذلك أنسانا مرارة الهزيمة بوصفنا مسلمين، وأزال عنها كونها هزيمة كفر للإسلام، حتى يتحول كفاحنا له من جهاد نطلب فيه الجنة ونبتغي منه رضوان الله إلى كفاح رخيص كالمظاهرات والاحتجاجات للحصول على الاستقلال، أي على الانفصال عن باقي بلاد الإسلام. ولذلك لا بد من إعادة الصراع بيننا وبينه إلى صعيده الأصلي: صراع بين إسلام وكفر، بين مسلمين وكفار. فإن موضوع النزاع بيننا وبينه ليس لكونه مستعمِراً فحسب بل لكونه كافراً مستعمراً، وفي الدرجة الأولى لكونه كافراً، وسبب جهاده إنما هو الكفر. ولهذا لا بد أن نعرف عدونا من هو وأن نتخذه عدواً. فإننا إذا لم نعرف جهة العداوة بيننا وبينه، والسبب الذي يحمل لنا من أجله العداء، لا يمكن إنقاذ أنفسنا من براثنه، وبالتالي لا يمكن التغلب عليه. وإذا لم نتخذه عدواً فإننا ولا شك سنجعل أنفسنا تحت سيطرته وتحت رحمته، قال تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً).

وقد جاء القرآن بكيفية معاملة الكفار بآيات صريحة تقرع الآذان وتوقظ العقول وتهز النفوس وتثير المشاعر، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) وقال: (لا يتخذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء) وقال: (ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء) وقال: (بشّر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا) وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء) وقال: (إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً) وقال: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة بالهدى ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم). هذه هي المعاملة العادية للكفار: حمل العداوة لهم وعدم موالاتهم. فإذا حصلت بيننا وبينهم حرب فعلاً كانت معاملتهم حسب أحكام الجهاد. والانجليز والفرنسيون والأمريكيون والروس وغيرهم من الدول الكافرة هم كفار أعداء لنا، إلاّ أن الانجليز والأمريكان والفرنسيين هم الذين يباشرون محاربة إنهاض المسلمين وعودة دولتهم، فهم الذين يقفون في وجه بث الأفكار الإسلامية في الطريق السياسي لإعادة الثقة بصحتها وصدقها وصلاحيتها، ولذلك كان من المحتم أن لا بد من الكفاح المرير في سبيل بث أفكار الإسلام، وكان الكفاح إنما يكون لهؤلاء ولعملائهم من الدجالين والمنافقين.

وهنا قد يرِد سؤال، وهو أن البلاد الإسلامية صحيح أنها مقسَّمة إلى دول ولكنها متحررة من الاستعمار ومن سلطان الكفار وحكامها مسلمون، وهي إنما تحكم بنظام كفر، فالكفاح إنما يكون لنظام الكفر، ولا يوجد أي كفاح للكفار. والجواب على ذلك هو أن الأمّة الإسلامية منكوبة ببلاءين: أحدهما أن حكامها عملاء للكفار المستعمِرين، وثانيها أنها تحكم بغير ما أنزل الله، أي تحكم بنظام كفر، ولذلك كان لزاماً عليها في البلدان التي فيها دول حكامها ليسوا عملاء للكفار، مثل تركيا والأفغان، أن تكافح نظام الكفر لإزالته وللحكم بما أنزل الله أي لإقامة الخلافة الإسلامية. أما في البلدان التي حكامها عملاء كباكستان والعراق والأردن ولبنان والسعودية وإيران والجمهورية العربية واندونيسيا والسودان وغيرها فإنه فرضٌ على الأمّة أن تكافح عمولة العملاء فتكشفهم وتفضح أعمالهم، وأن تكافح كذلك نظام الكفر لإزالته ولإقامة سلطان الإسلام وحكم القرآن. فهؤلاء العملاء يكافِحون قطعاً بث أفكار الإسلام في الطريق السياسي ذاتياً من أنفسهم وبتحريض من الدول الكافرة، لأن الحكام في العالم الإسلامي تملكهم ثلاث حالات قد أثرت عليهم حتى أفقدت بعضهم الإيمان بالإسلام كنظام للحكم وكنهج للحياة، وبذلك أصبحوا كفاراً ولو صاموا ولو صلوا، وبَعثت في البعض الآخر اليأس من صلاح هذه الأمّة ولكنهم ظلوا يؤمنون بالإسلام كنظام للحكم وكنهج للحياة، وأوجدت عندهم جميعاً الشعور بالعجز الدائم عن الوقوف في وجه الدول الكبرى الكافرة إلاّ بالاستناد إلى عمولة دولة كبرى كافرة، فأدى ذلك إلى تصورهم الخطر عليهم وعلى البلاد من أي عمل لإعادة الدولة الإسلامية إلى الوجود. أما هذه الحالات الثلاث فهي: عدم الثقة بالإسلام كمبدأ عالمي للحياة والحكم وعلاقات الدول، وعدم الثقة بالأمة الإسلامية كأمّة قادرة على أن تقتعد مكان الصدارة بين الأمم الكبرى، والثالث هو الرعب الذي قُذف في قلوبهم من الدول الكبرى الكافرة وما لديها من معدات الدمار ومن أساليب المكر والخداع. ومن أجل ذلك نأوا بجانبهم عن الإسلام وجعلوا ركيزة بقائهم في الحكم الاستعانة بالدول الكبرى والاستناد إليها لا الاستعانة بقوة بلادهم والاستناد إلى أمتهم، واستسلموا للكفار الحربيين، ولذلك فإنهم سيقاوِمون إعادة الثقة بأفكار الإسلام وأحكامه، أي سيقاوِمون بث أفكار الإسلام في الطريق السياسي باعتبارهم أداة في يد الكفار الغربيين. ولهذا فإن المقاوِم في الحقيقة هم الكفار الغربيين وليسوا هؤلاء الحكام المسلمين. ومن هنا يجب أن ندرك الصعوبة على هذا الأساس، وأن يعلم أن هذه هي الصعوبة الأساسية في إنهاض الأمّة وإعادة الدولة، وأن يستعد المسلمون لذلك كل الاستعداد، فإن هذا الكفاح أمر لا بد منه وهو فرض كفرض الجهاد سواء بسواء.

قد يقال إن هناك صعوبة أخرى غير صعوبة الكفاح ألا وهي قدرة الإسلام على مسايرة الزمن ولا سيما في الأعمال السياسية البحتة، فإن المسألة ليست إقامة دولة فحسب، فإن هذه هيّنة، وإنما المسألة وقوف هذه الدولة في المجال الدولي ومحاولتها أخذ مركز مرموق بين الدول، واستطاعتها التأثير على الموقف الدولي مع ثباتها على أفكار الإسلام، ثم إيجاد علاج للمشاكل التي تقتضيها طبيعة الزمن وتقلباته، فالوقائع تحدث في كل وقت، فلا بد من مسايرة الزمن فيها. والجواب على ذلك هو أن كلمة مسايرة الزمن كلمة غامضة مبهَمة، فإن أرادوا منها أن تُجعل الأحكام متفقة مع ما يسود العصر، فهذا لا يجوز، فجعْل الربا حراماً في المجتمع الإسلامي، ثم حين يصبح هذا المجتمع تحت حكم نظام رأسمالي ويصير مجتمعاً غير إسلامي ويكون الربا ضرورة اقتصادية لهذا المجتمع حينئذ يُجعل الربا حلالاً في هذا المجتمع، هذا العمل منكَر ولا يجوز أن يكون، بل الربا يظل حراماً إلى قيام الساعة، ولا عبرة بتغير العصر ولا بتغير الظرف ولا بتغير المجتمع، حتى لو أصبح من ضروريات الحياة. فيجب أن يغيَّر المجتمع لا أن يغير الحكم الشرعي. وإن أرادوا من مسايرة الزمن أن توجد حلول للمشاكل التي تجدّ مع كل زمن، فهذا أمر لا بد منه، فمثلاً المسلمون كان يستشيرهم الخليفة بدعوة ممثليهم وكان يعرف ممثليهم، فإذا أصبحت استشارة الدولة للناس تقتضي إيجاد مجلس شورى يُنتخب من الناس لأخذ رأيهم فإن هذه الواقعة تُفهم فهماً واقعياً، فيُرى أن مجلساً للشورى ومحاسبة الحكام لا للتشريع ولا لمباشرة الحكم، أمر قد طلبه الشارع، قال تعالى: (وشاورهم في الأمر) (وأمرهم شورى بينهم) وقال عليه السلام: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وعليه يوجد هذا المجلس ويطبَّق في انتخابه حكم الوكالة، لأن هؤلاء الأعضاء في المجلس هم وكلاء عن الناس في الرأي، والوكالة في الرأي جائزة كالوكالة في الخصومة وفي المال وغير ذلك. وما دامت وكالة في الرأي فإن لكل إنسان أن يوكل من يشاء في الرأي رجلاً كان أم امرأة، مسلماً كان أم غير مسلم، وأن يتوكل عمن يشاء رجلاً كان أو امرأة، مسلماً كان أو غير مسلم، إلاّ أن غير المسلم لا يتوكل في التشريع لأنه أحكام شرعية وهي لا تكون لغير المسلم، ولا في حصر المرشحين للخلافة لأنه لا يبايِع الخليفة إلاّ المسلمون، أي لكل إنسان أن يوكل غيره وأن يكون وكيلاً عن غيره في كل ما أعطاه الشرع حق مباشرته بنفسه، فلكل من يحمل تابعية الدولة أن ينتخِب من يشاء وأن يُنتخب هو عمن يشاء في مجلس الشورى. فهذا الحكم ليس مسايرة للزمن وإنما هو اتساع في الشريعة، أي أن الإسلام عالج كل مشكلة تحصل في كل زمن. وإن أرادوا مسايرة الزمن في الأعمال المباحة كأن تحدث مباحات لم تكن، فيُختار منها ما يتمشى مع الأذواق السائدة، كأن يلبس قبعة بدل الطربوش لأنه يعيش في أوروبا مثلاً، وكأن يتخذ لنفسه حجاباً ومواعيد، فإن هذا أيضاً وإن ظهر فيه أنه مسايرة للزمن ولكنه قيام بفعل مباح بغض النظر عن الزمن. وإن أرادوا اختلاف المعاملات في العلاقات الدولية باختلاف الظروف والأحوال فهذا جائز، ولكن جوازه إنما يكون حسب الأحكام الشرعية، فمثلاً تَعقد الدولة الإسلامية مع إحدى الدول الكافرة معاهدة حسن جوار وترفض أن تعقدها مع دولة أخرى، فهذا جائز إذ تسير حسب ما ترى من مصلحة، فالرسول صلى الله عليه وسلم عقد معاهدات حسن الجوار مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة وهاجم غيرهم من القبائل. ومثلاً يجوز للدولة الإسلامية أن تمتنع عن فتح بلاد وحكمها بالإسلام مع قدرتها على ذلك لأمر يتعلق بالموقف الدولي أو بالخطط الخاصة بالدولة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عقد معاهدة مع يوحنة بن رؤبة صاحب ايلة على أن يعطي يوحنة الجزية للمسلمين ويؤمِّن الرسول له سفنه وقوافله في البر والبحر وأقرّه على أن يبقى حاكماً على قومه على كفرهم، أي أقرّهم على الكفر وعلى حكم الكفر. وكذلك فعل بأهل جرباء وأذرح مع الإقرار على الكفر وعلى حكم الكفر. وهذه القبائل الثلاث كانت إمارات من إمارات بلاد الروم، وكان الرسول قادراً على احتلالهم، فقد كان في تبوك معه ثلاثون ألفاً وقد هرب جيش الروم منه لمجرد سماعه عنه قبل أن يلقاه فكان قادراً على احتلال هذه الإمارات ولكنه تركها. ومثلاً الحكم الشرعي أن يدفع الكفار الجزية للدولة الإسلامية، ولكن قد تغير الظرف فتقوم الدولة الإسلامية بدفع جزية للدول الكافرة لظرف طرأ عليها، فالرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب رأى أن الكرب اشتد على المسلمين ووصل الحال عند بعضهم إلى حد الشك بنصر الله، وقد وصف الله تلك الحال بقوله: (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديدا) في هذه الحال قام الرسول صلى الله عليه وسلم بمناورة يفتت فيها تكتل الكفار ويجعل بعضهم يرجع عن القتال، فبعث إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المضري -وهما قائدا غطفان- ففاوضهما على أن يعطيهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فقَبِلوا ذلك، وجرى بينهما صلح حتى كتبوا الكتاب. وقبل أن يوقّع الكتاب بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما واستشارهما به فقالا له: يا رسول الله، أمراً تحبه فتصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلاّ لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم (أي اشتدوا عليكم) من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه ولا هم يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلاّ قِرىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلاّ السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأنت وذاك) فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهَدوا علينا. فالرسول صلى الله عليه وسلم رأى أن المسلمين أصبحوا في حالة لا يحتملون معها مواصلة القتال ففاوض الكفار على أن يدفع لهم مالاً وانتهت المفوضات إلى موافقتهم ولكنه قبل أن يوقّع كتاب الصلح رأى مِن استشارة السعدَيْن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة أن المسلمين في طاقتهم أن يحتملوا مواصلة الحرب فعدل وأعاد الرسل وقال لهم: ارجعوا ليس لكم إلاّ السيف. وهذا يعني أنه مع أن الأصل أن الكفار يدفعون الجزية ولكن إذا رأت الدولة أن الظرف يقتضي أن يدفع المسلمون الجزية فإنه يجوز أن يراعوا الظرف ويدفعوا الجزية للدول الكافرة، فهذه كلها وقائع تدل على أن الحكم الذي وُضع لمشكلة وكان صالحاً في وقت قد تُرك وجُعل للمشكلة حكم آخر مكانه لاختلاف الوضع الذي فيه الدولة. فهذا وإن كان يظهر منه أنه مسايرة للزمن ولكنه في الحقيقة سير مع الحكم الشرعي وليس مسايرة للزمن. ولذلك لا يجوز أن يغير الحكم إلاّ إذا كان له دليل شرعي يجيز تغييره ووضع حكم آخر للمشكلة بدله. ولذلك فإن المسلمين في حالة الضعف يجوز أن تدفع الدولة مالاً للدول الكافرة، ولكنه لا يجوز لها أن تجعل للدولة الكافرة قواعد أو مطارات عسكرية في أراضيها لأن هذا يجعل سلطاناً للكفار على جزء من أراضي الدولة وهذا لا يجوز. وكذلك لا يجوز لها أن تعقد معاهدات حدود فتلتزم بأن تكون حدودها موضع كذا، لأنه يعني وقف الجهاد، ولكنه يجوز أن تلتزم احترام الجوار مدة معينة لا مطلقاً من غير تحديد مدة. وهكذا فإنه يجوز اختلاف المعاملات في العلاقات الدولية باختلاف الظروف ولكن حسب الحكم الشرعي ولا يَحِل الخروج عنه مطلقاً.

وإن أرادوا بمسايرة الزمن وضع سياسة تتفق مع متطلبات العصر فهذا جائز لأنه اختيار لمباح من المباحات، فالسياسة فعالية مؤثرة في الممكنات لتحويلها إلى الوضع الذي نريده نحن ما دام ذلك داخل بالممكن أي ليس بالمستحيل، وهو بالطبع يعني المباحات. فقد تختار الدولة سياسة الحرب، وقد تختار سياسة الأعمال السياسية. أي قد تضع الدولة مخططات القيام بالحرب فعلاً فتكون في حالة تأهب دائم وتجيب على كل مناورة سياسية بالاستعداد الفعلي لخوض الحرب والدخول في معارك، وقد تضع الدولة مخططات للقيام بأعمال سياسية بإيجاد مشاكل للعدو متصلة الحلقات لا يكاد يخرج من مشكلة إلاّ ويقع في مشكلة أخرى، وتكون معِدّة لذلك القوة الهائلة حتى تكون جريئة على خلق المشاكل للعدو ودفعه إليها، حتى إذا بادأها العدو بالحرب أعادت له الضربة ضربتين. فهاتان سياستان مباحتان، فالدولة حين ترى الزمن يقتضي الأخرى تكون ظاهراً قد سايرت الزمن ولكن الحقيقة أنها اختارت الفعل المباح الذي يقتضيه الزمن. وهكذا فمسألة مسايرة الزمن حين توضّح مشاكل الزمن يذهب منها الغموض، وحين يعيّن مدلول كل مشكلة وموقف الحكم الشرعي منها يذهب منها الإبهام. وعلى ذلك فإنه يمكن أن يقال إن الشريعة الإسلامية تساير الزمن إذا قُصد أنها في نصوصها العامة يمكن مواجهة كل مشكلة في أي زمن وإيجاد حل لها فهي تساير الزمن، وإذا قُصد أنها تتسامح بأحكامها مراعاة للزمن فإنها بهذا المعنى لا تساير الزمن.

على أن المسألة في مسايرة الزمن، سواء في السياسة أو التشريع، إنما هي فيما يسمى بالواقعية العملية، فالناس الواقعيون العمليون يسايرون الزمن قطعاً حتى لو كانوا من أشد المحافظين على القديم لأنه قديم، والناس غير الواقعيين وغير العمليين لا يمكن أن يثبتوا في مستوى عالٍ في كل زمن بل يجمدون وتصيبهم الحيرة. ولا يوجد في الدنيا أخطر على التشريع وعلى السياسة من الفروض النظرية والقضايا المنطقية، فإنها تسبب الضرر الفاحش بل تسبب الخطأ والضلال، فإن السياسة والتشريع يعالج كل منهما واقعاً محسوساً وأمراً من أمور العمران، ولكل واقع ظروفه وأحواله فيجب أن يُستبعد تجريده منها استبعاداً تاماً، ويجب مراعاة الظروف الخاصة بالنسبة لكل واقع وبالنسبة لكل أمر بمفرده، ولذلك يجب استبعاد التعميم والتجريد في السياسة والتشريع، فلا يقاس شيء من أحوال العمران على آخر لمجرد الاشتباه، إذ يجوز أن يحصل الاشتباه في أمر ويكون الاختلاف واقعاً في أمور متعددة.

ومن أخطر الأمور على السياسة والتشريع استعمال القياس الشمولي. أما التشريع، ولا سيما التشريع الذي جاء به الوحي، فهو أحكام لأفعال ولا ينطبق إلاّ على تلك الأفعال، ولذلك لا يقاس عليها لمجرد الشبه، بل يعطى الحكم لها إن كانت واحداً من ذلك الجنس أو النوع، لا إن كانت تشبهه، وإذا تضمّن النص علّة فإنها تطبق فقط على جنس ذلك الوصف الذي هو العلة لا على ما يشبهه، فإذا خرج الوضع عن ذلك فقد خرج عن أن يكون حكماً شرعياً مستنبَطاً من دليل، لأن الدليل لا يدل عليه هو بل يدل على ما يشبهه، ولأن العلة لا تدل عليه هو بل تدل على ما يشبهه، ولذلك قال بعض العلماء كالإمام ابن حزم بالأخذ بظواهر النصوص خشية أن يدخل تحت الحكم ما هو من غير جنسه ونوعه لمجرد الشبه أو أن يُحمَّل النص خلاف ما يدل عليه لغة أو شرعاً. ولذلك أيضاً قال بعض العلماء كالإمام جعفر بمنع الأخذ بالقياس، إذ اعتبروا أن النصوص المعللة جاءت علتها علامة عن الحكم، فالله قال هذا حكم كذا وهذه علامة حكم كذا، ولا يوجد في المسألة قياس. كل ذلك لِما للفروض النظرية والقضايا المنطقية من خطر يؤدي إلى الخطأ والضلال من جراء القياس المغلوط لمجرد الشبه. أما السياسة فالأمر فيها أشد لأنها معالجة أمور فردية قلما يجتمع أمر مع أمر في كل شيء، ولكنها شديدة التعقيد، دقيقة الإدراك، متداخلة الحوادث، ولذلك إذا لم تُعتبر كل حادثة بمفردها وتعطى حكماً خاصاً بها فإنه لا يمكن أن يوصل إلى الحقيقة إلاّ إذا كان صدفة، أي رمية من غير رام، وحينئذ يستغلق فهمها، وبالتالي يقع الخطأ في العلاج. فلأجل أن يساير التشريع وتساير السياسة متطلبات كل زمن وحاجاته على أساس ثابت لا تكون فيه قابلية التغيير، لا بد أن تؤخذ الحوادث كلها حسب واقعها الذي هو عليه مئة بالمئة، ولا يقام أي وزن للتشابه بينها، وأن توضع الناحية العملية عند العلاج، أي أن هذا ممكن أو ليس ممكناً أي ليس هو مستحيلاً، فتُبعد الفروض النظرية وتُبعد القضايا المنطقية ويستبعد التعميم والتجريد، ويُحذر من القياس المغلوط ولا سيما القياس الشمولي، وحيئنذ يظل التشريع وتظل السياسة مزدهرتين أيّما ازدهار، أو على حد تعبيرهم تظل الأمّة قادرة على مسايرة الزمن فتظل في كل زمن مقتعدة المكان المرموق في الموقف الدولي بل مقتعدة مركز القيادة للأمم.

وقد يقال إن البلاد الإسلامية المترامية الأطراف، وقد قُسمت إلى دول عديدة وقامت فيها دساتير مختلفة وقوانين متنوعة ومضى عليها أكثر من أربعين عاماً وهي تحكم بدساتير تناقض الإسلام وقوانين ليست أحكاماً شرعية، بل كلها أنظمة كفر وأحكام كفر، فالصعوبة إن ذللت بالنسبة لمسايرة الزمن فإنها باقية بالنسبة للدستور والقوانين، فلا بد من إعداد دستور للدولة الإسلامية يكون آخذاً بعين الاعتبار اختلاف الوقائع والأحوال والظروف في مختلف بلاد الإسلام، ولا بد من إعداد قوانين تعالج كل مشاكل العصر الحديث. والجواب على ذلك هو أن الأساس إيجاد الثقة بصحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها وصلاحيتها قبل أن تُجمع هذه الأفكار دستوراً وقوانيناً. أي أن الأساس انبثاق هذه الأحكام الشرعية عن العقيدة التي يعتقدها المسلمون واعتبارها أنها أحكام جاء بها الوحي من عند الله. فإذا وُجد هذا الأساس فقد سهل وضع الدستور والقوانين. أي أنه لا بد من تركيز الأساس الذي تقوم عليه الدولة والجامعة التي تربط الأمّة كأمّة، أي لا بد من أن تُبعث الحياة في العقيدة الإسلامية أولاً باعتبار الأفكار والأحكام التي انبثقت عنها وحياً من الله جاء بها جبريل عليه السلام علاجاً لأفعال العباد لتحقيق السعادة لهم، فإذا وُجد هذا الاعتبار فقد وُجدت الدولة.

صحيح أن العقيدة الإسلامية موجودة عند الأمّة والأمّة أمّة مسلمة وليست كافرة، ولكن هذه العقيدة فقدت علاقتها بأفكار الحياة وأنظمة التشريع، فغاضت منها الحيوية وصارت عقيدة جامدة بل عقيدة ميتة، ولم يعد لدى المسلمين ذلك الحافز الحاد الذي دفعهم لفتح الدنيا وحكم البشر ونشر الهدى وحمل لواء العدل والحق. بل إن هذه العقيدة فقدت النظرة إلى السماء وحصرت نظرتها في الأرض، فَقَدَت ذكر الله والتطلع إليه والاستعانة به، واتجهت نحو النظرة إلى الخلق واستمداد العون من البشر وأخذ القوة من المال، بل إن هذه العقيدة فَقَدَت في نفوس المسلمين تصور يوم القيامة، فقدت الشوق إلى الجنة والحنين إلى نعيم الآخرة، فَقَدَت المثل الأعلى وهو نوال رضوان الله، وحصرت همّها في متاع الدنيا، فصار شوقها إلى منزل ضخم ورياش ناعم ومركب فارِه، وصار حنينها إلى متعة زائلة ونعيم بالمال والجاه والسلطان، وصار مثلها الأعلى تحقيق رغباتها المادية وإرضاء من بيدهم تحقيق هذه الرغبات. هذه العقيدة الإسلامية حتى عند القائمين بالليل تهجداً، والصائمين بالنهار تطوعاً، والمتحرجين عن الوقوع في محرم، لا تعدو هذه العبادات، وتنصرف إلى الدنيا وحدها، ولم يعد التقيد بحكم الله كما جاء من عند الله هو الذي يسيطر عليها، ولم يعد لرفع كلمة الله وجعلها هي العليا في أعمالها أي وجود، ولا في تفكيرها أي نصيب. فكيف يُطلب لإيجاد الدولة لهذه الأمّة وضع الدستور والقوانين قبل أن توضع الأفكار الأساسية التي ينبثق عنها الدستور والقوانين، والتي تعطي الدستور والقوانين صفة أحكام الشرع أي صفة المعالجات التي جاء بها الوحي من عند الله؟ إنه لا بد من بعث الحياة في العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين حتى تنطق قلوبهم قبل ألسنتهم أن أفكار الإسلام وأحكامه هي أكبر مبرر لوجودنا، وأن إخلاصنا لها يرتفع على كل إخلاص، وأن ولاءنا لها يرتفع على كل ولاء، فإذا نطقت قلوبهم بهذا ومثله، وصار الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما، فإنه حينئذ تكون الفكرة التي تجمع الأمّة كأمّة وتقوم عليها الدولة وتنبثق عنها القوانين قد أوجدت الحياة في الأمّة فيسهل حينذاك وضع الدستور والقوانين. فالقضية أولاً وقبل كل شيء وضع البذرة في العقول والنفوس، ففقدانها هو أصل الداء وأساس البلاء، ووضعها هو العلاج والبلسم والترياق. على أن القضية هي إنهاض الأمّة وإقامة الدولة. وإنهاض الأمّة إنما يكون بالفكر وليس بالدستور والقوانين، وإقامة الدولة يعني نصب خليفة المسلمين، ونصب الخليفة إنما هو إقامة الحكم، والحكم سياسة بمعنى السياسة الرفيع، أي فعل عقل وقلب. فالعقيدة العقلية التي تنبثق عنها أفكار الحياة تملأ العقل بالوعي والقلب بالمشاعر المتدفقة وعنهما معاً يصدر الفعل. وهذا الفعل هو الحكم، أو هو سياسة البشر، فهو لا يحتاج إلى دستور وقوانين أولاً حتى يكون، وإنما يحتاج إلى عقل وقلب يُملآن بالفكر المستنير ثم بعد ذلك توجَد الحاجة إلى الدستور وإلى القوانين. فالفكر الذي يعطي وجهة النظر في الحياة أولاً وقبل كل شيء، أي العقيدة العقلية الحية أولاً وقبل كل شيء، فمتى وُجدت وُجد الحكم، ومتى وُجد الحكم وُجدت الدولة، وحينئذ يوجد الدستور وتوجد القوانين.

والقوانين والأحكام إنما هي معالجات للمشاكل اليومية التي تحدث مع البشر منبثقة عن وجهة النظر في الحياة، أي عن تلك العقيدة العقلية الحية التي أقامت السلطان وبني عليها هذا السلطان. فالدستور والقوانين أداة للحكم وليست أساساً له، وهي مقياس للحكم على الأعمال التي يتقيد بها الحكام ويقيدون بها الرعية التي يحكمونها، أما الأفكار التي تنبثق عنها هذه القوانين أو الأحكام فهي التي توجِد الحكم وهي التي تدفع الأمّة لإيجاد الحاكم، وهي التي تجعل الحاكم يسوس الأمّة ويرعى شؤونها على وجه معين وبطريقة معينة، سياسة صادرة عن العقل والقلب معاً، ومدرَكة إدراكاً واقعياً، وتنبض بها المشاعر فتجعل في الحاكم حرارة الحكم، وتجعل سياسته سياسة حية تنبض بالحياة. فالأصل في إقامة الدولة عن طريق الأمّة ليس الدستور والقوانين وإنما هو بعث الحياة في العقيدة العقلية التي ينبثق عنها الدستور والقوانين. أي الأصل في إنقاذ الأمّة من الفناء المحقق إنما هو إنهاضها بأفكار الإسلام وإقامة الخلافة الإسلامية، أي إعادة الثقة بصحة أفكار الإسلام وصدقها وصلاحيتها، أو بعبارة أخرى بعث الحياة في العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين.

15 جمادى الأولى 1382 من كتاب "نداء حار إلى المسلمين

13 تشرين الأول 1962 من حزب التحرير"