بسم الله الرحمن الرحيم

حمل الدعوة الإسلامية

في الطريق السياسي هو عمل الحزب الوحيد مطلقاً

إن حمل الدعوة الإسلامية فرض على جميع المسلمين وعلى الدولة الإسلامية على حد سواء، قال تعالى: (وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بَلَغ)، أي ولأنذر به من بلغه، فكل من بلغه ملزَم بأن يبلّغه عن الرسول، وقال صلى الله عليه وسلم: (نضّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرُبّ حامل فقه غير فقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه) وقال تعالى: (ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير)، والخير هنا هو الإسلام، وقال تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله)، أي إلى دين الله. فهذه النصوص كلها تدل على أن حمل الدعوة فرض، وهي عامة تشمل المسلمين أفراداً وجماعات، وتشمل الدولة الإسلامية. إلا أنه بالإضافة لذلك فهو فرض على الدولة الإسلامية بأدلة أخرى وذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإجماع صحابته. فهو صلى الله عليه وسلم يقول: (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) ويقول: (الجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتِل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل). وهذا الأمر بالقتال دليل على وجوب حمل الدعوة على الدولة، وأن هذا الحمل وهو الجهاد دائم لا ينقطع ولا في حالة من الحالات. ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان دائماً في الجهاد منذ أن استقر في المدينة حتى التحق بالرفيق الأعلى وذلك جنباً إلى جنب مع ما كان يقوم به من تبليغ الدعوة، وجاء الخلفاء الراشدون من بعده فاستمر عملهم الأصلي هو الجهاد لحمل الدعوة الإسلامية، ولكن ليس بصفتهم أفراداً ولا بصفتهم رؤساء أحزاب بل بصفتهم خلفاء.

وعلى هذا فإن الحزب بعد أن حمل على عاتقه مسؤولية إنهاض الأمّة نهضة صحيحة بمبدأ الإسلام حمل بذلك على كاهله مسؤولية تبليغ الدعوة الإسلامية. ومتى تحققت النهضة، يَجهَد للمحافظة عليها من الانتكاس ودفعها للارتقاء، وله طريقة في إيجاد النهضة هي طريقة الرسول عليه السلام، وهي الفكرة وهي طريقة الحزب الوحيدة لا يحرفه عنها نزع، ولا يشغله عنها شاغل. فمهمة الحزب الوحيدة هي حمل الدعوة الإسلامية، وكل شاب من شبابه هو حامل لهذه الدعوة ومبلّغ لها، وليس له أي عمل غير ذلك. ويسير في هذا التبليغ بنفس الطريقة التي سار فيها الرسول الأمين والمبلّغ الأول صلى الله عليه وسلم، وهي طريقة الفكر ليس غيره، فلا يجوز التفكير بالخروج عن هذه الطريقة إلى غيرها مطلقاً، كحمل السلاح مثلاً، لأن هذا فوق كونه استجابة لضغط الواقع وخضوعاً للأحداث فهو شطط ما بعده شطط وخروج على الإسلام في طريقته، وحكم على الحزب بالضياع.

إننا نسمع أصواتاً بين الفينة والأخرى، بغض النظر عن مدى إخلاص أصحابها، تطالبنا بحمل السلاح بحجة فرضية الجهاد، ونحتك بالناس بحكم الاتصال بهم في كل مكان، ونجد الحديث عمن يُسمّون بالفدائيين، فتقع في نفوس بعضنا وساوس وتخالطها خواطر، أليس هذا جهاداً؟ أليس علينا أن نجاهد ولو مع الحاكم الفاجر؟ أليس هذا قعود عما نتبنى؟ فينسى هذا البعض أننا حزب كحزب الرسول صلى الله عليه وسلم نقتدي به ونسير على هديه، وعندما نطالَب لا نطالَب بصفتنا الفردية ولا لكوننا تسلمنا الحكم وامتنعنا عن الجهاد، فالرسول صلى الله عليه وسلم حمل الدعوة وحدها ثماني سنوات متتالية قضى منهن الثلاث الأولى في التثقيف والتعليم في تكتل سري، والخمس الأخرى في الكفاح والصراع في تكتل جهري، وبعدها أخذ يطلب النصرة لمدة ثلاث سنوات أخرى قضاهن في التعرض لرؤساء القبائل ودعوتهم لنصرة دعوته، وما أن أطل عليه نور من أمل بالنصرة مع النفر الستة الذي آمنوا به من يثرب وعادوا باثني عشر في العام التالي حتى أخذ يعمل وبجد لارتكاز الدعوة واستمر في ذلك أكثر من سنتين ولم يفكر طيلة السنوات الثلاث عشرة بحمل السلاح أو استخدامه مع إمكانية ذلك، فكان عمله صلى الله عليه وسلم فقط هو حمل الدعوة إلى العالم، إلى الناس كافة، ولم يكن عمله الجهاد ولا أخذ الحكم، لأن الجهاد وأخذ الحكم طريقة حدد الرسول الكريم من يسلكها، ومتى يسلكها، فعلّمنا أن للفرد منا أن يجاهد تحت راية أي أمير مؤدياً هذا الفرض كأي فرد آخر، ومتى حملنا الدعوة وقمنا بالعمل الوحيد المفروض علينا كحزب حققنا بنصر الله الغاية المرجوة ألا وهي استئناف الحياة الإسلامية بإقامة حكم الله في الأرض، فالحزب لم يعمل ولن يعمل إلا في شيء واحد فقط هو حمل الدعوة الإسلامية في الطريق السياسي، وبهذا وحده يحاول أن يصل إلى الحكم ليكون طريقة الحكم الإسلامي الانقلابي ليكون طريقة لتطبيق الإسلام بكليته على شؤون الحياة بكليتها، الحكم الإسلامي الانقلابي الذي يرفع راية الجهاد ويجعل من جميع علاقاته وارتباطاته في سياسته الخارجية سبباً لنشر الإسلام في الأمم والشعوب الأخرى محققاً بذلك طريقة نشر الإسلام في العالم.

والآن لنقف طويلاً في تمعن وتدبر أمام سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لنرى ماذا قال وماذا فعل، لنرى الطريقة التي سار فيها للقيام بمهمة حمل الدعوة على الوجه المرسوم منه تعالى، فيطرح عنا البعض شر ما يعتريه من خواطر ووساوس. وقبل أن نبدأ مسيرتنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يجدر بنا أن نتفحص الأعراض الخطرة التي قد يتعرض لها حزبنا في مرحلة التفاعل مع الأمّة لنحول بينها وبين ظهورها.

إن الحزب يتعرض في هذه المرحلة كما يشير كتاب التكتل الحزبي إلى خطرين، خطر مبدئي وخطر طبقي، ويهمنا هنا الخطر المبدئي. إن هذا الخطر يتأتى من تيار الجماعة والرغبة في استجابة طلباتها الآنية الملحة، ويتأتى من تغلب الرواسب الموجودة في آراء جماعة على الفكرة الحزبية، فحين يقوم الحزب بعملية التفاعل مع الأمّة يزوّدها بآرائه وأفكاره ويسعى لتصحيح مفاهيم، وبعث العقيدة الإسلامية فيها، ولإيجاد الأجواء الصادقة والعرف العام الصالح بمفاهيم الحزب، الأمر الذي يتطلب الدعوة والدعاية معاً لآرائه وأفكاره فيكسب الثقة بمفاهيمه والاحترام والتقدير له، ويحمل الأمّة على الاستعداد للطاقة والعمل، وبما لدى الحزب من شباب مؤمنين تثق بهم الأمّة يقودها آنئذ إلى الغاية التي يريدها ضمن إطار المبدأ.

إن هذا يتحقق متى وُجد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام عند الأمّة، أي متى اكتمل التفاعل مع الأمّة، وأما قبل ذلك فلا يجوز للحزب أن يتقدم لقيادة الأمّة، مهما ألحّت في ذلك، لأنه بذلك يستجيب إلى إثارات عاطفية مؤقتة، وهو لا يقودها بأحكام المبدأ وأفكاره وإنما بتشخيص ما يجيش في نفسها، وبإثارة عاطفتها وتقريب مطالبها، وسرعان ما تستيقظ الأمّة بما لديها من مشاعر أولى كالوطنية والقومية والكهنوتية، وما لديها من ضعنات تافهة كالطائفية والمذهبية، ونعرات فاسدة كالعنصرية والعائلية، وأفكار قديمة كالاستقلال والحرية، فيبدأ التناقض بين الأمّة والحزب، فيقف الحزب بين ناريْن: أحدهما التعرض لغضب الأمّة ونقمتها وهدم ما بناه من كسب ثقتها، والأخرى التعرض للانحياز عن مبدئه والتساهل فيه، وكلا الأمرين خطران. ولذلك كان على شباب الحزب ورجاله إذا تعارض الأمر بين الجمهور والمبدأ أن يتمسكوا بالمبدأ ولو تعرضوا لنقمة الأمّة، لأنها نقمة مؤقتة سرعان ما تتلاشى لتعود الثقة محلها، ولا تجوز مخالفة المبدأ والحيد عن جوهره قيد شعرة، فهو حياة الحزب وضمان بقائه.

ولكي يتلافى الحزب مثل هذا الخطر لا بد أن يواصل نشر المبدأ والمحافظة على وضوح أفكار الحزب ومفاهيمه والتقيد والانضباط التام بطريقته، ويحقق ذلك العناية بفترة التثقيف، والاهتمام بالثقافة الجماعية والحرص على كشف خطط الكفار، والسهر على مصالح الأمّة، والانصهار بالمبدأ والحزب، والتثقيف في أفكار الحزب ومفاهيمه، وبكلمة واحدة: التقيد التام بالمبدأ فكرة وطريقة تماماً كما سار فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ودون أي انحراف أو تساهل.

صحيح أن ما يتعرض له شباب الحزب في الوقت الحاضر من المطالبة بحمل السلاح هو شيء آخر إلى حد ما غير المشار إليه أننا كخطر مبدئي، إذ ذاك، مطالبة بتسلم الحكم في وقت لم يكتمل فيه التفاعل مع الأمّة، وهذا مطالبة بحمل السلاح لا لتسلم الحكم ولكن بدعوى الجهاد، صحيح هذا، ولكن يبقى الأمران على صلة وثيقة ببعضهما، فالمطالبة بتسلم الحكم قبل اكتمال التفاعل تجاوز للطريقة وانحراف عنها، والمطالبة بحمل السلاح بدعوى الجهاد من قِبل الحزب هو أيضاً تجاوز للطريقة وانحراف عنها.

والآن لنعُد إلى طريقة حمل الدعوة في مسيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فنمشي معها، ونشحذ عزائمنا بالانقياد لها والانضباط بها، فنبقى دائماً بجانب الحق والأمان.

ابتُدي (بضم التاء) رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزيل في شهر رمضان، ومضى عليه السلام على أمر الله، فدعا زوجه خديجة فآمنت به، ثم دعا ابن عمه علياً فآمن به، ودعا مولاه زيداً فآمن به، ودعا أبا بكر صديقه فآمن به، ثم سار يدعو الناس، فآمن به من آمن وكفر به من كفر. وحَدَث أن انقطع الوحي عنه إبان مطلع تلك الفترة من أمر التنزيل، فغمّ صلى الله عليه وسلم، فسُرّي عنه بسورة الضحى، تلك السورة التي اختُتمت بآية التكليف بحمل الدعوة لهذا الذي ينزل عليه، إنها (وأما بنعمة ربك فحدّث) أي اذكر يا محمد ما أنعم الله به عليك وأُكرِمت به من والنبوة وحدِّث به وادعُ إليه. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من النبوة، فحَدَث أن أسلم علي بن أبي طالب ثم زيد بن الحارثة ثم أبو بكر الصديق، الذي أسلم بدعوته عثمان والزبير وعبدالرحمن وسعد وطلحة، ثم أسلم أبو عبيدة وأبو سلمى والأرقم وأبناء مضعون وعبيدة بن الحارث وسعيد بن زيد وامرأته وأسماء وعائشة وخبّاب، ثم أسلم عمر بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود ومسعود بن القاري.. ثم عمار بن ياسر وصهيب.. ثم دخل الناس إلى الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث الناس به. وكان صلى الله عليه وسلم يطوف على الناس في أول أمره في منازلهم ويدعوهم ليعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وكان يدعوهم جهاراً تنفيذاً لأمر الله (يا أيها المدّثّر قم فأنذر) وكان يكتّلهم حوله على هذا الدين سراً، ويثقفهم متخذاً دار الأرقم بن أبي الأرقم مركزاً لهذه الكتلة المؤمنة. ومكث ثلاث سنين يثقفهم ويصلي بهم ويتهجد فيتهجدون، فيبعث فيهم الروحانية بالصلاة والتلاوة، ويدعوهم للتأمل في آيات الله والتدبر في مخلوقاته فيثير فيهم الفكر ويأخذهم بالصبر على الأذى، ويروضهم على الطاعة والانقياد حتى خلصوا لله تعالى. واستمر الرسول صلى الله عليه وسلم مستخفياً هو وأصحابه ثلاث سنوات حتى أُمر بالجهر بقوله تعالى: (فاصدع بما تؤمَر وأعرض عن المشركين). وكان خلال تلك المرحلة، مرحلة الابتداء، مرحلة التثقيف، يدعو من أَنس فيه الاستعداد لقبول هذه الدعوة بغض النظر عن سنه ومكانته وأصله وجنسه، وكان يحرص على تثقيفهم بأحكام الدين ويحفّظهم القرآن، فتكتل هؤلاء وحملوا الدعوة، ولم يزد عددهم منذ البعثة حتى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإظهار أمره على الأربعين إلا قليلاً بين رجل وامرأة أكثرهم من صغار الشباب بين فقير وغني وضعيف وقوي. ولمّا نضجوا في عقولهم وسَموا بنفسياتهم وبرزت على أعمالهم صلتهم بالله، ارتاحت نفس الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً، فقد قويت كتلة المسلمين وأصبحت قادرة على التصدي للمجتمع فأظهرها بأمر الله.

صحيح أن أمر الدعوة الإسلامية كان ظاهراً من أول يوم بُعث به صلى الله عليه وسلم، وكان الناس في مكة يعرفون ويحسون بمجرياتهم فلم يفاجَأوا بإعلانه صلى الله عليه وسلم للإسلام، وإنما المفاجأة كانت في ظهور هذه الكتلة المؤمنة للناس. فقد كان أن أسلم حمزة بن عبدالمطلب وبعده بثلاثة أيام أسلم عمر بن الخطاب فقويت شوكة المسلمين، ونزل على الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر بإظهار الكتلة (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون)، فصدع بأمر الله وأظهر أمر الكتلة علناً لجميع الناس، وإن بقي بعض المسلمين مستخفين، فانتقل الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه من دور الاستخفاء إلى دور الإعلان، ومن دور الاتصال بمن يأنس بهم الاستعداد إلى دور مخاطبة الناس جميعاً، فبدأ الاصطدام بين الإيمان والكفر في المجتمع، وبدأت مرحلة التفاعل والكفاح، وبدأ الكفار يقاومون الدعوة ويؤذون الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بجميع أنواع الأذى، وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب، فلما رأت قريش ذلك أخذت ترسل الوفد تلو الوفد إلى عمه ليردعه أولاً، فلم يفعل، وليناجزهم القتال حتى يهلك أحد الطرفين ثانياً، فلم يسأل، وإن انزعج لفراق قومه له، وليسلمهم إياه ثالثاً مقابل عمارة بن الوليد يعطونه له، فلم يصنع.. وتجلّت هذه المرحلة، مرحلة التفاعل والكفاح، في أروع صورها بينما كان منزل الرسول صلى الله عليه وسلم يُرجم، وأمام بيته تلقي أم جميل زوجة أبي لهب النجس، فلا يزيد على أن يزيله ويمضي في مصارعته للكفر والباطل، وعليه يلقي أبو جهل رحم الشاة المذبوحة، فلا يزيد على أن يرجع إلى ابنته فاطمة لتعيد إليه نظافته وطهارته، فيزداد بذلك صبراً على الأذى وإمعاناً في الدعوة.. هذا والمسلمون يهدَّدون ويؤذَوْن، فقد فقدت قريش صبرها وطار صوابها وظلمة الليل تنقشع ببريق النور، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم، ووضع الحجر على صدر بلال تحت الشمس المحرقة فلم يزده إلا إصراراً على الإسلام وهو يردد أحداً أحداً.. وعُذبت امرأة حتى ماتت لتُفتن.. وهكذا كان حال بقية المسلمين، صبرهم ابتغاء مرضاة الله يزيدهم ازدراء للأذى في طاعته.

أخذت قريش تتفنن في ابتداع الأذى والتعذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واتخذت مقاومة الدعوة وسائل ثلاث هي التعذيب، والدعاية الداخلية والخارجية، والمقاطعة, فقد عُذب آل ياسر جميعهم ليُفتنوا عن دينهم فثبتوا، وعُذب الآخرون فصبروا.. ولما رأى أبو طالب ذلك دعا بني هاشم وبني المطلب للمشاركة في حماية الرسول صلى الله عليه وسلم مما تفعله قريش، فأجابوه إلا ما كان من أبي لهب الملعون.

ولما رأت قريش أن ذلك لم يحقق هدفها لجأت إلى الدعاية ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وضد الإسلام وضد المسلمين في كل مكان في مكة وفي الحبشة، واستعملت في ذلك جميع أسلحة الدعاية من مجادلة ومهاترة وإشاعات. ومما فعلته قريش أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر منهم وكان ذا مكانة فيهم فطلب إليهم أن يجمعوا أمرهم على رأي واحد في الرسول صلى الله عليه وسلم ليحولوا بينه وبين الناس في ذلك الموسم من الحج، فأخذوا يقترحون أن يتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كاهن، ومجنون، وشاعر، وساحر، والوليد يرد عليهم بأنه لا يرى ذلك كله في محمد، وأن العرب لا تصدقهم، وبعد جدال ونقاش اتفقوا أن يتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بسحر البيان. فنزل في الوليد قوله تعالى: (سأرهقه صعودا، إنه فكّر وقدّر، فقُتل كيف قدّر، ثم قُتل كيف قدّر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إنْ هذا إلا سحر يؤثَر، إنْ هذا إلا قول البشر). ولم يكتفوا بذلك بل حملوا النضر بن الحارث على الدعاية ضد الرسول صلى الله عليه وسلم فكان يَخلُف الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلس دعا فيه إلى الله ليقص فيه حديث فارس ودينها ويقول: بماذا يكون محمد أحسن حديثاً مني. وكانت قريش تذيع هذه الأحاديث بين الناس كما كانت تذيع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ القرآن من غلام نصراني اسمه جبر، فيكذبهم القرآن بأروع حجة. ومما يرد ذكره في التعرض له صلى الله عليه وسلم لمنعه من دعوة الناس للإسلام أنه صلى الله عليه وسلم مرّ بأشراف قريش وهم مجتمعون في حِجر الكعبة فطاف في البيت فغمزوه أولاً وثانياً وثالثاً فوقف ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح. فوقع الأمر في أيديهم وأخذوا يهدئونه، فقال أحدهم: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا. وفي اليوم التالي وثبوا عليه وثبة رجل واحد وهم يقولون: أنت الذي يقول كذا وكذا.. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم أنا الذي أقول ذلك. فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه..

ولم تكتف قريش بذلك من الدعاية ضد الإسلام وأهله على أرضها، بل لحقتهم إلى حيث هاجروا فراراً بدينهم، إلى الحبشة. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما انتم فيه. وبلغ عدد من هاجر 82 رجلاً وامرأة.. فقريش التي ينهش الحقد الكافر والكفر الحاقد صدرها أبت على المسلمين حتى الاطمئنان في أرض وجوار غريب، فأرسلت رسولين لها لينشرا دعاية ضد المسلمين عند النجاشي حتى يُخرجهم من بلاده، وكان الرسولان عمرو بن العاص وعبدالله بن ربيعة، فحمّلتهم من الهدايا للنجاشي وبطارقته ما رَجَت أن تساعد في نجاح مهمتهم. ولكن فألهم خاب ورُدّ رسولاهم بالخزي والفشل. وباستعراض المسألة التي عرضها جعفر بن أبي طالب بين يدي النجاشي والتي بكى لها أساقفته نتبين كيف استطاع هذا الصحابي الفذ أن يحمل دعوة الإسلام في مثل هذا الموقف المهيب بلسان عربي انتزع الدموع من صدور القوم فكان مظهراً من أروع مظاهر انتصار الحق على الباطل.

تصوروا ماذا كان سيؤول إليه أمر هؤلاء المسلمين لو جبنوا عن دعوة الإسلام وبيانها بتلك الصورة المؤثرة واستطاع رسولا قريش أن يصلا لمبتغاهما؟ هكذا بدد نور الإسلام بإشراقه على لسان الرسول الكريم وأصحابه جميع الإشاعات والدعايات، فلجأت قريش إلى السلاح الثالث وهو المقاطعة. ذلك أنه لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا في جوار النجاشي، وأن عمر قد أسلم وكان سبقه إلى ذلك حمزة، فامتنع بهما الإسلام وعزّ، وأخذ يفشو في القبائل، لمّا رأت قريش ذلك ائتمروا بينهم فكتبوا كتاباً تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم وبني عبدالمطلب مقاطعة تامة، فلا يَنكحوا منهم ولا إليهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعون منهم، وعلّقوا تلك الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، واعتقدوا أن ذلك أشد أثراً مما سبقه من التعذيب والدعاية، ظناً منهم أن يترك بنو هاشم وبنو المطلب محمداً، وأن يترك المسلمون إسلامهم، فيصبح محمداً وحيداً، وهو إما أن يرجع عن دعوته أو يذهب عنها فزعاً. إلا أن ذلك لم يزد الرسول وأصحابه إلا تمسكاً بدين الله وصلابة وقوة في حمل الدعوة إلى الله. واستمر الحال من الضنك وآلام الجوع والحرمان طوال الأعوام الثلاثة، لم يكونوا خلالها يستطيعون أن يختلطوا بالناس ويتحدثوا إليهم إلا في الأشهر الحُرُم حين كان ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة يدعو العرب إلى دين الله لا يتقي فيه أحداً من الناس. وبلغ خبر حصار قريش لمحمد العرب خارج مكة فذاع أمر الدعوة بين القبائل وصار ذكر الإسلام يفشو في الجزيرة، إلا أن المقاطعة استمرت، الأمر الذي كان يثير عطف العرب عليهم، فكان منهم من يُقبِل على الإسلام، ومنهم من يرسل لهم الطعام والشراب خلسة، وفعل ذلك هشام بن عمرو.

وظلوا على هذه الحال مدة ثلاث سنوات حتى ضاقت عليهم الدنيا، إلى أن أرسل الله الفرج وفك الحصار. فقد اتفق خمسة من شباب قريش هم هشام بن عمرو وزهير بن أبي أمية والبختري بن هشام والمطعم بن عدي وزمعة بن الأسود على تمزيق الصحيفة. وكان لهم ما أرادوا رغم تصدي أبي جهل لهم. وبذلك أتيح للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يعودوا من الشِعب إلى مكة وأن يُفك عنهم الحصار، فعادوا واستمر عليه السلام على دعوته وزاد عدد المسلمين وأخفقت قريش في التعذيب والدعاية والمقاطعة.

وعاد الصراع المرير بين الكفر والإسلام من جديد، وبشكل جماعي، بعد أن كان ينفرد به الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة سنوات الشِعب الثلاث. كان اصطدام قريش بالإسلام أمراً حتمياً، لأنه صلى الله عليه وسلم حمل الدعوة وأظهر الكتلة التي تحمل معه الدعوة سافرة متحدية لعقائد قريش وعباداتها ونظامها الفاسد (أنتم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم). هذا وقد كانت حياتهم الاقتصادية تخضع لكوابس الربا وتطفيف الكيل والميزان فكان تصدي الدعوة لهذه الأشياء يعني التصدي لأمور من مستوى مقدساتهم، ولهذا أخذوا يقفون في وجه الإسلام ورسوله وصحابته، واستخدموا ما استخدموه من أسلحة المقاومة. واستمرت الدعوة بكل صراحة دون استكانة ولا محاباة ولا مهادنة، فكان لذلك الأثر التام في التغلب على الصعوبات التي كانت تضعها قريش في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم لتحول بينه وبين الناس. فاستطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى الناس ويبلّغهم، فأسلم الكثيرون من عُبّاد الأصنام والنصارى واستمع زعماء قريش للقرآن.

كانوا ينفِّرون كل قادم إليهم من أن يجلس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويستمع منه، ولكن الله الذي يأبى إلا أن يُتم نوره ويُظهر دينه يهيئ الأسباب. فقد قَدِم الطفيل بن عمرو من أشراف قبيلة دوس، فحذرته ونفّرته قريش حتى حشا أذنيه بالقطن عندما اقترب من الرسول لكي لا يسمع، ولكنه سمع بعض قوله، فأنّب نفسه قائلاً: وا ثُكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان حسناً قبلته وإن كان قبيحاً تركته. وتبع الرسول إلى بيته، وبيّن له أمره فعرض الرسول عليه الإسلام، وتلى عليه القرآن، فأسلم ورجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام. وقَدِم على الرسول بمكة عشرون رجلاً من النصارى حين بلغهم خبره فأسلموا. وهكذا سرت الدعوة في كل مكان رغم ما تضعه قريش في وجهها من عقبات. فساء ذلك قريشاً واشتد خوفها من انتشار الدعوة بين قبائل العرب بعد مكة، فضاعفت في أذى أصحابه، وأخذت تزيد في إيذائه، حتى ضاق بهم ذرعاً، فخرج إلى الطائف يلتمس النصرة والمَنَعة من ثقيف، ولكنهم ردوه بشرّ جواب وأغروا به سفهاءهم، فرجع، ولكنه لا يستطيع أن يدخل مكة إلا في حماية أحد زعماء مكة المشركين، واشتد الكرب عليه فرفع رأسه إلى السماء يشكو إلى الله في أشد حالة من الألم، وأعظم حال من الثقة بالله وطلب رضاه، وأخذ يدعو بهذا الدعاء: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعَفين وأنت ربي، إلى من تَكِلُني، إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملّكته أمري, إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرَقَت له الظلمات، وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك، أو تحل عليّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك). ثم عاد إلى مكة في حماية المطعم بن عدي. ولما علمت قريش ما لاقاه الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف حتى سدرت في غِيّها واشتطت في أذاها، ولكن ذلك لم يصرفه عن الدعوة لدين الله، واستمر يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام. غير أن أبا لهب كان يتبعه ويحذر القبائل من الاستماع إليه مما أثر عليهم وانصرفوا عن سماعه، فغيّر الرسول صلى الله عليه وسلم وجهته وصار يعرض نفسه على القبائل في منازلها، فأتى كنده في منازلها وأتى كلباً وبني حنيفة وبني عامر بن صعصعة، فلم يسمع له منهم أحد وردوه رداً غير جميل. وحَدَث عندما كان في منازل بني عامر أن سأله أحد سادتهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: (الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء) فقال: أتُهدَف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك.

وهكذا أعرضت مكة عن الإسلام، وأعرض أهل الطائف عن رسول الله، وردّت القبائل دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورأت القبائل التي تجيء إلى مكة ما سار إليه محمد من عزلة وما تحيطه قريش من عداوة فابتعدت عنه وصارت الدعوة صعبة في مكة وما حولها، وظهر المجتمع المكي في صلابة الكفر والعناد ما يجعل الأمل ضعيفاً فيه. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ظل يدعو الناس كلما أتيح له ذلك، فإذا جاء موسم الحج واجتمع الناس من أنحاء شبه الجزيرة بمكة، بادأ القبائل فدعاها إلى الإسلام غير آبه أن تبدي رغبة عن دعوته أو ترده بقبح ويتحرش به السفهاء فينالونه بالسوء، فلا تغير مساءاتهم رضى نفسه، وطمأنينتها إلى غده، فقد بعثه الله بالإسلام فهو لا ريب ناصره ومؤيده ومظهر دينه، وأخذ ينتظر فرج الله. فلم يَطُل به الانتظار حتى بدت تباشير الفوز آتية من المدينة، فقد التقى الرسول صلى الله عليه وسلم بنفر من الخزرج قَدِموا مكة في موسم الحج وكانوا ستة، فكلمهم ودعاهم إلى الله فأسلموا، وعادوا إلى المدينة فذكروا لقومهم إسلامهم، فألِفوا قلوباً منشرحة ونفوساً متلهفة للدين الجديد، فلم تبقَ دار من دور الأوس والخزرج إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي العام التالي وافى الموسم من المدينة اثني عشر رجلاً، فالتقوا هم والنبي بالعقبة فبايعوه بيعة العقبة الأولى، بيعة النساء، أي لم يبايعوه على القتال وإنما على العهد والميثاق.

وما أن فشا الإسلام في دور الأنصار بفعل أهل العقبة الأولى حتى أرسلت الأنصار رجلاً إلى رسول الله وطلبت رجلاً يفقههم في الدين ويقرئهم القرآن، فبعث إليهم مصعب بن عمير ونزل لدى أسعد بن زرارة، واستمر مصعب يطوف بالمدينة على الناس ويدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم إياه. ومن أبرز من أسلم في هذه الفترة حتى العقبة الثانية هما أسعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة وأسيد بن حضير، وهما يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل. فكان من أثر إسلامهما أنه ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة، وبالتالي لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجل ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة وائل وواقف، وهم من الأوس، إذ وقف بهم سيدهم أبو قيس بن الأسلت عن الإسلام.

وهكذا كان مصعب بن عمير بنشاطه، وهكذا كان الذين أسلموا معه بنشاطهم، فقد تحولت المدينة في سنة واحدة من حال الشرك إلى حال الإسلام. مصعب بن عمير شخص واحد من أصحاب رسول الله استطاع أن يغير المدينة بمن أسلموا فيها أولاً على قلة عددهم، واستطاع أن يقلب الأفكار والمشاعر الموجودة في مجتمعها ودخلت في الإسلام جماهير الناس فيها بخلاف مكة على كثرة الذي أسلموا فإن جماهير الناس كانوا منفصلين عنهم، مما يدل على أن إيمان الأفراد منفصلين عن المجتمع، منفصلين عن جماهير الناس، لا يحدِث أثراً في المجتمع ولا في الجماهير مهما تكن قوة هؤلاء الأفراد، وهنا تظهر خرافة فكرة إصلاح الفرد أو الأفراد يصلح المجتمع، فلا بد أن تتأثر العلاقات القائمة بين الناس بتأثير الأفكار والمشاعر ليحدث التحول والانقلاب مهما قل عدد الحاملين للدعوة، وهنا تظهر عظمة فكرة إصلاح المجتمع يصلح الأفراد ويستمر صلاحهم بصلاحه.

لكأننا ونحن نقف أمام هذا النصر الرائع الذي حققه مصعب بن عمير في المدينة، نقف أمام حكمة إلهية، عبرة عُلوية، بشخص واحد ليس هو الرسول، فتح الله عليه في سنة واحدة المدينة بأسرها، بينما لم يؤت رسوله محمد عليه السلام مثل هذا النصر في مكة وما حولها في ثلاث عشرة سنة. وبهذا يبرز لنا أننا يجب أن نأخذ بالأسباب، فقد أخذ بها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هل أخذ أحد أخذاً بشكل أروع من ذلك وأعظم منه صلى الله عليه وسلم وأخذ بها مصعب بن عمير، ولكن ماذا كانت النتيجة؟

ورجع مصعب في موسم الحج التالي إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من الشرك حتى قَدِموا مكة، والتقوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة وكانوا ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين هما نسبية بنت كعب، أم عمارة، وأسماء بنت عمر، أم منبع، فبايعوه بيعة حرب ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارفضوا إلى رحالكم) فقال له العباس بن عبادة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلنّ على أهل مِنى هذا بأسيافنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم)، وبعدئذ أذِن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة. ومن روائع ما حدث أنه عندما أراد صهيب أن يهاجر قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكاً حقيراً فكثُر مالك عندنا وبلغتَ الذي بلغتَ ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإنني جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (رَبِح صهيب رَبِح صهيب).

ثم هاجر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأمر من الله ومعه صاحبه وارتكزت الدعوة في دولة تحمل الدعوة بالجهاد، إنها الدولة تجاهد، لا الحزب ولا أعضاء الحزب بصفتهم الحزبية ولكن بصفتهم الحربية، بصفتهم قادة وضباط وجنوداً.. في جيش الدولة الإسلامية.

وهكذا وصلنا إلى نهاية المطاف في سيرنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه طيلة مرحلتين من مراحل الدعوة الإسلامية هما التثقيف والتفاعل، فبماذا خرجنا من هذه المسيرة؟

دعوة اتخذت طريقاً مرسوماً من الله العلي القدير، لم يحِد عنه المؤمنون المكافحون رغماً عن العقبات التي تتحطم بفعلها الجبال، وتنوء بحملها النفوس إلا للأتقياء الصامدين. كان يمكن أن يكون للواقع أعظم الأثر على النفس البشرية فتتهاوى تحت الضربات وتهبط وتنحرف، ولكنها لم تكن نفسٌ كمحمد نفسُ مجرد إنسان بل نفس رسول يؤمَر فيطيع فينفّذ ويسير.

كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يوعز لحمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب أن يقودا حركة مسلحة جنودها جاهزون مستعدون وكلاهما كان بطلاً قائداً فارساً مرهوب الجانب، ولكنه لم يفعل وأصرّ إلا على تعليم أصحابه وأعضاء حزبه بأنهم في صراع فكري مع الكفر والباطل وكفاح سياسي مع الظلم والجور.

كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يوعِز لحمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب أن يقودوا حركة مسلحة جنودها جاهزون مستعدون، وكلاهما كان بدلاً قائداً فارساً مرهوب الجانب، ولكنه لم يفعل، وأصرّ إلا على تعليم أصحابه وأعضاء حزبه بأنهم في صراع فكري مع الكفر والباطل وكفاح سياسي مع الظلم والجور.

كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم وهو في أوج الشعور بالعزة والمَنَعة في اللحظات الأخيرة من البيعة الثانية للعقبة أن يستجيب للعباس بن عبادة وهو يقسم له بالله أن يُعمِلوا أسيافهم في رقاب ليس فقط مشركي مكة بل مشركي العرب جميعاً وقد جمعهم الحج في مِنى لأنهم لم يستجيبوا بعد للرسول ودعوته بل قاوموها واضطهدوها، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل، وأصر إلا على تعليم أصحابه وأعضاء حزبه بأنه وأنهم لم يؤمَروا بذلك، فهم حزب يعيشون مرحلة الكفاح والصراع، مرحلة التفاعل، مرحلة النقلة المظفرة إلى الحكم والدولة، الدولة التي تحمل السيوف وترفع الألوية والرايات وتخوض المعارك الطاحنة، مؤيَّدة ومنصورة برب الأرض والسموات.