بسم الله الرحمن الرحيم
حمـــل الدعـــوة
1- يجب أن يفرَّق بين الدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية ولو أن كلاهما واجب.
2- الدعوة إلى الإسلام: تعني دعوة غير المسلمين لاعتناق الإسلام والدخول في حظيرته والالتزام بأحكامه.
3- الطريقة العملية في دعوة الكفار للإسلام تكون بتطبيقه عليهم من قِبَل الدولة الإسلامية وأن يُحكموا به ليروا نور الإسلام بلا غموض أو إبهام، فيلمسوا عدالة التشريع ويبصروا صحة العقيدة فيندفعوا للدخول فيه أفواجاً كما حصل.
4- المسلم حامل رسالة وهو مكلف بأدائها حيثما حل أو ارتحل، فهو يدعو لها في الحضر والسفر ويناقش الكفار ويجادلهم بالتي هي أحسن للدخول في دين الله بلا عنت ولا إكراه.
5- لا يجوز إكراه الكافر في الدين لا من قِبَل الفرد ولا من قِبَل الدولة.
6- حمل الدعوة فرض على كل مسلم، وقد تضافرت الأدلة على ذلك، كقوله تعالى:
أ) (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).
ب) (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني..) الآية.
ج) (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين).
د) قوله صلى الله عليه وآله: (نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها).
هـ) لأن يهدي الله رجلاً على يديك خير لك من حمر النعم) وفي رواية (خير لك مما طلعت عليه الشمس).
هذه النصوص وغيرها الكثير تدل دلالة قطعية على وجوب حمل الدعوة على كل مسلم ومصارعة أفكار الكفر بكافة أنواعه سواء أكانت أدياناً كالنصرانية واليهودية وغيرها أم كانت مبادئ كالشيوعية والرأسمالية وغيرها. وهذا يقتضي معرفة ما عليه الكفر ليُرَد عليه بالحجة الدامغة، كما رد الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه على اليهود والنصارى ومشركي العرب عبدة الأصنام، أي لا بد من معرفة ما عند الشيوعيين والرأسماليين وأمثالهما والرد عليهم بالأسلوب العقلي والبرهان القاطع، تماماً كأسلوب القرآن ومناقشات رسول الله لأهل الكتاب ومشركي العرب.
7- أما وجوب حمل الدعوة من قبل الدولة، وأن هذا هو عملها الأصلي فأدلّته هي أدلة الجهاد أي مئات الآيات التي تطالب المسلمين بقتال الكفار. وكذلك سيرةُ رسول الله -صلى الله عليه وآله- وأعمالُه وأقوالُه التي بينت تلك الآيات وفصَّلتها، ونفذها رسول الله بكلياتها وجزئياتها بعد أن أقام دولته في المدينة وبها بسط سلطانه على الجزيرة العربية كلها حتى تُخومِ الشام، وجاء أصحابه من بعده وعلى نفس الفهم حتى بلغت دولتهم -دولة الإسلام- من حدود الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً، ومن بحر العرب جنوباً إلى شمال القفقاس شمالاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
هذا بشكل عام، وهذا حمْل الدعوة لغير المسلمين. أما حمْل الدعوة للمسلمين لاستئناف حياة إسلامية وعودة سلطان المسلمين وإظهار الإسلام على الدين كله ولو كره الكافرون، فإن الأمر يختـلف تماماً، فهو دعوة إلى المسلمين وليس لكفار، وهو دعوة لإيجاد سلطان المسلمين لبسط سلطان المسلمين، وهو دعوة لإيجاد الإسلام في واقع الحياة وليس دعوة لاعتناق الإسلام، إنها دعوة اختلف الناس فيها الآن اختلافات كبيرة، وساء فهمهم لها وضُلّلوا فيها إلا من رحم ربي.
8- دعوة المسلمين إلى الإسلام. أبرز ما ذهب الناس إليه اتجاهات ثلاثة:
أ) الدعوة إلى الخير. وقد امتلأت فيها المدن والأحياء حتى لا يخلوا منها حي. وقد نمت نواحٍٍ شتى، حتى شملت الكثير من أبواب الخير مثل:
-
الجمعيات الخيرية، منها مَن تناول المستوصفات ومنها مَن تناول المدارس والمعاهد.
-
جمعيات المحافظة على القرآن الكريم.
-
جمعيات تعليم قراءة القرآن.
-
المراكز الإسلامية وتعدد أوجه نشاطها.
-
الجمعيات الرياضية والكشفية.
-
الجمعيات الأخلاقية والعودة إلى التراث.
-
جمعيات الدعوة للالتزام بالعبادات.
-
طرق المشايخ والمتصوفين.
-
الأوقاف وأوجه نشاطها.
كل هؤلاء يدعون المسلمين إلى الإسلام ويرون عودته للحياة عن هذه الطريق إما جهلاً أو عن سوء قصد، أو عجزاً عن سلوك الطريق القويم، ولم يدركوا أنهم أصبحوا صخوراً في طريق عودة الإسلام لواقع الحياة، وإنهم بعملهم يستنزفون طاقات الأمة.
وبالمناسبة بلغ عدد الجمعيات المسجلة رسمياً في لبنان 1200 جمعية خيرية إسلامية.
ب) الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قام على هذا الاتجاه بعض الجمعيات والتكتلات ولكن في غالبيتها اقتصرت على الأعمال الفردية وسلكت فيها طريق الوعظ والإرشاد.
ج) الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة إسلامية، أي عودة الخلافة وسلطان المسلمين.
وكانت هذه الدعوة غامضة أو شبه غامضة حتى وُجِد عليها الكثير من التكتلات والأحزاب، وأخذت تحاول السير للوصول إلى غايتها في الطريق الصحيح مرة، وفي طرق مرتجَلة ملتوية مرات ومرات. ومن هذه الكتل من وعى على فكرته وأبصر طريقته وحدد هدفه ومنهم غير ذلك. وفي هذا الاتجاه بيت القصيد وفيه لا بد من التفصيل.
9- وبالرغم من تسليم الجميع بوجوبها ومن العمل إليها أرى أنه لا بد من معرفة أدلة وجوب حمل الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية، معرفة تجسد هذا الحكم تجسيداً يدفعنا إلى التضحية في سبيل ذلك، وتربط بين عملنا وعقيدتنا حتى نعيش في الجو الإيماني الذي يمكّننا من التغلب على مشاق الدعوة والقيام بتبعتها والوفاء بالتزاماتها.
أ) الأدلة الموجبة لحمل الدعوة الإسلامية التي سقناها مع بداية هذه الكلمة، فهي أدلة توجب حمل الإسلام والدعوة له بشكل عام.
ب) قوله تعالى في سورة آل عمران: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)، وهذه الآية وإن كانت مما يجب على المسلمين في ظل دولتهم أن تكون منهم جماعة تقوم بعملين، الدعوة إلى الخير، ثم الأمر بالمعروف والنهي هن المنكر، أي أوجب على المسلمين أن يكون منهم جماعة تدعو للإسلام وتحاسب الحاكم، إلا أن هذا لا ينحصر في وقت وجود الدولة الإسلامية، بل يبقى على عمومه في كل عصر وفي كل مصر، وسواء أكانت للمسلمين دولة أم لم تكن.
ج) أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي وإن كانت مطلقة في كل معروف وفي كل منكر، إلا أن من أهم الأمور التي تقضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محاسبة الحاكم، وقد وردت نصوص متعددة تركز على هذا الجانب كقوله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم)، وقوله: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى حاكم ظالم ينصحه فقتله)، أو كقوله: (لتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم من لا يرحمكم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم). وكذلك نراها جاءت مطلقة في كل حاكم للمسلمين وليس فقط لخليفة المسلمين، وورد الثناء في القرآن الكريم على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة).
(الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله).
(وأْمُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر)، إلى غير ذلك من النصوص، مما يقطع بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل الأحوال وفي كل الظروف وعلى رأسها محاسبة الحكام والنصح لهم أياً كانوا.
د) اندراج الوجوب في هذه المسألة تحت قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، وذلك للأسباب التالية:
أن المسلمين خوطبوا بالأحكام العامة، فهم مخاطبون بإقامة الحدود كقوله تعالى: (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، ومخاطبون بحمل الدعوة -أي بالجهاد- كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة)، ومخاطبون برعاية الشؤون كقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) كناية عن رئيس الدولة، ومخاطبون بحماية الثغور كقوله صلى الله عليه وسلم: (أنت على ثغرة من ثغور الإسلام فلا يؤتَينَّ من قِبَلك) وقوله: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله). فهذه أمور أربعة خوطب بها المسلمون جميعاً ولا يملك الفرد منهم تنفيذها، وبعضها لا يجوز للفرد تنفيذها بل هي مهمةُ وعملُ من أنابوه عنهم في تنفيذها وهو الخليفة. وكون هذه الأمور واجبة ولا يمكن تنفيذها إلا من قِبَل الخليفة لذلك صار وجود الخليفة واجباً، وصار العمل لإيجاده واجباً كذلك للقاعدة التي تقول (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
هـ) أدلة وجوب وجود خليفة للمسلمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من بات وليس في عنقه بيعة ومات كانت ميتته جاهلية).
10-هذه بعض أدلة وجوب حمل الدعوة للمسلمين لإقامة دولة الإسلام وعودة سلطان المسلمين، أما كيفية ذلك فقد كانت مصدر اختلاف بين جميع الداعين لإقامة الدولة. ولذلك لا بد من تبيان ما يجب أن يبين للمسلمين بشكل عام ولحَمَلة الدعوة بشكل خاص، فمن يريد أن يمتـثـل لأمر الله سبحانه وتعالى ويعمل على رضاه فعليه أن يقوم بالعمل بالكيفية التي أمر الله بها عن وعي وبصيرة وإلا وقع في الإثم وكان كمن عَبَدَ الله عن جهل.
أ) حمل الدعوة الإسلامية فرض في جميع الظروف والأحوال والأشكال فردياً أو جماعياً.
ب) حمل الدعوة في كتلة فرض أوجبته الغاية من العمل، فالعمل لإقامة الدولة لاستئناف الحياة الإسلامية لا يمكن أن يتحقق بالعمل الفردي، وكما بينا وجوب إقامة الدولة صار وجوب العمل في كتلة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
ج) صفات هذه الكتلة وواجباتها. إذ أن هذه النقطة هي مثار الخلاف والجدل بين جميع الفئات الداعية إلى الإسلام، ولذلك لا بد من الوعي على صفات هذه الكتلة مع أدلة ذلك، لا للاطمئنان لما نحن عليه بل لإقناع الآخرين ليتصفوا بهذه الصفات حتى يصبح سعيهم فيه الالتزام بأمر الله، ومنظمة الوصول إلى الغاية المنشودة.
-
أن تقوم هذه الكتلة على العقيدة الإسلامية إيماناً واعتقاداً.
-
أن تلتزم أسلوب القرآن الكريم في الرد على أفكار الكفر الموجودة التي تتحكم بعلاقات المجتمع مبينة فسادها، وبشكل محدد تكون مسؤولة عن كل كلمة فيه.
-
أن تحدد غايتها والأحكام الشرعية المتعلقة بها بشكل دقيق، حتى تتضح رؤية الهدف بشكل يمنع إدخال أهداف أخرى تصرف عن تحقيق الهدف نفسه.
-
ولما كانت هذه الكتلة قائمة على بناء أمة وإقامة دولة حتى يتم استئناف الحياة الإسلامية فلا بد أن تكون هذه الكتلة مبنية على أساس الإسلام، وتعرف عوامل بناء المجتمع والأسس التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، وبمعنى آخر لا بد لهذه الكتلة من تحديد الأفكار والمشاعر الإسلامية التي تريد أن تبني الأمة عليها، وتحديد الأحكام الشرعية التي تقوم عليها الدولة. ومن المعروف أن من يريد بناء بيت صغير يقوم بوضع المخطط الهندسي له، ثم يحسب ما سيجابهه أثناء البناء وبعد البناء فيحضر كافة الأوراق الثبوتية والمستندات وتمديد الماء والكهرباء، ومن ثم الاتفاق مع مقاول إلى غير ذلك من الأعمال، حتى معرفة جيرانه وكيف سيتعامل معهم.
وإن كان هذا ما يتطلبه بناء بيت، فكيف بمن يريد أن يبني أمّة ويقيم دولة، ليست أي دولة بل دولة تكون هي الدولة الأولى في العالم وتحمل خير رسالة، وأمّة تكون أمّة وسطاً مصداقاً لقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)، فهل يعقل أن يُدعى إلى الإسلام بشكل مفتوح غير محدد، بالإضافة إلى ما يكتـنفه من غموض وإبهام، وفاقد الشيء لا يعطيه، ولا يقال إن المكتبات غنية جداً بكتب الفقه في كل مسألة وعند النصر توضع هذه الأحكام موضع التنفيذ، لا يقال ذلك لأن الأصل هو تحديد ما نريد وتبنّي ما يلزم لما نريد، وبناء رجال دولة وإعداد قادة وتهيئة أمّة لتقبل ما حُدد من أحكام وآراء وأفكار، وإلا فلو حصل النصر فسيكون الفشل في التطبيق حتمياً مهما أوتيت الكتلة من قوى مادية، ومهما التف حولها الناس، هذا بالإضافة إلى مخالفتها لسيرة الرسول صلى الله عليه وآله، وجعلت الأمة لا تدري أي إسلام تريد.
وباختصار فمِن أوجب الواجبات على الكتلة التي تعمل حقيقةً لاستـئناف الحياة الإسلامية أن تحدد غايتها، وأن توضّح طريقها، وأن تتبنى من الأحكام والآراء والأفكار ما يبين كيان الدولة وأجهزتها والنظم التي تقوم عليها كنظام الحكم والاقتصاد والاجتماع وعلاقة الأمّة بغيرها من الأمم.
د) الأعمال التي يجب على الكتلة القيام بها:
يجب على الكتلة التي تعمل على بناء أمّة وإقامة دولة تعمل لاستـئناف الحياة الإسلامية أن تقوم بالأعمال التي كان يقوم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة؛ أي قبل أن يقيم دولته، وهذه الأعمال هي:
-
بناء جسم الكتلة. وذلك بتـثقيف من آمن بفكرتها ثقافة مركزة تؤهله لأن يصبح عضواً فيها لأنها كلٌّ فكري شعوري، وتهيئُه لأن يصبح قائداً للأمّة وبانياً لها بما تركَّز عنده من أفكار وما تبلور عنده من مفاهيم. وبعبارة أخرى أن يصبح من انتمى لهذه الكتلة هو الكتلة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يثقف أصحابه بما نزل عليه من الوحي، حتى كوَّن منهم خيرة البشر بعد الأنبياء.
-
تهيئة الأمة لعملية بناء واسعة. وذلك بالتثقيف الجماعي لإيجاد رأي عام على فكرتها وأهدافها والإيمان بقيمها وبالتالي القيام بعملية صَهرية للأمة في بوتقة الحزب؛ أي تصبح الأمة بمجموعها هي الحزب، وأعضاء الحزب ليسوا سوى لسان الأمة المعبر عن أفكارها ومشاعرها وأهدافها، كما فعل صلى الله عليه وسلم حين جعل الإسلام على كل لسان، وبالتالي تم له بناء الأمة.
-
الصراع الفكري؛ أي التصدي لكافة الأفكار والمفاهيم والعلاقات المناقضة والمخالفة لما عند الكتلة من أحكام وآراء وأفكار، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يفتُّ في عزيمتهم جبروت ظالم، لا يجاملون مخالف ولا يهادنون فاسق ولا يخضعون لظالم، طريقهم في ذلك إنزال الأفكار والأحكام على وقائعها ويبينون الفساد دائماً برسم الخط المستقيم بجانب الخط الأعوج تماماً كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فباستقراء الآيات المكية نجد أنه نقض عقائد المشركين وسفّه آلهتهم وبين عقيدة الإسلام، كما أنه هاجم العلاقات الفاسدة التي كانت تتحكم في المجتمع من إمارة فاسدة ومعاملات باطلة وبيوع استغلالية ورباً فاحش وعلاقات اجتماعية سيئة، كما هاجم عقائد اليهود والنصارى وبيّن ما جرى فيها من تزوير وتحريف وتطرق حتى للكثير من الجزئيات التي لا يعرفها إلا العالمونَ بها منهم، ووصفهم بما يليق بهم من نعوت فوصفهم بالقردة والخنازير، ووصفهم بالحمار الذي يحمل الكتب والكلب الذي يلهث، إلى غير ذلك من النعوت، ولكن لا طعونا شخصية ولا استفزازات فردية بل مناقشات فكرية تقوم دائماً على وضع الخط المستقيم بجانب الخط الأعوج.
-
الكفاح السياسي: ولما كانت هذه الكتلة تقوم على عقيدة سياسية وهدفها إقامة دولة، أي هدفها سياسي، إذن فالكفاح السياسي هو حجر الزاوية في أعمالها، فالكتلة كيان سياسي يستهدف إزالة كيان دولة كافرة، أي إزالة كيان سياسي فاسد وإقامة كيان سياسي صالح، فمن البديهي أن يكون الكفاح السياسي هو الطريق الواجب الاتباع، ثم إن ضرب العلاقات وبيان فسادها يكون ضرباً للقائمين على هذه العلاقات والمنظمين لها، وهذا كذلك قمة العمل السياسي لأنه يؤدي إلى قطع الثقة بين الحاكم والمحكوم، وبالتالي إحراز ثقة المحكوم وأخذ قيادته وسقوط قيادة ذلك الحاكم الفاجر.
وبعبارة أخرى لا بد للحزب الذي يعمل لإقامة دولة أن يتصدى للحكم القائم فيكشف ما يقوم به من أعمال فاسدة وما ينظم به حياة الناس من قوانين جائرة وما يحوك هو وأعوانه من مؤامرات وخطط ضد الأمة، وإلا كان عمل ذلك الحزب عملاً تخديرياً للأمة ومخالفاً لطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فباستقراء الآيات المكية نجد أن رسول الله تصدى لرؤوس الكفر وأعوانهم، وهاجمهم هجوماً عنيفاً بلغ حد الذم المقذع، وكما تصدى لكفار مكة أمثال الوليد بن المغيرة سيد مكة وأبي جهل وأبي لهب والأخنس بن شريق وأمثالهم، تصدى للأحبار والرهبان من اليهود والنصارى.
هذه هي الأعمال الأربعة التي يجب على كل كتلة تدَّعي الدعوة إلى الإسلام أن تقوم بها حتى يغلب على الظن أنها تقوم فعلاً بالفرض الذي فرضه الله عليها، وهذا ما يجب أن يبيَّن للمؤمنين من الناس الذين لا يعملون مع أية جماعة حتى يختاروا الجماعة التي يعملون معها على هذا الأساس، وكذلك لا بد أن يبيَّن للآخرين الذين يعملون في كتل أخرى كي يعيدوا النظر في موقفهم ويتداركوا أخطاءهم، وأن تناقَش هذه المسألة معهم مناقشة تجعلهم يقتنعون بأن هذا الأمر هو ما أمر الله به وأن التقصير فيه أو القعود عنه أو عدم أخذه كاملاً هو ترك للفرض يستوجب الإثم. ومن البديهي أننا لا نستطيع إقناع أحد بهذا إلا إذا كانت عندنا الرؤية الواضحة له والقناعة التامة به وإمكانية التعبير عما نريد، مع الأدلة القطعية إنْ في دلالتها أو في ثبوتها حتى نكون بحق قد قلنا للناس قولاً بليغاً وأقمنا عليهم الحجة.
بقيت مسألة واحدة، هل تِحمل الكتلة السلاح في وجه الحاكم الكافر، استجابة للحديث (أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، إلا أن تروا كفراً بواحاً)، أو قوله: (وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)؟
الجواب: إن الأمر بمنابذة الأمير بالسيف إن رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، فأي أمير هو المقصود، أهو أمير دار الإسلام أم هو أمير دار الكفر؟، إن سياق الحديث (ستكون خلفاء فتكثر)، وهذا يعني أن المراد هنا بالأمير هو أمير دار الإسلام، نسمع له ونطيع، وإن أكل مالنا وجلد ظهرنا، وأن لا ننابذه بالسيف ما أقام الصلاة، إلا أن نرى منه كفراً بواحاً فيجب والحالة هذه مقاتلته.
أما أمير دار الكفر أي واقعنا الحالي فإن الحكام اليوم ليسوا أمراء دار الإسلام، بل ليس هناك اليوم دار إسلام، وإنما الدار الآن دار كفر وأمراؤها أمراء كفر، ووُجدنا فيها من باب جواز العيش في دار الكفر، والفرض القائم في أعناقنا ليس تقويم الأمير وإصلاحه أو محاسبته، بل الأمر هو تحويل دار الكفر إلى دار إسلام وإقامة سلطان المسلمين.
ولذلك لا بد من فهم هذا الواقع فهماً جيداً، ولا يظن ظانٌّ أن الحزب يتقاعس عن حمل السلاح في وجه الحاكم الذي يظهر الكفر. فحمل السلاح وجوباً في وجه أمير المسلمين في دار الإسلام إن ظهر منه كفر بواح، وعلى كل حزب أو كتلة أو فرد يرى من الخليفة كفراً صراحاً أن يحمل في وجهه السلاح ويؤلب الأمة عليه لتحمل عليه السلاح ويكون العمل والإعداد على هذا الأساس.
وواقعنا الحالي هو واقع رسول الله صلى الله عليه وآله في مكة، وعملنا هو عمل رسول الله في مكة، وطريقنا هي طريقة رسول الله في مكة. فلا يجوز أن نسيئ فهم الواقع، ولا أن نطبق حكماً على غير واقعه، بل يجب فهم الواقع والتفقه فيه ومن ثم تطبيق الحكم عليه.
وباختصار، فقضيتنا هي إيجاد الإسلام في واقع الحياة ورفعته ليظهر على الدين كله ولو كره الكافرون، وهذا لا يتأتى إلا بوجود دولة إسلامية، ووجود دولة إسلامية لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود حزب سياسي يعمل على بناء أمة وإقامة دولة، ولا يمكن أن يتحقق له ذلك إلا إذا كان قد حدد فكرته وأهدافه وأبصر طريقته وأدرك واقع المجتمع الذي هو فيه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قال تعالى:
(قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)