بسم الله الرحمن الرحيم

حكاية أبي قدامة مع المرأة التي ظَفرت شعرها شَكالاً للفرس في سبيل الله

الاخوة الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

قرأت هذه القصة المرفقة، فلم أملك نفسي، وأحسست أن كل ذرة من ذرات جسمي قد تأثرت واهتزت، فأحببت أن أشرككم في قراءتها، وقد صوّرتها لكم كما هي دون زيادة أو نقصان، وهي غنية عن التعليق.

فقوة الإيمان، وثبات اليقين، أوجدت حشداً من المؤمنين من أمثال هذه النماذج من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ممن صغرت الدنيا في أعينهم وجعلت الإسلام والالتزام به وتطبيقه وحمله ونشره قضيتهم، والجهاد لإعلاء كلمة الله مقصدهم، والاستشهاد في سبيله مطلباً لهم وأمنية لنفوسهم، وبهم انتصر الإسلام وعلا شأن المسلمين وعزّوا، فجزاهم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأكرمنا بما منّ الله عليهم به وقوّى إيماننا وثبّت يقيننا وصغّر الدنيا في عيوننا، وجعل الإسلام والالتزام به وإيصاله إلى واقع الحياة وحمله رسالة إلى العالم قضية كل واحد منا، وجعله شغلنا الشاغل وهمّنا المسيطر، وصَرَفنا عن أي شاغل سواه من والد أو ولد أو زوجة أو مال أو متاع أو قصور أو ضِياع أو منصب أو جاه، ومكّننا ويسّر لنا من أن نكون هداة هذه الأمّة، نعمل على تقوية إيمانها وتثبيت يقينها وتفقيهها في دين الله حتى تتخذ الإسلام قضيتها، وحتى نقودها قيادة فعلية لتعمل معنا طائعة على إيصاله إلى واقع الحياة وتطبيقه وحمله رسالة إلى العالم أجمع.

والله أسأل أن يعجّل لنا بفرجه ونصره، فانصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكـم

10 جمادى الأولى 1404هـ

11 شباط 1984م

حكاية أبي قدامة مع المرأة التي ظَفرت شعرها شَكالاً للفرس في سبيل الله مشهورة حكاها جماعة منهم: أحمد بن الجوزي الدمشقي رحمه الله في كتابه المسمى "سوق العروس وأُنس النفوس":

فَحَكى أنه: كان بمدينة رسول الله ، رجل يقال له أبو قدامة الشامي وكان قد حَبَّب الله إليه الجهاد في سبيل الله والغزو إلى بلاد الروم، فجلس يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع أصحابه، فقالوا له: يا أبا قدامة حدثنا بأعجب ما رأيت في الجهاد. قال: نعم. إني دخلتُ في بعض السنين "الرقة" أطلبُ جملاً أشتريه ليحمل السلاح، فبينما أنا يوماً جالساً إذ دَخَلت عليّ امرأة فقالت: يا أبا قدامة سمعتُك وأنت تحدّث عن الجهاد وتحثّ عليه وقد رُزقت من الشَعر ما لم يُرزَقه غيري من النساء، وقد قصصته وأصلحت منه شَكالاً للفرس وعَفَرتُه بالتراب كي لا يَنظر إليه أحد، وقد أحببتُ أن تأخذه معك، فإذا صرتَ في بلاد الكفار، وجالت الأبطال، ورُمِيَت النبال، وجُرِّدَت السيوف، وشُرِّعَت الأسِنّة، فإن احتجتَ إليه وإلا فادفعه إلى من يحتاج إليه ليَحضرَ شعري ويُصيبه الغبار في سبيل الله، فأنا امرأة أرملة كان لي زوج وعَصَبة كلهم قُتلوا في سبيل الله، ولو كان عليَّ جهاد لجاهدت. قال: وناولتني الشَكال وقالت: اعلم يا أبا قدامة أن زوجي لما قُتل خَلَفَ لي غلاماً من أحسن الشباب، وقد تعلّم القرآن والفروسية والرمي على القوس، وهو قوّام بالليل، صوّام بالنهار، وله من العمر خمس عشرة سنة، وهو غائب في ضيعة خلّفها له أبوه، فلعلّه يَقدُم قبل مسيرك فأوجهه معك هدية إلى الله عزّ وجلّ، وأنا أسألك بحُرمة الإسلام لا تَحرِمني ما طلبتُ من الثواب. قال: فأخذت الشَكال منها فإذا هو مظفور من شعرها. فقالت: أَلْقِهِ في بعض رَحلِك وأنا أنظر إليه ليطمئن قلبي. قال: فطرحته في رَحلي وخرجتُ من "الرقة" ومعي صِحابي. فلما صِرنا عند حصن مسلمة بن عبدالملك إذا بفارس يهتف من ورائي: يا أبا قدامة قف عليّ قليلاً يرحمك الله. فوقفتُ وقلتُ لأصحابي تقدموا أنتم حتى أنظرَ من هذا. وإذا أنا بفارس قد دنا مني وعانقني وقال: الحمد لله الذي لم يَحرمني صُحبَتَك ولم يَردّني خائباً. قلت للصبي: اسفِر لي عن وجهك، فإن كان يَلزم مثلك غزو أمَرتُك بالمسير وإن لم يَلزَمك غزو رَددتُك. فأسفرَ عن وجهه فإذا غلام كأنه القمر ليلة البدر وعليه آثار النعمة. قلت للصبي: لك والد؟ قال: لا، بل أنا خارج معك أطلب ثأر والدي لأنه استشهد، فلعل الله أن يرزقني الشهادة كما رزق أبي. قلت للصبي: لك والدة؟ قال: نعم. قلت: اذهب إليها فاستأذنها فإن أذِنَت وإلاّ فأَقِم عندها فإنٍّ طاعتك لها أفضل من الجهاد لأن الجنة تحت ظلال السيوف وتحت أقدام الأمهات. فقال: يا أبا قدامة، ما تَعرفُني؟ قلت: لا. قال: أنا ابن صاحبة الوديعة، ما أسرَعَ ما نسيتَ وصية أمي صاحبة الشَكال، وأنا إن شـاء الله الشهيد ابن الشهيد، سألتُك بالله لا تحرمني الغزو معك في سبيل الله، فإني حافظٌ لكتاب الله، عارفٌ بسنّة رسول الله، عارفٌ بالفروسية والرمي، وما خَلَفتُ ورائي أفرس مني، فلا تَحقرنّي لصغر سني، وإنّ إمي قد أقسَمَت عليّ أن لا أرجعَ، وقالت: يا بنيّ، إذا لقيت الكفار فلا تولّيهم الدُبُر، وهَبْ نفسك لله، واطلب مجاورة الله تعالى ومجاورة أبيك مع اخوانك الصالحين في الجنة، فإذا رزقك الله الشهادة فاشفع فيّ، فإنه قد بلغني أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله وسبعين من جيرانه، ثم ضَمّتني إلى صدرها ورفعت رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي، هذا ولدي وريحانة قلبي وثمرة فؤادي سلّمته إليك فقرّبه من أبيه. قال: فلما سمعت كلام الغلام، بكيتُ بكاءً شديداً أسفاً على حسنه وجمال شبابه، ورحمة لقلب والدته، وتعجُّباً من صبرها عنه. فقال: يا عم، ممَّ بكاؤك؟ إن كنتَ تبكي لصِغَر سني فإن الله يعذّب أصغر مني إذا عصاه. قلت: لم أبكِ لصغر سنك ولكن أبكي لقلب والدتك كيف تكون بعدك.

قال: فسِرْنا ونَزَلنا تلك الليلة، فلمّا كان الغداة رَحلنا والغلام لا يَفترعن ذِكرَ الله تعالى، فتأمّلتُه فإذا هو أفرَسُ منا إذا رَكِب، وخادمُنا إذا نزلنا منزلاً، وصار كلما سِرنا يَقوى عزمُه ويزداد نشاطه ويصفو قلبه وتَظهر علامات الفرح عليه. قال: فلم نَزَلْ سائرين حتى أشرفنا على ديار المشركين عند غروب الشمس، فنزلنا، فجلس الغلام يطبخ لنا طعاماً لإفطارنا وكنا صياماً فغلبه النعاس، فنام نومة طويلة، فبينما هو نائم إذ تبسم في نومه. فقلت لأصحابي: ألاَ ترون إلى ضحك هذا الغلام في نومه! فلما استيقظ، قلت: حبيبي رأيتك الساعة ضاحكاً مبتسماً في منامك. قال: رأيت رؤيا فأعجبتني وأضحكتني. قلت: ما هي؟ قال: رأيت كأنّي في روضـة خضراء أنيقة، فبينما أنا أجول فيها إذ رأيت قصراً من فضة، شُرَفُه من الدُّر والجواهر، وأبوابه من الذهب، وستورُه مَرخيّة، وإذا حَوارى يرفعن الستور، وجوههن كالأقمار، فلما رأينني قلنَ لي: مرحباً بك. فأردتُ أن أمدّ يديّ إلى إحداهن، فقالت: لا تَعجَل، ما آن لك. ثم سمعتُ بعضهن يقول لبعض: هذا زوج المرضية. فقلن لي: تقدّم يرحمك الله. فتقدّمتُ أمامي فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر، عليها سرير من الزبرجد الأخضر، قوائمه من الفضة البيضاء، عليه جارية وجهها كأنه الشمس، لولا أن الله ثَبَّتَ عليَّ بصري، لذهب وذهب عقلي من حُسنِ الغرفة وبهاء الجارية. قال: فلما رأتني الجارية قالت: مرحباً وأهلاً وسهلاً يا ولي الله وحبيبه، أنت لي وأنا لك. فأردتُ أن أضمها إلى صدري، فقالت: مهلاً لا تعجل، فإنك بعيد من الخنا وإن الميعاد بيني وبينك غداً بعد صلاة الظهر، فأَبشِر.

قال أبو قدامة: قلت له: حبيبي رأيت خيراً، وخيراً يكون. ثم بِتْنا متعجبين من منام الغلام. فلما أصبحنا تبادرنا فركبنا خيولنا، فإذا المنادي ينادي: يا خيل الله اركبي، وبالجنة أبشِري، انفِروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا. فما كان إلاّ ساعة، وإذا جيش الكفر – خذله الله – قد أقبل كالجراد المنتشر، فكان أول من حَمَلَ منا فيهم الغلام، فبدّد شملهم، وفرّق جمعهم، وغاص في وسطهم، فقَتَل منهم رجالاً وجَندَل منهم أبطالاً. فلما رأيته كذلك، لحِقتُه فأخذت بعنان فرسه وقلت: يا حبيبي ارجع فأنت صبي ولا تعرف خدع الحرب. فقال: يا عم، ألم تسمع قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تُولّوهمُ الأدبار}؟ أتريد أن أدخل النار؟ فبينما هو يكلمني إذ حمل علينا المشركون حملة رجل واحد حالوا بيني وبين الغلام ومنعوني منه، واشتغل كل واحد بنفسه، وقُتِل خلقٌ كثير من المسلمين. فلما افترق الجمعان إذا القتلى لا يُحصَوْنَ عدداً، فجعلتُ أجول بفرسي بين القتلى ودماؤهم تسيل على الأرض ووجوههم لا تُعرف من كثرة الغبار والدماء، فبينما أنا أجول بين القتلى وإذا أنا بالغلام بين سنابك الخيل، قد عَلاهُ التراب وهو يتقلب في دمه، ويقول: يا معشر المسلمين، بالله ابعثوا لي عمي أبا قدامة. فأقبلتُ عليه عندما سمعت صياحه، فلم أعرف وجهه لكثرة الدماء والغبار ودَوْس الدواب. فقلت: أنا أبو قدامة. قال: يا عم، صَدَقَت الرؤيا وربُّ الكعبة، أنا ابن صاحبة الشَكال. فعندها رميت بنفسي عليه فقبّلتُ بين عينيه ومسحتُ التراب والدم عن محاسنه، وقلت: يا حبيبي لا تنسَ عمك أبا قدامة في شفاعتك يوم القيامة. فقال: مثلك لا يُنسى، لا تمسح وجهي بثوبك، ثوبي أحلُّ به من ثوبك، دعه يا عم حتى ألقى الله تعالى به. يا عم، هذه الحوراء التي وصفتها لك قائمة على رأسي تنتظر خروج روحي وتقول لي: عجّل فأنا مشتاقة إليك. بالله يا عم إنْ رَدّك الله سالماً فَتَحمل ثيابي هذه المضمخة بالدم لوالدتي المسكينة الثكلاء الحزينة وتسلمها إليها لتَعلمَ أني لم أضيّع وصيتها ولم أجبُن عند لقاء المشركين، واقرأ مني السلام عليها، وقل لها: إن الله قد قبل الهدية التي أهديتها. ولي يا عم أخت صغيرة لها من العمر عشر سنين، كنت كلما دخلتُ استقبلتني تسلّمُ عليّ، وإذا خرجت تكون آخر من تودّعني عند مخرجي هذا وقالت لي: بالله يا أخي لا تبطِئ عنا. فإذا لقيتَها فاقرأ عليها مني السلام، وقل لها: يقول لك أخوك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة. ثم تبسّم وقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له صدق وعده وأشهد أن محمداً رسوله، هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله. ثم خرجت روحه فكفّنّاه في ثيابه وواريناه رضي الله عنه وعنا به.

قال أبو قدامة: فلما رجعنا من غزوتنا تلك ودخلنا "الرقة" لم تكن لي هِمّة إلاّ دار أم الغلام، فإذا جارية تشبه الغلام في حسنه وجماله وهي قائمة بالباب، وكل من مرّ بها تقول: يا عم من أين جئت؟ فيقول: من الغزو. فتقول: أمَا رَجع معكم أخي؟ فيقولون: لا نعرفه. فلما سمعتُها، تقدّمتُ إليها. فقالت لي: يا عم من أين جئت؟ قلت: من الغزو؟ قالت: أمَا رجع معكم أخي؟ ثم بكت وقالت: ما أُبالي.. يَرجعون وأخي لم يرجع. فغَلَبَتني العَبْرة، ثم قلت لها: يا جارية قولي لصاحبة الشَكال أن أبا قدامة على الباب. فسمعَت المرأة كلامي، فخرجت وتغيّر لونها. فسلّمتُ عليها، فردّت السلام، وقالت: أمبشّراً.. أم معزّياً؟ قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رَجَعَ سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشِّر. فقلت: أبشِري، فقد قَبل هديتك. فبكت، وقالت: تقبّلها؟ قلت: نعم. فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة. قلت: فما فَعَلت الجارية أخت الغلام؟ قالت: هي التي تكلّمك الساعة. فتقدَّمَت إليَّ، فقلتُ لها: إن أخاك يسلّم عليك ويقول لك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة. فصرخَت صرخة ووقَعَت على وجهها مغشياً عليها. فحرّكتُها بعد ساعة، فإذا هي ميتة. فتعجّبتُ من ذلك، ثم سلّمتُ ثياب الغلام التي كانت معي لأمه وودّعتُها وانصرفتُ حزيناً على الغلام والجارية ومتعجباً من صبر أمهما.

قال المؤلف: وقد ذكر الحافظ العلامة أبو المظفر بن الجوزي أنه حين بلغته هذه الحكاية جمع عنده من شعور التائبين ما ظفره، فكان منه ثلاثمائة شكال، وتقدم ذلك في الباب الرابع، والله الموفق للصواب.