بسم الله الرحمن الرحيم

حديث رمضان

مقتضيات الإيمان لحامل الدعوة

إن الإيمان بالله يوجب صحة التوكل عليه، واستمداد العون منه، لأنه وحده الذي يعلم السر وأخفى، وهو الذي يوفق حَمَلة الدعوة ويهديهم سبيل الرشاد، وطريق الهدى. ولذلك كان لا بد من قوة الإيمان، ولا بد من كمال التوكل على الله، ودوام استمداد العون منه تعالى.

والإيمان يحتم على المؤمن الإيمان بالمبدأ، أي بالإسلام، لأنه من عند الله تعالى، ويحتم أن يكون هذا الإيمان إيماناً راسخاً ثابتاً لا ارتياب فيه، ولا يحتمل أن يتطرق إليه ارتياب، لأن كل خطرة ريب في المبدأ تجر إلى الإخفاق، بل ربما جرت إلى الكفر والتمرد والعياذ بالله. وهذا الإيمان القوي الذي لا ريب فيه أمر حتمي لحملة الدعوة، قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين)، لأنه هو الذي يضمن دوام سير الدعوة بخطى سريعة واسعة في طريقها المستقيم.

وهذا الإيمان يوجب أن تكون الدعوة سافرة متحدية كل شيء، متحدية العادات والتقاليد والأفكار السقيمة والمفاهيم المغلوطة، متحدية حتى الرأي العام إذا كان خاطئاً، ولو تصدت لكفاحه، متحدية العقائد والأديان، ولو تعرضت لتعصب أهلها. ولذلك تتميز الدعوة المبنية على العقيدة الإسلامية بالصراحة والجرأة والقوة والفكر، وتحدي كل ما يخالف الفكرة والطريقة، ومجابهته لبيان زيفه بغض النظر عن النتائج وعن الأوضاع، وافق جمهور الشعب أم خالفه، قَبِلوا به أم رفضوه وقاوموه، ولذلك لا يتملق حامل الدعوة الشعب ولا يداهنه ولا يداري من بيدهم ثقل المجتمع من الحكام وغيرهم، ولا يجاملهم بل يتمسك بالمبدأ وحده دون أن يدخل في الحساب شيئاً سوى المبدأ.

وهذا الإيمان يوجِب أيضاً أن تُجعل السيادة للمبدأ وحده أي للإسلام دون سواه، وأن يُعتبر غيره من المبادئ كفراً مهما تنوعت واختلفت تلك المبادئ (إن الدين عند الله الإسلام) وكل من لا يؤمن بالإسلام كافر في نظر الإسلام. ولذلك لا يجوز مطلقاً لحاملي الدعوة أن يقولوا لمن يحملون غير الإسلام سواءً كان ديناً أم مبدأ "تمسّكوا بدينكم أو مبدئكم" بل يجب أن يدعوهم للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ليعتنقوه، لأن الدعوة تحتم على حَمَلَتها أن يعملوا لأن تكون السيادة للإسلام وحده. وهذا يعني أن لا نُكره الناس على اعتناق الإسلام، وأن نتركهم وما يعبدون وما يعتقدون، على أن تبقى فردية لا جماعية، وأن لا يكون لها كيان داخل كيان الإسلام، ولذلك يُمنع وجود أحزاب وتكتلات سياسية غير إسلامية، ويُسمح بالتكتلات والأحزاب الإسلامية داخل حدود الإسلام. وهذا إفراد للمبدأ في المجتمع، وسيادة المبدأ لحامل الدعوة توجِب أن يكون ولاؤه لمبدئه لا لنفسه ومصلحته وأهوائه أو وطنه وقومه.

فالسيادة للشرع في سلوك الداعي وتفكيره وأقواله وتصرفاته، والله ولي التوفيق

الأربعاء 7 رمضان 1388هـ

27/11/1968م