بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة القاضي
إن هذه القضية التي أحاكَم فيها أمامك قضية سياسية وليست قضية تتعلق بالجرائم، وهي قضية تتعلق بمصير هذا البلد لا قضية نقد سياسي أو كشف مخطط عادي، لذلك فإنه فوق ما لي من حق الدفاع عن نفسي فإنه فرض عليّ أن أبين للمحكمة واقع هذه القضية المصيرية وما ترتب عليها من كوارث وفواجع وما سيترتب عليها من مصائب ومحن فوق ما نشاهده وما ستشاهده من تدمير البلاد وإهلاك العباد، لهذا فإني أطلب أن يُسمح لي بالمرافعة عن نفسي وألحّ بهذا الطلب واعداً المحكمة أن أوجز كل الإيجاز ومحذراً إياها بأنها إذا لم تسمح لي بالمرافعة والدفاع عن نفسي فسأستنكف عن الإجابة عن أي سؤال وعن التكلم مع المحكمة بأية كلمة وسأدير لها ظهري وأجلس متطلعاً إلى الحضور لا للمحكمة ولتفعل ما تشاء ولتحكم بما أوحى به إليها الحكام.
أيها القاضي- إن التهمة التي قُدّمتُ إلى المحكمة بموجبها هي الانتماء إلى حزب التحرير وتوزيع نشرات وتحضير نشرات. أما تهمة الانتماء إلى حزب التحرير فلا أرد عليها لأن الأكثرية الساحقة في هذا البلد إما أعضاء في حزب التحرير وإما سائرون بكل جوارحهم وقلوبهم مع حزب التحرير، ولا توجَد دائرة من دوائر الحكومة في هذا البلد ولا وزارة من الوزارات حتى قصر الملك ورئاسة الوزراء إلا وهي إجمالاً مع حزب التحرير أو من حزب التحرير، لذلك لا أجيب عن هذه التهمة لأنها ليست تهمة وإنما هي شرف كرّمني الله به ونعمة حباني بها تعتبر بحق أعظم نعمة في الوجود بعد نعمة الإسلام.
أما المنشور المتهم بتوزيعه فإن المنشور، أي منشور، لا يحاكَم أحد على توزيعه بوصفه منشوراً وإنما يحاكَم الموزع على المادة التي يحويها المنشور، لذلك فإن التهمة ليست توزيع المنشور بل توزيع المادة التي حواها المنشور، فدفاعي إنما هو عن مادة المنشور الموزع، وكلامي إنما هو في مادة المنشور. ومادة هذا المنشور -والمفروض أن يكون الآن موجوداً في القضية- تكشف ما فعله الملك حسين من التآمر مع إسرائيل على تسليمه الضفة الغربية وبيان كيف قام بمسرحية تسليمها. وتسليم الملك حسين للضفة الغربية أمر يعرفه أهل الأردن قاطبة ويعرفه السياسيون بشكل عام ويعرفه جميع حكام الدول العربية ويعرفه أكثر الناس في سائر الدول العربية، فهو أمر مشهور شهرة اسخريوط اليهودي وشهرة أبي رغال، فليحاكَم جميع الذين يعرفون ذلك وجميع الذين ينشرونه.
نعم إن هذا الأمر المشهور، واقعه الحقيقي أنه خيانة، ونحن في المنشور اتهمنا الملك حسيناً بتسليم الضفة الغربية، أي اتهمناه بالخيانة، فربما يقال إنكم تحاكَمون على قذف الملك حسين بالخيانة وإنكم لا بد أن تقدَّموا للمحاكمة، إذا كان هذا هو ما قُدّمتُ فيه إلى المحكمة فإن جوابي عليه هو أن هذا قدح وليس بذم، والقدح هو الاتهام بتهمة معينة وهذه يجوز إثباتها، وإذا أُثبتت فإنه يسقط جرم القدح لأنه يكون حينئذ صحيحاً فلا يعاقَب فيه القادح، وأنا أعترف بأننا اتهمنا الملك حسيناً بتسليم الضفة الغربية، أي اتهمناه بالخيانة، ومستعد أن أثبت هذه الخيانة وعندي شهود التواتر على ذلك، فأطلب تكليفي بإثبات هذه الخيانة بشهود التواتر.
على أن الملك حسيناً الذي تدافعون عنه وتقدمونا للمحاكمة لأننا وصمناه بالخيانة، هو نفسه لا يبالي بالخيانات، ويرتكبها كل يوم، فها هو ذا بالأمس ومنذ أسبوع تقريباً قدّم للجامعة العربية مذكرة لتعميمها على الدول العربية يقول فيها بأن هنالك احتمالاً لسقوط الضفة الشرقية من الأردن، وأنه لا يستطيع تحمل مسؤولية الضفة الغربية والشرقية معاً، ولهذا يطلب منهم الموافقة له على عقد الصلح مع اليهود لإرجاع الضفة الغربية. هذا الكلام قدّمه الملك حسين صراحة للجامعة العربية ولجميع الدول العربية، وهذا الكلام يعني أن الملك حسيناً يهدد الدول العربية بأنه إذا لم يوافقوا له على الصلح المنفرد مع إسرائيل فإنه سيسلم الضفة الشرقية كما سلم الضفة الغربية، فهل من يكتب هذا صراحة يبالي بالخيانات؟
فهذه خيانة جديدة لا تزال في دور محاولة الارتكاب، فهل بعد هذا يجوز أن يقدَّم أحد للمحاكمة بتهمة أنه يوصِم الملك حسيناً بالخيانة، لهذا كله فإني أطلب تكليفي بإثبات خيانة الملك حسين بشهود التواتر حتى يقنع جناب القاضي بصحة ما قدحتُ به الملك حسيناً من تهمة الخيانة وبالتالي يَرُد الدعوى.