بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين على القوم الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المجاهدين ومحطِّم الشرك والكفر والمشركين وقاهر الظالمين، وعلى آله ومن سار على هديه والتزم طريقته وحَمَل رايته وعمل على إعادة خلافته وتطبيق شريعته، وعلى من تبعهم وسار معهم بإحسان إلى يوم الدين.

حضرات القضاة المحترمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى الحاضرين:

كان الواجب يا حضرات القضاة أن نُدعى لدار الحكم لنسلَّم الحكم ونعلن الخلافة وننصّب الخليفة، نبايعه على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، لنتخلص من حكم الكفر ومن أنظمة الكفر ومن تسلط عملاء الكفار -حكام المسلمين- على رقاب الناس حتى نرُد كيد الكفر في نحره ونعيد للإسلام عزه، وللمسلمين مجدهم وعزهم، استجابة لأمر الله سبحانه الذي أوجب على المسلمين نصب خليفة عليهم يبايعونه على السمع والطاعة على كتاب الله وسنة رسوله، ليحكم فيهم بما أنزل الله، وليزيل كل أثر للكفر وأنظمة الكفر وتسلط الكفار من بلاد المسلمين، وليحمل الإسلام مع المسلمين بطريق الجهاد رسالة إلى العالم.

هذا هو الذي يجب أن نُدعى إليه يا حضرات القضاة، لا أن نُستدعى إلى محكمتكم كمتهمين، لنحاكَم ويحاكَم الإسلام معنا ويوضع موضع التهمة -وهو الدين الذي ارتضاه الله للمسلمين ديناً وأكرمهم به وجعلهم من أجله خير أمة أُخرِجت للناس وخصَّهم بحمل رسالته نوراً وهدى للعالمين-، وعلى أي شيء نحاكَم؟ أعَلى استجابتنا لأمر الله وامتثالنا لأمره، وبيعنا أنفسنا لله، وحملنا للإسلام حملاً سياسياً بالطريق الذي حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنعيده إلى واقع الحياة، متحكماً في جميع شؤون المسلمين، يطبقه عليهم خليفة من المسلمين، ينصبه المسلمون، ويبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله، ليجمع كلمة المسلمين تحت راية الخلافة، ويخلصهم من هذا التمزق، وليوحد كياناتهم في دولة الخلافة، ليصبحوا قوة دولية مؤثرة في الموقف الدولي وفي مصائر الأمم، وليخلص المسلمين من أفكار الكفر وأنظمة الكفر، ومن تسلط الكفار على بلاد المسلمين وسيطرتهم عليها واستئثارهم بثرواتها وخيراتها، وليرد هذه الثروات والخيرات إلى أصحابها المسلمين الذين حَرَمهم الكفار وعملاؤهم من حكام المسلمين منها، وليحول بين الكفار وبين اتخاذهم بلاد المسلمين قلاعاً وقواعد عسكرية لجيوشهم، ومراكز استراتيجية لدولهم، وحتى يخلّص المسلمين والبلاد الإسلامية من إسرائيل التي زرعتها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من دول الكفر خنجراً في صدر المسلمين بمؤازرة وتآمر حكام المسلمين في البلاد العربية والإسلامية؟

هذه هي حقيقة التهمة التي استُدعينا لأجلها لمحكمتكم الموقرة، ولو أننا استُدعينا بهذه التهمة لنحاكَم عليها في بلد من بلاد الكفار ومن قِبَل حكامها وقضاتها الكفار لَهان الأمر، وكان الوضع طبيعياً، ولا غرابة فيه، ويمكن أن يوجد له ما يبرره. فالكفر يخاف على نفسه أن يتلاشى من نور الإسلام، والكفار يخافون على أنفسهم وكيانهم من المسلمين، وقد اتخذ الكفر والكفار موقف العداء والمقاومة للإسلام منذ اللحظة التي انبثق فيها نور الإسلام عندما أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، واستمر العداء والمقاومة، وسيستمران ما دام على الأرض إسلام وكفر.

أما أن نُستدعى إلى المحاكمة نحن والإسلام بهذه التهمة في مصر، كنانة الله في أرضه، البلد الإسلامي، مقر الأزهر ومعقل الإسلام، والذي غالبية أهله العظمى من المسلمين، والذي ردّ أعظم غزوتين كافرتين ضد الإسلام والمسلمين، الغزوة التترية، والغزوة الصليبية، وأن نُستدعى من مسلمين، وأمام قضاة من أبناء المسلمين، فأمر يُستهجن، وهو إثم عظيم وبلاء كبير, خاصة وأن في مصر تكتلات وأحزاب سياسية تحمل الأفكار والنظم الرأسمالية الكافرة والأفكار والنظم الاشتراكية الكافرة، تحملها سياسياً وتدعو المسلمين إليها، وتعمل للوصول إلى الحكم لتطبيقها على المسلمين بإذن من حكام مصر. وهذا يا حضرات القضاة قلب للأوضاع، يسمح للكفر ولأفكار الكفر ولأنظمة الكفر أن تُحمل سياسياً من أبناء المسلمين، وأن يُدعى لها بين المسلمين، ويُمنع أبناء المسلمين من أن يحملوا الإسلام سياسياً وأن يعملوا على أساسه لإيصاله إلى الحكم وإقامة دولة إسلامية على أساسه وتطبيقه فيها بعد أن فُقد تطبيق الإسلام في الحكم من واقع الحياة منذ أن قضت الدول الكافرة على دولة الخلافة على يد عميلهم كمال أتاتورك في إستانبول. فمتى كان الإسلام متهماً يا حضرات القضاة؟ ومتى كان حمل الإسلام جريمة؟ ومتى كان العمل لإعادة الخليفة ونصب خليفة، والعمل لإعادة الإسلام إلى الحكم جريمة؟ إن هذا لأمر مُستهجن أن يكون بين المسلمين. وما وُجد هذا الأمر بين المسلمين إلا بعد الغزوة الفكرية والتبشيرية الشرسة من قِبل الدول الكافرة لبلاد المسلمين، ونجاحهم فيها، ومن ثم نجاحهم في القضاء على دولة الخلافة، وإلا فإن المسلمين كانوا يعتبرون أن الإسلام هو قضيتهم المصيرية، وكانوا يبذلون أرواحهم رخيصة في سبيل تطبيقه وحفظه وحمله وتبليغه، ويتسابقون على الاستشهاد في سبيل ذلك.

يا حضرات القضاة

إن أعظم نصر استطاع أن يحققه الكفر والكفار والدول الكافرة في بلاد المسلمين بعد قضائهم على الخلافة والحكم بالإسلام هو نجاحهم في جعل حكام المسلمين أشد عداء للإسلام من الكفار أنفسهم، وأكثر محاربة له، لدرجة أنهم أوقفوا أنفسهم للحيلولة دون عودة الخلافة ودون عودة الإسلام إلى الحكم، ودون توحيد المسلمين في دولة واحدة، ودون استرجاع المسلمين لمكانتهم كقوة دولية عظمى كما كانوا، تؤثر في الموقف الدولي وفي مصائر الأمم والشعوب. كما أوقفوا أنفسهم لاضطهاد ومحاربة كل مسلم يعمل على حمل الإسلام سياسياً، وملاحقته والتنكيل به حتى لا تقوم للإسلام قائمة.

يا حضرات القضاة

إن الله سبحانه لم ينزل القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون الإسلام ديناً كهنوتياً مقتصراً على العبادات والتخلق بالأخلاق الفاضلة، وإنما أنزله نظاماً عالمياً للبشرية كافة، ينظم كل شأن من شؤون الحياة، من عبادات وأخلاق وحكم واقتصاد واجتماع وتعليم وسياسة خارجية وداخلية ومعاملات وعقوبات وغير ذلك من شؤون الحياة، وفرض على المسلمين تطبيقه في دولة وحمله بالدعوة والجهاد رسالة إلى العالم. وقد طبقه المسلمون تطبيقاً فعلياً وكلياً من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أيام الخلفاء الراشدين من بعده، وحملوه رسالة إلى العالم بالدعوة والجهاد، واستمر تطبيقه وحمله بعد عصر الخلفاء الراشدين من الأمويين والعباسيين والعثمانيين، إلى أن تمكنت -بعد الحرب العالمية الأولى- رأس الكفر بريطانيا ومعها حليفاتها بالقضاء على دولة الخلافة على يد عميلها كمال أتاتورك.

ومنذ ذلك التاريخ أزيلت الدولة الإسلامية من الدنيا بعد أن استمرت ثلاثة عشر قرناً، وغاض الحكم بالإسلام من الوجود، وأصبح نظام الكفر هو الذي يطبَّق على المسلمين في جميع الأرض، وبذلك تحولت جميع البلاد البلاد الإسلامية من دار إسلام إلى دار كفر بالرغم من بقاء أهلها مسلمين، لأن دار المسلمين هي الدار التي تطبَّق فيها أحكام الإسلام، ويكون أمان أهلها بأمان الإسلام، ودار الكفر هي التي تطبَّق فيها أحكام الكفر، ويكون أمان أهلها بأمان الكفر ولو كان أهلها من المسلمين، فالعبرة في وصف الدار بالنظام المطبق وبشكل الأمان المعطى لا بدين الناس الذين يعيشون في الدار.

ثم مُزّق شمل المسلمين إلى كيانات هزيلة، وانتهى المسلمون كدولة إسلامية وكدولة عظمى وكقوة دولية تؤثر في الموقف الدولي وفي مصائر الأمم والشعوب، وأصبحوا خاضعين لسيطرة الكفار ونفوذهم مباشرة في أول الأمر، ثم خضعوا لنفوذ الكفار عن طريق عملائهم من حكام المسلمين، وما زالوا لهذه الساعة خاضعين لنفوذهم عن طريق هؤلاء الحكام العملاء الذين كان لهم ضلع في إقامة إسرائيل وتقويتها وتركيزها وذبحها للمسلمين، واحتلالها لبلادهم وتدميرها مدنهم وقراهم بتؤامر مع أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا الدول الكافرة عدوة الإسلام والمسلمين.

ومنذ ذلك التاريخ الذي قضي فيه على دولة الخلافة وعلى الحكم بالإسلام أصبح المسلمون جميعاً آثمين عند الله، إلا من عَمِل منهم على إعادة الخلافة، وعلى إعادة حكم الإسلام إلى الأرض، لأن الله سبحانه أوجب على كل مسلم أن يكون في عنقه بيعة لخليفة، وحرم على المسلمين أن يبيتوا أكثر من ليلتين دون نصب خليفة ومبايعته، فإقامة خليفة فرض على المسلمين كافة في جميع أقطار الأرض، والقيام به واجب قطعي، كالقيام بأي فرض من الفروض التي فرضها الله على المسلمين، وهو أمر محتم، لا تخيير فيه، ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي، يعذِّب الله عليها أشد العذاب. عن نافع قال: قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليُطِعْهُ إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر). وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن المدة التي يُمهل فيها المسلمون لإقامة خليفة هي ثلاثة أيام بليلتين، فلا يحل لمسلم أن يبيت أكثر من ليلتين وليس في عنقه بيعة، وقد أخّروا دفن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته ليلتين حتى تم اختيار أبي بكر خليفة، ومبايعته، مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض، ويحرم على من يجب عليهم الاشتغال في تجهيزه ودفنه الاشتغال في أي شيء غيره حتى يتم دفنه، فكان ذلك إجماعاً منهم على تقديم الاشتغال بنصب الخليفة على دفن الميت، وأيضاً فإن عمر بن الخطاب لما طُعن عَهِد إلى أهل الشورى، عند ظهور تحقق وفاته من الطعنة، وحدد لهم ثلاثة أيام ثم أوصى أنه إذا لم يُتفَق على الخليفة في ثلاثة أيام فليُقتَل المخالف بعد الأيام الثلاثة، وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة فكان إجماعاً.

ووجوب إقامة الخليفة إنما فُرض لأن الله أوجب على المسلمين أن يحكموا بما أنزل الله، وأن يطبقوا أحكام الإسلام في جميع شؤون حياتهم، ولا يتأتى الحكم بما أنزل الله وتطبيق أحكام الإسلام إلا بإقامة خليفة يبايَع على كتاب الله وسنّة رسوله، وقد ثبت وجوب الحكم بما أنزل الله وتطبيق أحكام الإسلام في جميع شؤون الحياة بالدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وبمباشرة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده التطبيق العملي للحكم بما أنزل الله، قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم عما جاءك من الحق) وقال: (وأنِ احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) وخطاب الرسول خطابٌ لأمته، فيكون الحكم بما أنزل الله واجباً على خلفاء المسلمين كما هو واجب على الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شَجَر بينهم) كما قال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، فهذه الآيات قطعية الثبوت قطعية الدلالة في وجوب الحكم بالإسلام، وفي أن عدم الحكم بالإسلام كفر، فهذه قضية معلومة من الدين بالضرورة، ولا حاجة لإقامة الدليل عليها.

يا حضرات القضاة

إن بلدنا مصر -أرض الكنانة- البلد الإسلامي الطيب، والذي غالبية أهله العظمى من المسلمين، والذين هو جزء من البلاد الإسلامية، قد أصابه من البلاء ما أصاب غيره من بقية البلاد الإسلامية. فقد تحول إلى دار كفر -بالرغم من بقاء أهله مسلمين- بعد أن أقصي فيه الإسلام عن الحكم، ووضعت بدلاً منه الأنظمة الغربية والتشريعات الغربية والقوانين الغربية، التي هي أنظمة وتشريعات وقوانين كفر، ومنذ أن قضي على دولة الخلافة من الدنيا، أصبح الحكم فيه ملكياً ثم جمهورياً، وهي أنظمة كفر وليست أنظمة إسلام، لأن شكل الحكم مع الإسلام هو الخلافة، وكان حكام مصر عملاء للإنجليز أيام الملكية ولأمريكا أيام الجمهورية، وقد تآمروا مع بريطانيا ثم مع أمريكا على الأمّة ومصالحها، وكان لهم ضلع في إقامة إسرائيل والتمكين لها، وقد حملوا لواء العداء للإسلام السياسي بالرغم من وجود الأزهر في مصر، وتصدوا لكل من يحمله سياسياً، ولكل من يتكتل على أساسه تكتيلاً سياسياً، ولكل من يعمل لإعادة الخلافة، ولإعادة الحكم بما أنزل الله. وإن وجودنا أمام محكمتكم، والتصدي وملاحقة ومحاكمة جميع الجماعات والتكتلات الإسلامية التي تحمل الإسلام حملاً سياسياً لهو خير دليل على ذلك.

وبما أن هذا منكر يجب على المسلمين التغيير عليه، وبما أنه يجب على جميع المسلمين -في مصر، كما يجب على جميع المسلمين في العالم- الالتزام بأحكام الإسلام كافة، والعمل لإعادة الخلافة وتنصيب خليفة وإعادة الحكم بما أنزل الله، كان لا بد أن يقوم في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي، عمل لإعادة الخلافة وإعادة الحكم بما أنزل الله. والقيام بهذا الفرض الذي أوجبه الله على المسلمين لا يمكن أن يثمر، ولا يتأتى إلا بالعمل السياسي في كتلة حزبية، إذ لا يتم العمل بدون ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لذلك كان العمل السياسي في كتلة حزبية تقوم على أساس الإسلام، وتتبنى الإسلام فكرة وطريقة، واجباً يفرضه الإسلام. ومن هذه القاعدة لقوله سبحانه: (ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) ولقوله عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لتأمُرُنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعُنَّه فلا يستجاب لكم) ولقوله: (من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) فهذه النصوص تأمر بإقامة أمّة، أي جماعة، تدعو إلى الخير، أي إلى الإسلام، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحاسِب الحكام الظلمة والطغاة، وتنكر عليهم عدم تطبيقهم الإسلام، وما ذلك إلا العمل السياسي. لذلك كان العمل السياسي في كتلة حزبية لإعادة الخلافة والحكم بما أنزل الله، واجباً شرعياً يحتّمه الإسلام. إلا أن التكتل الذي يوجهه الإسلام إنما هو التكتل الذي يقوم على مبدأ الإسلام فكرة وطريقة للعمل السياسي به ومن خلاله لإيصال الإسلام إلى الحكم وتطبيقه، ولا يجوز مطلقاً للمسلمين أن يعملوا سياسياً في تكتلات حزبية لا تقوم على أساس الإسلام ولا تتبنى الإسلام فكرة وطريقة ولا تتبنى طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في السير، كالتكتلات التي تقوم على أساس وطني، أو إقليمي، أو قومي، أو مذهبي، أو كهنوتي، أو تتبنى الأفكار الرأسمالية، أو الاشتراكية، أو الشيوعية، فكلها تكتلات يحرّمها الإسلام ويحرم على المسلمين العمل معها، أو الانضواء تحت لوائها.

يا حضرات القضاة

إننا عندما أدركنا أننا لا نعيش في دولة إسلامية، وأننا نعيش في دار كفر، بعد أن قضي على الخلافة، وبعد أن أُبعِد الإسلام عن الحكم، وبعد أن أدركنا أن حكام مصر لا يحكمون بالإسلام، ولا يرعون حرمته، وأنهم يعملون على محاربة عودته إلى الحكم، ومحاربة كل مسلم يحمل الإسلام حملاً سياسياً، ويعمل لإيجاده في واقع الحياة، في نفس الوقت الذي يروّجون فيه لأفكار الكفر ولأنظمته، ويسمحون لأبناء المسلمين بالعمل السياسي على أساس أفكار الكفر وأنظمة الكفر، والدعوة بين المسلمين لها، والعمل على توصيلها إلى الحكم. وأدركنا مساهمتهم مع غيرهم من حكام البلاد العربية والإسلامية في قيام إسرائيل وتقويتها وتركيزها. وعندما أدركنا أن الإسلام يفرض علينا كمسلمين العمل لإعادة الخلافة والحكم بما أنزل الله، وأدركنا أن ذلك لا يتم إلا بالعمل السياسي في تكتل حزبي يتبنى الإسلام فكرة وطريقة، لمّا أدركنا كل ذلك، استخرنا الله، واستجبنا لداعيه، وصممنا على أن نحمل الإسلام، وأن نعمل لإعادة الخلافة والحكم بما أنزل الله، وأن نعمل لتخليص المسلمين من سيطرة الكفار ونفوذهم، ومن سيطرة أفكار الكفر وأنظمته. وبعد الدراسة والبحث والتفكير اهتدينا إلى أفكار وآراء وأحكام إسلامية أُخذت من كتاب الله وسنّة رسوله، ومما أرشدا إليه، ومن اجتهادات المجتهدين من فقهاء المسلمين، تبناها حزب التحرير بعد أن درس واقع المسلمين وما آل إليه، ودرس أسباب ذلك، وبعد أن درس الحركات التي قامت لإنهاض المسلمين وأسباب فشلها، وبعد أن درس الحركات السياسية التي لها أثر في التاريخ وأسباب نجاحها، وبعد أن درس الإسلام فكرة وطريقة، وكيفية إنزاله على الوقائع، وبعد هذه الدراسة الواعية، تبنى هذه الأفكار والآراء والأحكام، وحملها حملاً سياسياً، وأخذ يدعو لها سياسياً، وأقام على أساسها تكتلاً حزبياً، وتبنى طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في السير إلى إقامة الدولة الإسلامية في المدينة.

وبعد دراستنا لهذه الأفكار والآراء والأحكام، وبعد دراسة هذا التكتل وطريقة تكتله والطريقة التي تبناها في سيره وعمله السياسي، اقتنعنا بكل ذلك، وتبنينا هذه الأفكار والآراء والأحكام، واتخذناها أفكاراً لنا، لأنها أفكار إسلامية، وليست خاصة بأحد، وتبنينا هذا التكتل، واتخذناه تكتلاً لنا، لأنه ليس خاصاً بشخص ولا ببلد، وحملنا الإسلام على أساس ذلك، وأخذنا ندعو إليه ونعمل على أساسه عملاً سياسياً يتجلى فيه الصراع الفكري، والكفاح السياسي، وأخذنا ندعو له قومنا، ونحن بدورنا ندعوكم إليه يا حضرات القضاة، لأنكم من المسلمين، ولأن حمل الإسلام، والعمل لإعادة الحكم بما أنزل الله واجب عليكم، كما هو واجب علينا، وعلى كل مسلم يؤمن أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله.

يا حضرات القضاة

إن هذا هو السبب الحقيقي الذي اعتُقِلنا واستدعينا لأجله إلى محكمتكم الموقرة من قِبَل الحكام الظلمة، وإننا نعتبر هذا السبب فخراً لنا، وشرفاً شرّفنا الله به، وليس تهمة نخجل منها.

إن كان رفضاً حبّ آل محمد فليشهد الثقلان أني رافض، ونحمد الله سبحانه الذي هدانا إليه ويسّر لنا حمله، ونسأله تعالى أن يعيننا فيه، وأن يثبّتنا عليه إلى يوم أن نلقاه، كما نسأله أن يكرمكم بالتشرف بحمله معنا، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأن يوفقهم لأن يحملوا هذا الأمر معنا. كما نسأله سبحانه أن يعجّل للمسلمين بالفرح والنصر، وأن يمكّننا من إقامة الخلافة الإسلامية، ورفع الراية الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية، إنه مولانا وهو نعم المولى ونعم النصير.

وإنكم يا حضرات القضاة قد طلب منكم الحكام الظلمة أن تحاكمونا، وأن تحكموا علينا ظلماً وعدواناً، في الوقت الذي يطلب الله منكم، وأنتم من عباده المسلمين، أن تحكموا بالعدل حيث قال جل شأنه: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نِعِمّا يعظكم به) وقال: (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا، اعدلوا هم أقرب للتقوى، واتقوا الله) والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لكم: (إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه فأدخل عليه الجور في حكمه).

فأنتم يا حضرات القضاة بين أمرين، بين أن تختاروا طاعة الله بردّكم القضية وإسقاطها، وبين إطاعة أمر الحكام الظلمة. والإسلام يفرض عليكم طاعة الله، لا طاعة الحكام الظلمة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فأنقذوا أنفسكم، ولا تكونوا من القضاة الذين ينطبق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (قاضيان في النار، قاضٍ عرف الحق وحكم بغيره)، ولا من الذين ينطبق عليهم قول الله تعالى: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً)، ولا من الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: (إذ تبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب)، فانجوا بأنفسكم، واستجيبوا لأمر الله، ولا تستجيبوا لأمر الحكام الظلمة.

لذلك فإننا نطلب منكم رد القضية، وإطلاق سراحنا فوراً، (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ولرسوله إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يَحُول بين المرء وقلبه، وأنه إليه تحشرون)، ونستغفر الله لنا ولكم ولجميع المسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.