بسم الله الرحمن الرحيم

دليل كون طلب النصرة من الطريقة

أما دليل كون طلب النصرة من الطريقة، وأنها واجبة الاتباع، فهو مداومة الرسول صلى الله عليه وسلم على طلب النصرة والحماية من القبائل، ومن أصحاب القوة والمَنَعة والشرف بعد وفاة زوجه خديجة وعمه أبي طالب قبل المهاجرة إلى المدينة بثلاث سنين، إلى أن عقد بيعة العقبة الثانية. ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أن بعثه الله رسولاً إلى السنة التي ماتت فيها زوجه خديجة وعمه أبو طالب لم يكن يطلب من الناس إلا أن يؤمنوا به ويصدّقوه بأنه نبي مرسَل من عند الله, ولم يكن يطلب منهم نصرة ولا حماية، وكان يتصل بجميع الناس على حد سواء حتى أنه لمّا طَمِع في إيمان سادة قريش تصدى لهم وجلس إليهم، فجاءه الأعمى ابن مكتوم يريد أن يسأله -وكان مؤمناً- فأعرض عنه، فأنزل الله سورة "عبس" يعاتبه فيها على فعلته هذه (عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزّكّى أو يذّكّر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزّكّى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة)، وفي هذه الآيات عاتب الله سبحانه الرسول في تصديه لمن استغنى، وهم سادة قريش، وتلهّيه عن الأعمى. وقد بقي سيره في حمل الدعوة على هذه الحالة حتى توفيت خديجة ومن بعدها أبو طالب، وبموتهما تتابعت عليه المصائب، ونالت قريش منه من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، وعندها أخذ يتلمس النصرة والحماية ممن يقدر عليها، وأضاف طلب نصرته وحمايته حتى يبلّغ عن الله ما كان يطلبه في السابق من الإيمان به وتصديقه بأنه نبي مرسَل. وقد ورد في سيرة ابن هشام "قال ابن إسحاق: ولمّا هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عنه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، والمَنَعة بهم من قومه ورجاء أن يقبَلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل". ولمّا رجع الرسول من الطائف خائباً قال ابن إسحاق: "ثم قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلاً مستضعفين ممن آمنوا به، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبي مرسَل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه، حتى يبين لهم ما بعثه الله به". وقد بقي هذا شأن الرسول في سيره بالدعوة يتقصد القبائل ككيانات ويتقصد الرؤساء والسادة والأشراف ومن لهم مكانة. قال ابن إسحاق: "فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره كلما اجتمع له الناس بالمواسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة وهو لا يسمع قادماً يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده".

وهذا السير الجديد واضح فيه تقصُّد القبائل ككيانات وتقصُّد الرؤساء والقادة ومن لهم شرف ومكانة، لأن هؤلاء هم الذين يقدِرون على النصرة والحماية إنما يقصدهم لأجل أن يحصل على نصرتهم وحمايتهم بعد أن يؤمنوا به ويصدقوه. لذلك عندما أتى الطائف لم يتصل إلا بسادتهم وأشرافهم، قال ابن اسحق عن محمد بن كعب القرظي قال: "لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عَمِد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد يا ليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير. وفي المواسم كان يعرض نفسه على القبائل فأتى كلباً في منازلهم وأتى بني عامر بن صعصعة وأتى كندة في منازلهم، وكندة كانت ملوكاً، وأتى بني حنيفة في منازلهم. وكان يقصد كل قبيلة في منازلها ويعرض عليها نفسه ويطلب منها أن تؤمن به وتصدقه وأن تنصره وأن تحميه". وهذه الحالة الجديدة واضح فيها أمران: أولهما: تقصُّد أهل القوة والمَنَعة من القبائل والسادة والأشراف ومن لهم اسم وشرف ومكانة، وثانيهما: طلب نصرة وحماية أهل القوة والمَنَعة.

وقد استمر على ذلك حتى أتاه وفد أهل المدينة من الأوس والخزرج بعد أن مكث بينهم مصعب بن عمير سنة وواعدهم العقبة، وعقد معهم بيعة العقبة الثانية التي كانت البيعة فيها تقوم على أساس النصرة والحماية، وكانت بيعة الحرب، وبذلك وُجد الكيان الذي ينصره ويحميه, وعندها وقف عن طلب النصرة والحماية، وبذلك يكون قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بطلب النصرة والحماية من القبائل من أهل الشرف والقوة والمَنَعة واستمراره على ذلك دون انقطاع حتى عَقَد بيعة العقبة الثانية التي هي بيعة نصرة وحماية وحرب يدل دلالة واضحة على أن طلب النصرة من الطريقة وأنها حكم شرعي وأنها واجبة الاتباع.