بسم الله الرحمن الرحيم
الطريقة هي أحكام شرعية
يجب أن نلتزم بها وهي أعمال تحقق نتائج محسوسة
والإسلام عقيدة ينبثق عنها نظام، وهذا النظام هو الأحكام الشرعية المستنبَطة من الأدلة التفصيلية، وقد بيّن الإسلام في النظام الكيفية التي تنفَّذ بها أحكامه بأحكام شرعية، وهذه الأحكام الشرعية التي تبين كيفية التنفيذ هي الطريقة، وما عداها هو الفكرة، ومن هنا كان الإسلام فكرة وطريقة، فالعقيدة والأحكام الشرعية التي تعالج مشاكل الإنسان هي الفكرة، والأحكام الشرعية التي تبين كيفية تنفيذ هذه المعالجات والمحافظة على العقيدة وحمل الدعوة هي الطريقة. ولهذا كانت طريقة الإسلام من جنس فكرته وكانت جزءاً منه، فلا يجوز أن يُقتصَر في الدعوة إلى الإسلام على بيان فكرته بل يجب أن تشمل الطريقة أيضاً. ولهذا كان المبدأ هو مجموع الفكرة والطريقة، والإيمان بالطريقة كالإيمان بالفكرة، فكان لزاماً أن تكون الطريقة مع الفكرة كلاً لا يتجزأ، وأن تربطا معاً ربطاً محكماً بحيث لا تُستعمَل في تنفيذ الفكرة الإسلامية إلا الطريقة الإسلامية، ويكون مجموعهما هو الإسلام الذي يُحكَم به وتُحمَل الدعوة له. وما دامت الطريقة موجودة في الشريعة فيجب أن يُقتصر فيها على ما ورد به الشرع وما يستنبط من نصوصه. وكما وردت في الكتاب والسنّة أحكام الفكرة كذلك وردت فيهما أحكام الطريقة، فقوله تعالى: (وإمّا تخافُنَّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) من أحكام الطريقة، وكذلك قوله عليه السلام: (لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموه فاثبتوا) من أحكام الطريقة، وهكذا سائر أحكام الطريقة تُستنبط بالاجتهاد من الكتاب والسنّة والإجماع والقياس كسائر الأحكام. ولمّا كانت السنّة مبيِّنة للكتاب كانت الفكرة مجملة في الكتاب مفصّلة في السنّة، وكانت الطريقة كذلك مجملة في القرآن مفصّلة في السنّة. ولذلك كان لزاماً علينا أن نجعل نبراس الهدى سيدنا محمداً رسول الله فنأخذ أحكام الطريقة من عمله الموجود في سيرته ومن قوله وسكوته كما نأخذها من القرآن لأن ذلك كله شريعة، ونجعل قدوتنا في فهم السيرة الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة، كما نجعل عقلنا الأداة الفعالة للفهم والاستنباط حسب الوجه الشرعي.
والأحكام الشرعية التي تبين كيفية التنفيذ تدل على أعمال، فلا بد من القيام بهذه الأعمال، سواء منها ما يتعلق بالتطبيق وما يتعلق بحمل الدعوة. وليست هذه الأعمال وسائل لأن الوسيلة أداة تتخذ أثناء القيام بالعمل وتختلف باختلاف الأعمال، وتتغير حسب الظروف، ويقررها نوع العمل. ولذلك لا تُلتزم فيها حال معينة، أمّا الأعمال التي تدل عليها الطريقة فإنها لا تتغير، بل يقام بها حسب دلالة النص، ولا يجوز أن يؤتى بعمل غير الذي بيّنه الشرع، ولا يقام بعمل في غير الموضع الذي بيّنه الحكم الشرعي.
والمدقق في هذه الأعمال التي دلت عليها الأحكام الشرعية المتعلقة بالطريقة يجد أنها أعمال مادية تحقق نتائج محسوسة وليست هي أعمالاً تحقق نتائج غير محسوسة، حتى لو كان هذان النوعان من الأعمال يحققان قيمة واحدة. فمثلاً الدعاء عمل يحقق قيمة روحية، والجهاد عمل مادي يحقق قيمة روحية، لكن الدعاء وإن كان عملاً مادياً فإنه يحقق نتيجة غير محسوسة وهي الثواب، وإن كان قصد القائم بالدعاء تحقيق قيمة روحية، بخلاف الجهاد فإنه قتال الأعداء وهو عمل مادي يحقق نتيجة محسوسة وهي فتح الحصن أو المدينة أو قتل العدو وما شاكل ذلك، وإن كان قصد المجاهد هو تحقيق القيمة الروحية. ومن هنا كانت أعمال الطريقة أعمالاً مادية تحقق نتائج محسوسة وتختلف عن الأعمال الأخرى. ولذلك لا يُتخذ الدعاء طريقة للجهاد وإن كان المجاهد يدعو الله، كما لا يُتخذ الوعظ طريقة لردع السارق وإن كان يوعَظ ويوجَّه، قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) وقال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما).
ولذلك ينكَر كل الإنكار أن تكون جميع الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام أعمالاً تحقق نتيجة غير محسوسة ويعتبر ذلك مخالفاً لطريقة الإسلام، ولا فرق بين الأعمال التي تستعمل لتنفيذ الأحكام المتعلقة بمعالجة المشاكل وبين الأعمال التي تستعمل لحمل الدعوة الإسلامية، فمثلاً الصلاة تعتبر من الفكرة وطريقة تنفيذها هي الدولة، فلا يجوز أن تَتخذ الدولة التعليم والتوجيه فحسب طريقة لقيام الناس بالصلاة، بل يجب أن تعاقِب تارك الصلاة عقاباً مادياً كالسجن مثلاً، وإن كانت تقوم بالتعليم والتوجيه. ومثل ذلك أيضاً حمل الدعوة الإسلامية فإنه فكرة، وطريقة تنفيذها من قِبَل الدولة الجهاد أي قتال الأعداء، فلا يجوز أن تَستعمل قراءة صحيح البخاري في إزالة الحواجز المادية من أمامها، بل لا بد أن تستعمل الجهاد وهو قتال الأعداء قتالاً مادياً، وهكذا جميع الأعمال.
إلاّ أنه يجب أن يُعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيَّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يُقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله، ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال.
هذا من ناحية الطريقة وكونها أحكاماً شرعية يجب أن نلتزم بها ولا نخالفها، ومن ناحية الأعمال وكونها أعمالاً تحقق نتائج ملموسة.
أمّا من ناحية الوصول إلى نتائج فيجب أن تُتبع القاعدة العملية، وهي أن يكون العمل مبنياً على الفكر، ويكون من أجل غاية معينة. وذلك أن الإحساس بالواقع مع المعلومات السابقة يجب أن يُنتِج فكراً، ويجب أن يقترن هذا الفكر بالعمل، وأن يكون الفكر والعمل من أجل غاية معينة، وأن يكون ذلك كله مبنياً على الإيمان حتى يبقى الإنسان سائراً في الجو الإيماني سيراً دائمياً. ولا يجوز مطلقاً أن يُفصل العمل عن الفكر أو عن الغاية المعينة أو عن الإيمان، فإن في هذا الفصل -مهما قل- خطراً على العمل نفسه، وعلى نتائجه، وعلى استمراره، ولذلك كان لا بد أن تكون الغاية المعينة مفهومة وواضحة لكل من يحاول العمل حتى يبدأ به. وكان لزاماً أن يكون منطق الإحساس هو الأساس، أي أن يكون الفهم والتفكير ناجمين عن إحساس لا عن مجرد فروض لقضايا خيالية، وأن يكون الإحساس بالواقع مؤثراً في الدماغ، موجِداً مع المعلومات السابقة الحركة الدماغية التي هي الفكر، وهذا هو الذي يحقق العمق في التفكير والإنتاج في العمل. ومنطق الإحساس يؤدي إلى الإحساس الفكري أي إلى الإحساس الذي يقوّيه عند الإنسان الفكر، ولهذا يكون إحساس حملة الدعوة مثلاً بعد تفهمها أقوى من إحساسها قبل ذلك.
ومن الخطر أن يُنتقل من الإحساس إلى العمل رأساً لا إلى الفكر، لأن هذا لا يغير الواقع بل يجعل الإنسان واقعياً رجعياً يسير في عقلية منخفضة، ويجعل الواقع مصدر التفكير لا موضع التفكير. فلا بد أن يؤدي الإحساس إلى الفكر أولاً، ثم يؤدي هذا الفكر إلى العمل. وهذا هو الذي يمكّن من الارتفاع عن الواقع، ويمكّن من العمل للانتقال إلى الأوضاع الحسنة انتقالاً انقلابياً. فالذي يحس بالواقع ثم يعمل، لا يعمل لتغيير الواقع بل يعمل لتكييف نفسه حسب الواقع، فيبقى متأخراً منحطاً. والذي يحس بالواقع ثم يفكر في كيفية تغييره، ثم يعمل بناء على هذا التفكير، هذا هو الذي يكيف الواقع حسب مبدئه ويغيره تغييراً كلياً. وهذا هو الذي يتفق مع الطريقة الانقلابية التي هي الطريقة الوحيدة لاستئناف الحياة الإسلامية، لأن هذه الطريقة تفرض أن يكون الفكر ناتجاً عن إحساس، وأن يتبلور هذا الفكر بحيث يرسم المخطوط الهندسي للفكرة والطريقة في الذهن، فيدرِك الإنسان المبدأ إدراكاً صحيحاً يؤدي إلى العمل، حتى يكون الفكر قد حدث فيه انقلاب كامل، فيسير حينئذ في تهيئة الأشخاص والمجتمعات والأجواء بهذا الفكر، ليحدِث انقلاباً في الرأي العام بعد أن يوجِد الوعي العام على المبدأ فكرة وطريقة، ثم يبدأ عن طريق الحكم في تطبيق المبدأ تطبيقاً انقلابياً دون قبول أي تدرج أو ترقيع. وهذه الطريقة الانقلابية توجِب أن يكون الفكر ناتجاً عن إحساس، وأن يقترن بالعمل من أجل غاية معينة، ولا يؤدي إلى هذا إلاّ الفكر العميق.
وهذا الفكر العميق يحتاج إلى ما يوجده، أو ينميه ويخصبه، وتحتاج الطريقة الانقلابية إلى إعداد الأشخاص بالمبدأ الإسلامي، وإلى إعداد المجتمع به. وإيجاد هذا الفكر العميق وإعداد الأشخاص بالمبدأ يقتضي درس الإسلام من قِبَل أولئك الذين يريدون العمل، ويقتضي كذلك درس المجتمع، ولا يتأتى ذلك إلاّ عن طريق تثقيف الذهن بالمعلومات. والدراسة أسهل الطرق وأقربها لإيصال هذه المعلومات للذهن لتساعد على إيجاد الفكر.
وللإسلام طريقة خاصة في الدرس، واتّباعها هو الذي ينتِج الأثر لهذه الدراسة. تلك الطريقة هي أنه يجب أن تدرَّس المعلومات للعمل بها، وأن يتلقاها الدارس تلقياً فكرياً مؤثراً: يؤثر في مشاعره حتى يكون إحساسه بالحياة وتبعاتها إحساساً ناتجاً عن فكر مؤثر، حتى يوجد في نفس الدارس التلهب والحماس والفكر وغزارة المعرفة في آن واحد ويصبح التطبيق نتيجة طبيعية. وهذه الطريقة في الدراسة فضلاً عن كونها تحدِث الفهم عند الدارس، وتحدِث فيه القدرة على أداء ما فهم بشكل مؤثر، فإنها توسّع الفكر وتربط الفكر بالشعور، وتعلّم الدارس الحقائق التي يعالج بها مشاكل الحياة، ولهذا يجب أن تُتجنب الدراسة لمجرد العلم فقط، حتى لا يكون الدارس كتاباً يتحرك، وأن لا تكون مجرد مواعظ وإرشادات وإلاّ كانت سطحية خالية من حرارة الإيمان ويجب أن لا يَعتبر الدارس للإسلام الدراسة مجرد علم ومواعظ، بل يُعتبر كونها علماً ومواعظ خطراً على العمل وإلهاء يتحذرا عنه.
وللوصول إلى الغاية التي كان من أجلها العمل يجب أن يُتصور أن هذه الغاية يحتاج الوصول إليها إلى الجد والاهتمام، والتقيد بالتزامات توجبها التبعية الحزبية بالإضافة إلى التزامات الإسلام. وللإسلام التزامات معينة: سلبية وإيجابية، وهي ذات تكاليف مالية وجسدية ونفسية. وهذه الالتزامات منها ما هو فرض وواجب على كل واحد، ومنها ما هو فوق الفروض والواجبات، يقوم به اختياراً أولئك الذين لديهم السمو الروحي والعقلي، وهم الذين يريدون أن يزدادوا تقرباً من الله تعالى. والقيام بهذه الالتزامات لا بد منه للوصول إلى الغاية. ولذلك يجب أن توطَّد النفس وتصبر على القيام بالالتزامات المفروضة بجميع نواحيها: مالية وجسدية ونفسية، حتى يوجد الأمل بالوصول إلى الغاية.
ولإنتاج العمل لا بد من تحديد المكان الذي يُبدأ فيه، والجماعة التي يُبدأ العمل بها. نعم إن الإسلام عالمي وهو ينظر إلى الإنسانية كلها، ويعتبر جميع بني الإنسان سواء، ولا يقيم وزناً لاختلاف البيئات والمناخ والتربة وما شاكل ذلك في الدعوة، بل يعتبر جميع بني الإنسان صالحين لاعتناق الدعوة، ويعتبر المسلمين مسؤولين عن تبليغ هذه الدعوة لجميع بني الإنسان، ولكنه مع ذلك لا يبدأ بالعالم لأن البدء به يعتبر عملاً مخفِقاً ولا يؤدي إلى نتيجة مطلقاً، بل لا بد أن يكون البدء بالفرد، وأن يكون الانتهاء بالعالم. ولذلك وجب أن تُحمل الدعوة في مكان تتركز فيه حتى يصبح نقطة ابتداء، ثم يؤخذ هو أو غيره من الأمكنة التي تركزت فيها الدعوة ويتخذ نقطة انطلاق تنطلق منها الدعوة في طريقها ثم يُتخذ هو أو غيره نقطة ارتكاز تقوم فيها الدولة التي تركَّز فيها الدعوة وتسير في طريقها الطبيعي: طريق الجهاد. غير أنه وإن كانت الأمكنة تُتخذ موضع العمل في كل نقطة، إلاّ أن الذي ينتقل من نقطة إلى نقطة هو الدعوة وليس المكان، فتنتقل الدعوة في جميع الأمكنة التي تعمل فيها في آن واحد. وإنه وإن كان لزاماً أن يحدد المكان ليكون نقطة ابتداء ثم توجد نقطة الانطلاق ونقطة الارتكاز، إلاّ أن تحديد المكان في كل نقطة من هذه النقاط الثلاث ليس داخلاً في الدائرة التي يسيطر عليها الإنسان، لأنه لا يملكه، ولا يستطيع أن يملكه، وإنما هو داخل في الدائرة التي تسيطر على الإنسان، وما على الإنسان إلاّ أن يسير في الأعمال التي تدخل في الدائرة التي يسيطر عليها. وأما الأعمال التي في الدائرة الأخرى فتأتي حسب مشيئة الله وقضائه.
وأمّا تعيين نقطة الابتداء فتكون -قطعاً- في المكان الذي يوجَد فيه من تُشرق في ذهنه اللمعة الأولى للدعوة، ويهيئه الله لحملها. وقد يتحسس عدة أشخاص بهذه الأحاسيس، ولكن الذي هيأه الله لحمل الدعوة لا يُعرف حتى يوجَد فتبدأ الدعوة في المكان الذي يكون فيه، ويكون ذلك المكان نقطة ابتداء.
أمّا نقطة الانطلاق فإنها تتوقف على استعداد المجتمعات، لأن المجتمعات تتفاوت في الأفكار والمشاعر والأنظمة، فالمكان الذي يكون فيه المجتمع أصلح والجو أوفق، يكون نقطة الانطلاق، وفي الغالب يكون المكان الذي كان نقطة ابتداء هو نقطة الانطلاق، وإن كان ذلك ليس ضرورياً لأنّ أصلح الأمكنة للانطلاق المكان الذي يَكثر فيه الظلم السياسي والاقتصادي ويستفحل فيه الإلحاد والفساد.
وأمّا نقطة الارتكاز فإنها تتوقف كذلك على نجاح الدعوة في المجتمع، فالمكان الذي لم تؤثر الدعوة في مجتمعه، ولم تستطع أن توجِد لنفسها أجواء، لا يصلح لأن يكون نقطة ارتكاز مهما كثر عدد الحاملين للمبدأ. والمكان الذي تُهضم فيه الفكرة والطريقة من قِبَل المجتمع وتسيطر على أجوائه يصلح لأن يكون نقطة ارتكاز مهما كان عدد الحاملين للمبدأ. ولذلك لا يجوز لحملة الدعوة أن يقيسوا الدعوة بعدد الحاملين لها، فهذا القياس خطأ محض وخطر على الدعوة لأنه يصرف حملة الدعوة عن المجتمع إلى الأشخاص، وهذا يسبب البطء، وربما سبّب الإخفاق في ذلك المكان. والسر في ذلك هو أن المجتمع ليس مؤلفاً من أفراد كما يتوهم الكثيرون، وإنما الأفراد أجزاء في الجماعة، والذي يجمع بين هؤلاء الأفراد في المجتمع أجزاء أخرى هي الأفكار والمشاعر والأنظمة. ولذلك تُبعث الدعوة لتصحيح الأفكار والمشاعر والأنظمة، وهذه دعوة جماعية ودعوة للمجتمع لا للأفراد. وما إصلاح الأفراد إلاّ ليكونوا أجزاء في كتلة جماعية تحمل الدعوة إلى المجتمع. ولذلك يعتمد حملة الدعوة الفاهمون لحقيقتها على المجتمع لحمل الدعوة له، ويعتبرون أن إصلاح الفرد لا يمكن أن يصلح المجتمع، بل لا يمكن أن يصلحه هو إصلاحاً دائمياً، وإنما يكون إصلاح الفرد بإصلاح المجتمع، فمتى أُصلح المجتمع أُصلح الفرد. ولذلك يجب أن يوجّه هَمّ الدعوة إلى المجتمعات وأن تكون القاعدة (أَصلِح المجتمع يصلح الفرد ويستمر إصلاحه).
على أن المجتمع يشبَّه بالماء في القِدر الكبير: إذا وضعت تحته أو حوله ما يسبب البرودة جمد الماء وتحوّل إلى جليد (ثلج)، وكذلك إذا وضعت في المجتمع المبادئ الفاسدة جمد على الفساد وظل في التدهور والانحطاط، وإذا وضعت فيه المبادئ المتناقضة ظهرت فيه التناقضات وظل المجتمع يتخبط في تناقضاته وميوعته، وإذا وضعت تحت القِدر ناراً مشتعلة ملتهبة سخُن الماء ثم غلى فصار بخاراً دافعاً محركاً، وكذلك إذا وضعت في المجتمع المبدأ الصحيح كان شعلة في المجتمع حوّلته حرارتها إلى غليان ثم إلى حركة واندفاع، فيُطبّق المبدأ ويحمل دعوته لغيره من المجتمعات، وإنه وإن كان تحوّل المجتمع من حال إلى حال مناقضة، أو بعبارة أخرى: انقلابه من حال إلى حال لا يشاهد، كما لا يشاهد تحوّل الماء في القِدر، ولكن العليمين بالمجتمعات والواثقين من أن المبدأ الذي يحملونه نار ونور تحرق وتضيء يعلمون أنه في حال تحوّل، وأنه سيصل إلى درجة الغليان ثم درجة الحركة والدفع قطعاً، ولذلك يُعنَوْن بالمجتمعات.
ولهذا فإن المكان الذي يصلح لأن يكون ارتكازاً لا نعلمه، لأنه يتوقف على استعداد المجتمع لا على قوة الدعوة فحسب، فإن الدعوة الإسلامية في مكة كانت قوية، ومع ذلك فإن مكة وإن كانت نقطة ابتداء لها، وصَلُحت لأن تكون نقطة انطلاق فانطلقت فيها الدعوة، ولكنها لم تكن صالحة لأن تكون نقطة ارتكاز، وإنما كانت نقطة الارتكاز في المدينة، ولذلك هاجر إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن إلى مجتمعها، وأقام فيها الدولة التي انطلقت بقوة الدعوة إلى باقي أنحاء الجزيرة ثم إلى أنحاء الدنيا.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن حملة الدعوة لا يمكنهم أن يعلموا المكان الذي يصلح لأن يكون نقطة انطلاق، ولا المكان الذي يصلح لأن يكون نقطة ارتكاز، ولا يمكنهم معرفته مهما أوتوا من ذكاء وتحليل، وإنما علم ذلك عند الله تعالى. ولهذا يجب أن يكون استناد حملة الدعوة إلى شيء واحد هو الإيمان بالله تعالى، وأن يكون كل عملهم متركزاً فقط على هذا الإيمان لا على غيره، وبالإيمان بالله لا بغيره يكون نجاح الدعوة.
والإيمان بالله يوجِب صحة التوكل عليه، واستمداد العون منه، لأنه وحده الذي يعلم السر وأخفى، وهو الذي يوفق حملة الدعوة ويهديهم سبيل الرشاد وطريق الهدى. ولذلك كان لا بد من قوة الإيمان ولا بد من كمال التوكل على الله ودوام استمداد العون منه تعالى. والإيمان يحتم على المؤمن الإيمان بالمبدأ، أي الإيمان بالإسلام، لأنه من عند الله تعالى، ويحتم أن يكون هذا الإيمان إيماناً راسخاً ثابتاً لا ارتياب فيه، ولا يحتمل أن يتطرق إليه ارتياب، لأن كل خَطَرة ريب في المبدأ تجر إلى الإخفاق، بل ربما جرّت إلى الكفر والتمرد والعياذ بالله.
وهذا الإيمان القوي الذي لا يتطرق إليه ريب أمر حتمي لحملة الدعوة، لأنه هو الذي يضمن دوام سير الدعوة بخطى سريعة واسعة في طريقها المستقيم، وهذا الإيمان يوجِب أن تكون الدعوة سافرة متحدية كل شيء، متحدية العادات والتقاليد والأفكار السقيمة والمفاهيم المغلوطة، متحدية حتى الرأي العام إذا كان خاطئاً ولو تصدت لكفاحه، متحدية العقائد والأديان ولو تعرضت لتعصب أهلها. ولذلك تتميز الدعوة المبنية على العقيدة الإسلامية بالصراحة، والجرأة والقوة، والفكر، وتحدي كل ما يخالف الفكرة والطريقة، ومجابهته لبيان زيفه، بغض النظر عن النتائج وعن الأوضاع، وبغض النظر عما إذا وافق المبدأ جمهور الشعب أم خالفه، قَبِل به الناس أم رفضوه وقاوموه، ولذلك لا يتملق حامل الدعوة للشعب ولا يداهنه، ولا يداجي من بيدهم ثقل المجتمع من الحكام وغيرهم ولا يجاملهم، بل يتمسك بالمبدأ وحده دون أن يُدخل في الحساب أي شيء سوى المبدأ.
وهذا الإيمان يوجب أيضاً أن تُجعل السيادة للمبدأ وحده أي للإسلام وحده دون سواه، وأن يعتبر غيره من المبادئ كفراً مهما تنوعت واختلفت تلك المبادئ (إن الدين عند الله الإسلام) فكل من لا يؤمن بالإسلام كافر في نظر الإسلام. ولذلك لا يجوز مطلقاً لحاملي الدعوة الإسلامية أن يقولوا لمن يحملون غير الإسلام سواء أكان ديناً أم مبدأ: تمسكوا بمبدئكم ودينكم، بل يجب أن يدعوهم للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ليعتنقوه، لأن الدعوة تحتم على حملتها أن يعملوا لأن تكون السيادة للإسلام وحده، وليس معنى ترك غير المسلمين وما يدينون به وما يعتقدون إقرارا بأديانهم بل هو إجابة لأمر الله الذي أوجب عدم إكراه الناس على اعتناق الإسلام، وأوجب ترك الأفراد وعقائدهم وأديانهم وعباداتهم على أن تبقى فردية لا جماعية وأن لا يكون لها كيان في داخل كيان الإسلام، ولذلك يَمنع الإسلام وجود أحزاب أو تكتلات سياسية غير إسلامية تقوم على أساس يناقض الإسلام، ويسمح بالأحزاب والتكتلات داخل حدود الإسلام، وهكذا يقتضي الإيمان بالمبدأ إفراده وحده بالمجتمع، وأن لا يشترك معه سواه.
1372هـ-1953م مفاهيم حزب التحرير