بسم الله الرحمن الرحيم
الطريق السياسي هو طريق الحزب في حمل الدعوة
إن مرحلة الارتكاز مرحلة دقيقة لأنها مرحلة ما قبل الحكم، وعليها وعلى المراحل قبلها يتوقف نجاح الدعوة أو فشلها. أما دقتها فلأنها تحمل ثقل المراحل السابقة، وبها تنتهي مراحل حمل الدعوة في كفاحها السياسي ويعقبها العمل المادي، أي الجهاد من قِبل الدولة لحمل الدعوة إلى الخارج والحفاظ عليها من الداخل.
وهي مرحلة يكثر فيها الإلحاح على الحزب بضرورة أخذ الحكم مهما كانت الظروف وبأية طريقة كانت، مادية وغير مادية، ولو أدّى ذلك إلى الخروج عن الطريق المتبناة، فإن الأمّة بقدر ما قاست على أيدي حكامها تريد الاستعجال بالتخلص منهم، متناسية ماهية المنقذ أو نوع المنقذين، وما دام من هنا تجيء خطورة المرحلة ودقتها وذلك بأن يستجيب الشباب إلى طلبات الأمّة ويلحّون هم بدورهم على الحزب بالإسراع بالعمل لأخذ الحكم قبل أن تنضج الثمرة تمام النضج، وقبل أن تدرك الأمّة أن الخلاص الحقيقي والنهضة الحقيقية إنما هي بأخذ السلطان من أيدي الحكام ووضعه في أيدي المؤمنين من أبناء الامة المخلصين الأقوياء ليطبقوا عليها أحكام الإسلام وحدها دون غيرها وأن لا يتركوا للأمّة أن تقرر الطريق للشباب وتملي عليهم ما تريد، فإن ذلك سيؤدي بلا شك إلى الخروج عن أحكام الطريق، وهذا وحده خطر وأيما خطر. إن الاستجابة لرغبات الأمّة الآنية الملحة سواء منها ما وافق الإسلام أو ما لا يوافق الإسلام، إن مجرد الاستجابة لهذه الطلبات نكون قد تركنا تحكيم الإسلام لأن الأصل هو السير على الطريق التي رسمها الإسلام لا أخذ ما يوافق الإسلام لأنه وافق هوى الأمّة، لأنه أمر به الشرع سواء وافق هواها أو خالفها.
ولا بد من الوعي أن طريق الحزب إنما هو طريق الكفاح السياسي وحده ليصل إلى الحكم، كما وصل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، لا نخالفه فيه فنهلك، والله تعالى يقول: (فليحذر الذين يخالِفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
لقد حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الدعوة في مكة في الطريق السياسي فقط ورفض، رغم إلحاح الصحابة عليه، رفض السماح لهم بمقابلة الأذى بالأذى وقد قالوا له، وكانوا في أواخر أيامهم في مكة، قالوا: يا رسول الله إن أحدنا يمسي ولا يأمن على نفسه أن يصبح، ويصبح ولا يأمن على نفسه أن يمسي، فمُرنا يا رسول الله فلنقابلهم بمثل ما يقابلوننا به، فكان يقول لهم: (لا، لم نؤمر بعد). وها هم أهل بيعة العقبة الثانية بيعة الطاعة والمَنَعة يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم حين انكشف أمرهم: (مُرنا فَلَنميلَنّ عليهم بمنى ميلة واحدة)، فلا يقبل ذلك منهم لأنه لم يؤمر بعد، ومنَعهم مع قدرتهم على القتال ومقابلة الأذى بالأذى. إن السيوف التي كانت في أغمادها مع الصحابة أو الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا باستعمالها هي هي السيوف التي استعملوها يوم أمرهم الله ورسوله ففتحوا أصقاع الدنيا المترامية ونشروا على ربوعها الإسلام بعدله، نعم هي نفس السيوف مع نفس النفسيات لنفس الصحابة الذين كانوا يعذَّبون وسيوفهم في أغمادها ورماحهم لا يشرعونها، ويمر عليهم رسول الله صلوات الله عليه وسلامه فيقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، إني لا أملك لكم من الله شيئاً) فتقول له الأم: "والله لكأني أراها بأم عيني يا رسول الله" غايتهم إرضاء ربهم، ولو أُمروا بالقتال يومها لاستجابوا لأمر الله.
ولم يكد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل إلى المدينة حتى نزلت آيات الجهاد (أُذِن للذين يقاتَلون بأنهم ظُلِموا وإن الله على نصرهم لقدير)، أُذِن لهم بعد الهجرة أي بعد قيام الدولة، وكان قبلها يخاطبهم تعالى (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور).
إن الحزب حريص كل الحرص على أخذ قيادة الأمّة، ومن أجل هذا وضع نظام المناطق وركز على العمل به، وهو يلح على الشباب أن لا يقصروا بواجباتهم تجاه العمل في المناطق، كل ذلك من أجل بناء قاعدة شعبية على أساس الإسلام، وقيادة الأمّة بوعي وقوة كما يريد الحزب أن يقودها لا كما تريد الأمّة أن تُقاد.
إن العمل القيادي ليس بالأمر السهل على كل من يريد أن يتصدى له، بل هو عمل شاق يحتاج إلى ثبات ووعي وإخلاص ومثابرة. أما الثبات فلأن الأمّة لا تعطي قيادتها لجبان متلون، وأما الوعي فلأن الأمّة أيضاً لا تمنح قيادتها لجاهل يقودها إلى متاهات ومخاطر ويمرّغ بخيانته أعراضها ومقدساتها وأهلها بالوحل مستهتراً بكل القيم كما فعل حكامها، وأما المثابرة فلأن الناس لا يعطون انقيادهم لكل من أراد بسهولة ويسر خاصة إذا كان لا يدغدغ فيهم مشاعرهم ولا يرضي فيهم غرورهم ولا يستجيب لمطالبهم الآنية وكانت المهام المنوطة بهم مصيرية.
هذه مسألة، والمسألة الأخرى أن الرأي العام المنبثق عن وعي عام له مدلول لا بد من الوعي عليه لأنها مسألة اختلط على الكثير من الشباب أمرها، وتصوره البعض أنه عمل عام وليس رأياً عاماً أي انضباط بالإسلام من قِبل مجموع الناس, والحقيقة أن معنى هذا القول أن تلمس الأمّة بمجموعها ضرورة الاحتكام إلى الإسلام ضرورة لا تدفعهم إليها عاطفة عاصفة أو رغبة آنية ملحة وإنما يدفعهم إدراكهم بأن حياتهم وولاءهم يجب أن يكون للإسلام وحده، وهو أمر لا يعني بالضرورة أن يباشر الناس تطبيق الأحكام الشرعية على أنفسهم، وإنما معناه أن يوجَد الولاء للإسلام لا لغيره، وهذا لا يظهر أثره ملموساً في الحياة العملية إلا في التطبيق.
ومن هنا كان ضرورياً أن يدرك الشباب بل ويلمسون لمس اليد واقع ما وصل إليه المجتمع الذي يعيشون فيه والأمة التي يقودونها، أو بعبارة أخرى واقع الرأي العام المنبثق عن وعي عام ثم ما وصل إليه تيار الإسلام الجارف عند الأمّة لتنميته والحرص عليه من الانتكاس لأن الأمّة هي المنوطة بحمل الإسلام إلى العالم والمحافظة على المبدأ، والحزب مهما بلغ عدد أفراده وقوتهم فإنهم لا يستطيعون بدون الأمّة عمل شيء بل يجب أن يحرص الشباب كل الحرص على إبعاد ما من شأنه أن يُشعرهم بانفصالهم عن الأمّة أو انفصال الأمّة عنهم.
أما المدقق في واقع ما وصل إليه المجتمع الآن ومن يعيش فيه عيشاً دائمياً ويتصلون به اتصالاً حثيثاً فإنه يلمس الأمور التالية:
أ- يدرك الناس بمجموعهم، الفاسق منهم والمؤمن على السواء، أن سبب بلاء الأمّة هو عدم الرجوع للإسلام وعدم التقيد بأحكام الشريعة الإسلامية، وبالمقابل فإن تيار الإسلام بدأ يرتفع وصار مادة للحديث في أكثر المنتديات، ولم يعد للديمقراطية أو الاشتراكية أي أثر في نفوس الناس ولا يبرز عليهم التحدث بها على سبيل الاستحسان والقبول، بل أخذوا يحكمون بإفلاس المبادئ المستوردة والدخيلة على الأمّة الإسلامية ويأتون بالأمثلة على فسادها فأصبحت أنفسهم تعافها وتشمئز منها.
ب- لا توجد ثقة أو حتى شبه ثقة إطلاقاً بين الحكام والمحكومين بل وإن الحبال الواهية التي كانت تربط الحكام بمحكوميهم قد انقطعت الآن وقد أصبح قول الحكام كذباً وتصرفاتهم دجلاً عند الناس بمجموعهم، وما عند الناس على حكامهم نقمة عارمة وهم عندهم سواء لا فرق بينهم.
ج- يعلم الناس أنه ليست هناك من حركات، سواء مبدئية أو غير مبدئية تتصدى، لقيادتهم إلا حزب التحرير ولا يوجد عند الناس أي احترام لأي فئة لأن الفئات جميعها قد انكشف خبثها الفكري والسياسي على الأمّة، بل وصارت تحمل لها العداء سواء كان ذلك من مخالفتها لعقيدتهم أو لتآمرهم على الأمّة، وبالمقابل فإن مكانة حزب التحرير عند الأمّة آخذة في الارتفاع وفي الاستقرار المركّز في نفوس الكثير من الناس.
د- كثيرون يبدون لهفتهم وترقبهم إلى وصول الحزب للحكم وتطبيق أحكام الإسلام وأصبحوا يعيشون مع الشباب فترة الحكم في ترقبهم واهتمامهم ورغبتهم.
من هذه النقاط الواردة، لا على سبيل الحصر وإنما على سبيل المثال، يدرَك تمام الإدراك واقع الرأي العام المقصود وواقعه الفعلي كذلك، وهي نقاط ملاحَظة عند كل ذي بصيرة، كما أنها أمور لا بد من وجودها في الأمّة في هذه المرحلة حتى يتمكن الحزب من الاضطلاع بأعباء الحكم حينما ييسّر الله له ذلك. وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على سلامة سير الحزب في طريقه متمسكاً بطريق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحيد عنها، سواء أأبطأ النصر أم أقبل سريعاً. وليعلم الشباب بأنهم لا يحاسَبون على النتائج أبداً وإنما هي بيد الله وحده، وإنما يحاسَبون على الأعمال بمقدار انضباطهم بالحكم الشرعي سواء أدّى ذلك إلى ما يبتغون من نتائج أو لم يؤد وسواء جاء النصر سريعاً أم أبطأ، ومع ذلك فإنه إن طال الزمن أو قصر فإن وعد الله قائم ولن يخلف الله وعده، فهو لا بد ناصر الفئة المؤمنة القادرة على تحمل تبعات الحكم الثابتة ثبوتاً عقائدياً على المبدأ لا تحيد عنه مهما تعرضت للمناورات أو المؤامرات أو حتى الرغبات الآنية من قِبل الأمّة، الفئة التي تقود الأمّة إلى النهوض والسير في معترك الحياة، المستعدة أن تصمد وبكل ما آتاها الله من قوة أمام كل من يحول دون استمرارها على الطريق وتنكسر على صلابتها ووعيها كل محاولات الدس والخديعة، سواء من داخل دولتها الناشئة أو خارجها.
نعم هذه الكتلة هي التي تستحق النصر من الله إلا أن الله وهو الحكيم العليم لا يؤخر نصره إلا لحكمة هو يعلمها لا ندركها نحن لأنها من المغيَّبات وإنما يدركها علام الغيوب وصدق الله العظيم حيث يقول:
(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا).
5/9/1968م