بسم الله الرحمن الرحيم

التفكير في الغايات والأهداف

وأما التفكير في الغايات والأهداف فإنه أولاً تحديد ما يريده؛ أي تحديد ما يهدف إليه، وهذا التحديد ضروري للوصول إلى التفكير المثمر. وتحديد ما يريده ليس بالأمر السهل، فإن الأمم والشعوب المنحطة لا تعرف ما تريد، وقلما تستطيع معرفة ما تريد. والأفراد المنخفضو التفكير، وحتى الكثيرون من مرتفعي التفكير لا يحددون ما يريدون، ومنهم من لا يستطيع تحديد ما يريد. أما الشعوب والأمم فإنها لوجود مظهر القطيع، أو على حد تعبيرهم غريزة القطيع بشكل بارز ومكون للتجمع، فإنه يتحكم فيهم التقليد، ويغلب عليهم عدم تمحيص الأفكار، ولذلك تتكون عندهم أفكار مغلوطة، فتوجد لديهم معلومات غير صادقة، ويندفعون دون تحديد غاية، أو دون أن يقصدوا تحديد غاية، ولهذا يغلب عليهم عدم تحديد الغايات. أما الأفراد، فإنه لعدم وجود القصد لديهم، فإنهم لا يُعنون أنفسهم بالغايات والأهداف، ولذلك يسيرون في تفكيرهم إلى غير غاية، فلا يكون لتفكيرهم ثمرة، ولا يسيرون نحو غاية محددة، مع أن تحديد الغايات والأهداف في التفكير أمر لازم لجعل التفكير مثمراً. ذلك أن التفكير أو العمل إسلامية إنما يوجد من أجل شيء معين؛ أي من أجل غاية معينة، ومن أجل ذلك ترى أن كل إنسان مفكر، ولكن ليس كل إنسان قادراً على تحقيق الأهداف.

والغايات والأهداف تختلف باختلاف الناس. فالأمة المنحطة غايتها أن تنهض، والأمة المتقدمة غايتها أن تحقق جميع أنواع الإشباع، والشعب البدائي غايته أن يظل محتفظاً بأوضاعه التي هو عليها، والشعب المتقدم غايته أن يحسّن حاله وأن يحدث التغيير، والفرد المنخفض التفكير غايته أن يشبع طاقته الحيوية، والشعب المرتفع التفكير غايته أن يحسن نوع الإشباع لديه. وهكذا تختلف الغايات والأهداف باختلاف الناس ومستواهم في التفكير. إلا أنه مهما تكن الغايات والأهداف لدى الشعوب والأفراد، فإن الصبر على تحقيق الأهداف، والجد في ملاحقتها، إنما يكون في الغايات القريبة والأهداف السهلة، فإشباع الجوعات من حيث هو إشباع غاية سهلة حتى لو كانت غير قريبة، ولذلك فإن طاقة الصبر عليها تكاد تكون موجودة عند كل إنسان، وإن كانت تتفاوت لدى الناس، فأن تسعى لتأكل أو تسعى لإطعام عيالك أو تسعى لتملك أو تسعى في طلب الأمان وما شاكل ذلك، فإن تحقيق هذه الغايات موجود لدى جمهرة الناس، أما أن تسعى لتنهض أو لإنهاض شعبك، أو تسعى لرفع منزلتك، أو تسعى لرفع منزلة شعبك أو أمتك، فإنها غايات يحتاج تحقيقها إلى صبر وإلى ملاحقة جادة، وهذا ليس في مقدور كل إنسان، فقد تبدأ الطريق ولكن قد تقصر دون تحقيق الغاية لما ينالك من تعب، ولفقدان الصبر. وقد تبدأ السعي، ولكن تبدؤُه غير جاد، وتسير به غير جاد، فتظل تسير، ولكن لن تحقق غاية، مع أنه لم ينلك التعب، ولم تفقد الصبر، ولكنك غير جاد في السير، وتحقيق الغايات البعيدة يحتاج أول ما يحتاج إلى الجدية، ثم إلى الصبر والملاحقة.

والأفراد أقدر على الصبر من الجماعات؛ أي من الشعوب والأمم، لأن الرؤية عندهم أكثر وضوحاً وأقوى من الجماعات، لأن تجمع الناس يضعف لديهم التفكير ويضعف لديهم الرؤية، ولذلك كانت رؤية الواحد أقوى من رؤية الاثنين، وكلما كبر العدد قلت الرؤية. ولذلك لا يصح أن توضع للشعوب غايات بعيدة، فإنهم لا يسيرون لتحقيقها، وإن ساروا فإنهم لا يسيرون بجدية ولا يبلغون الغاية. ومن هنا كان لا بد أن تكون الغاية التي توضع للشعوب غاية قريبة ممكنة التحقيق، ولو أدى إلى وضع غايات قريبة كمرحلة من المراحل، حتى إذا جرى تحقيقها انطلقوا إلى غاية أخرى وهكذا، لأن الجماعة أقرب من الفرد لرؤية الممكن وأقل احتمالاً للمصاعب الكبيرة، فالممكن عقلاً لا تستطيع الشعوب أن تجعله غاية، بل الممكن فعلاً هو الذي يمكن أن تراه وتسعى لتحقيقه. أما الأفراد فإنهم بشكل عام قادرون على رؤية أن الممكن عقلاً ممكن فعلاً، وقادرون على الرؤية البعيدة، وهم أكثر صبراً على المشقات وأكثر احتمالاً للمصاعب وأقدر على السير في المرحلة البعيدة، إلا أن الغايات والأهداف سواء وُضعت للأمم والشعوب أو للأفراد، فلا يصح أن يكون تحقيقها يحتاج إلى أجيال، ولا إلى جهد فوق طاقة البشر، ولا إلى وسائل غير موجودة أو غير ممكنة الإيجاد، بل لا بد أن تكون غايةٌ يمكن للجيل الذي يعمل لتحقيقها أن يحققها، ويمكن بالجهد العادي للإنسان أن يحققها، وأن تكون وسائلها موجودة أو ممكنة الإيجاد، وذلك أن الغاية هدف يسعى إليه نفس الساعي، ولا يسعى إليه إذا كان مسلَّماً لديه أنه لن يحققه، وما دام يريد أن يسعى إليه فإنه يحتاج إلى الوسائل التي يحققه بواسطتها، فإذا لم توجد لديه الوسائل التي يسعى بها فإنه لن يسعى إليه حتى لو تظاهر بالسعي، أو لو خدع نفسه بأنه يسعى. وهو يسعى بطاقته البشرية، فإذا كانت طاقته البشرية لا تكفي للسعي، فإنه لن يسعى مطلقاً لأنه لا يكلَّف الإنسان فوق طاقته، بل لا يستطيع أن يعمل فوق طاقته، ولذلك لا بد أن تكون الغايات مهما بعدت من الممكن أن يحققها نفس الساعي بجهده العادي بالوسائل التي لديه.

فالغاية من التفكير يجب أن تحدد، والغاية من العمل يجب أن تحدد، وأن تكون غاية مرئية للبصر أو مرئية للبصيرة، وأن تكون ممكنة التحقيق عقلاً وفعلاً، وإلا فقدت كونها غاية. وإذا كان الأفراد لا بد أن يكون لتفكيرهم وعملهم غاية، فإن الشعوب والأمم لا بد أن تكون لديها غاية أو غايات، إلا أن غاية الشعوب والأمم لا يصح أن تكون بعيدة، بل لا بد أن تكون قريبة. وكلما كانت أقرب وأكثر تحقيقاً كانت أحسن وأقرب للإثمار، وأكثر إمكانية للتفكير والعمل. صحيح أن الشعوب والأمم لا يُتصور أن تضع لنفسها غايات، ولا أن ترسم بمجموعها أهدافاً، ولكن هذه الشعوب والأمم تشيع بينها أفكاراً وتتخذ آراءً وتعتنق عقائد، فتكون هذه الأفكار هي أفكارها وهذه الآراء هي آراءها وهذه المعتقدات هي معتقداتها. وكذلك تطغى عليها غايات، إما من جراء أفكار وآراء ومعتقدات، وإما من جراء تجارب الحياة، وإما من جراء ما تكون فيه من حرمان أو إشباع، فتتكون لديها غايات إما القضاء على الحرمان، وإما تحسين الإشباع. فالشعوب والأمم تكون لها غايات هي بمجموعها لا تستطيع أن ترسم غايات، إلا أن غاياتها كلها هي من النوع الممكن التحقيق فعلاً، ولا تكون من النوع الممكن عقلاً، وغير مشاهد بالفعل أنه ممكن فعلاً.

مما يجب أن يلفت النظر إليه هو التفريق بين الغاية والمثل الأعلى، فالمثل الأعلى هو غاية الغايات، ولا يشترط فيه إلا السعي لنواله وتحقيقه، فلا يشترط فيه أن يكون ممكن التحقيق فعلاً، ولكن يشترط فيه أن يكون ممكن التحقيق عقلاً. فالمثل الأعلى هو غير الغاية، وإن كان هو نفسه غاية. إلا أن الفرق بينه وبين الغاية هو أن الغاية لا بد من معرفتها قبل القيام بالعمل، ودوام معرفتها أثناء القيام بالعمل، والسعي الحثيث لتحقيقها، والدأب حتى تحقق فعلاً. أما المثل الأعلى فإنه يلاحَظ مجرد ملاحظة أثناء التفكير وأثناء الأعمال، وتكون جميع الأفكار والأعمال من أجل تحقيقه. فمثلاً رضوان الله هو المثل الأعلى للمسلمين ولكل مسلم، وقد يتخذ بعضهم دخول الجنة مثلاً أعلى، وقد يتخذ بعضهم اتقاء دخول النار مثلاً أعلى، ولكن هذين الأمرين وما شاكلهما، وإن كان يصح أن تكون غاية الغايات، ولكنها لا يطلق عليها المثل الأعلى، فهي غايات لغايات قبلها، ولكن توجد غاية بعدها. والمثل الأعلى وإن كان غاية الغايات ولكنه لا تكون غاية بعده، وغاية الغايات التي لا غاية بعدها هي رضوان الله، ومن أجل ذلك كان المثل الأعلى في المسلم هو نوال رضوان الله، ولهذا قيل في حق بعض الأتقياء الأبرار: (نعم العبد صهيب لو لم يَخَف الله لم يعصه)، لأن غايته من عدم العصيان ليست خوف الله من أن يعذبه على المعصية، بل غايته أن ينال رضى الله، فهو لو لم يوجد لديه الخوف من الله فإنه لا يقدم على المعصية، لأن عدم إقدامه على المعصية هو لطلب رضوان الله لا خوفاً من عذابه، فالمثل الأعلى عند المسلمين هو رضوان الله، وليس دخول الجنة ولا اتقاء دخول النار.

فالمثل الأعلى وإن كان غاية باعتباره غاية الغايات، ولكنه غير الغاية والهدف، فما يقال في شأن التفكير أو العمل، من أن لا بد أن تحدد الغاية منه، لا يقصد به المثل الأعلى، وإنما يقصد به الغاية التي تحقق فعلاً وإن كان وراءها غاية أخرى أو غايات. فالغاية يجب أن تكون محددة، وأن تكون ممكنة التحقيق على يد من يسعى إليها لا على يد الأجيال الآتية، وأن تكون وسائلها متيسرة، أو يمكن أن تيسر إمكاناً عملياً واقعياً، فهي ليست المثل الأعلى، بل هي الهدف الذي يقصد تحقيقه، ولذلك يتحتم أن يكون التفكير بالغاية تفكيراً واقعياً عملياً أي أن تكون ممكنة التحقيق على يد من يسعون إليها.

وهنا قد يرِد سؤال، وهو أن عمر الأمم لا يقاس بالجيل الواحد بل بالأجيال، وأن التخطيط لمستقبل الأمة يجب أن يكون بعيد المدى بحيث تحققه الأجيال الآتية فكيف يقال إن الغاية لا بد أن يحققها نفس الذي يسعون إليها، والجواب على ذلك أن عمر الأمم لا يقاس بالأجيال، ولا بمئات السنين، كما يتوهم بل هو يقاس بالعقود، فالعقد الواحد من الزمن تتحول فيه الأمة وتنتقل من حال إلى حال، والفكرة العملية يمكن أن تعطى للأمة وتعلق بها في جيل واحد مهما وجدت من مقاومة على شرط جدية التفكير وجدية العمل. ولذلك لا تحتاج الأمة إلى أجيال ولا إلى مئات السنين، بل تحتاج كل فكرة وكل عمل لأن يثمر في الأمة إلى ما لا يقل عن عقد، فإن في العقد الواحد يجرى تحويل الأمة وإذا كانت خاضعة لعدوها فإنها تحتاج إلى أكثر من عقد، ولكنها لا تحتاج لأكثر من ثلاثة عقود مع المقاومة، ولذلك لا بد أن تثمر الحركة أو العمل أو الفكرة في الأمة على يد الناس الذين يسعون إلى تحقيق هذه الفكرة أو هذا العمل، لا على يد الأجيال التي تأتي بعدهم، فالغاية يجب أن تكون من النوع الذي يحققه الساعون إليها. هذا شرط التفكير في الغاية، ولا تكون غاية إذا كان الساعون إليها لا يحققونها بأنفسهم.

أما ما يقال عن التخطيط للأمة، وجعل الأجيال الآتية تمشي لتحقيق هذه المخططات، كما تفعل الشعوب والأمم الحية، فإن هذا النوع من التخطيط ليس غاية، حتى ولا أفكاراً محددة، بل هو خطوط عريضة وأفكار عامة، ترسم على سبيل الفرض لا على أنها غاية، ولذلك لا يعتبر مثل هذا غاية، وإنما يعتبر أفكاراً عامة بفرض وجودها، ولكن الغاية هي فقط الأمر الذي يحققه الساعون إليه. هذه هي الغاية وهذا هو التفكير بالغاية، وما عدا ذلك فإنه مجرد فروض ونظريات وليس تفكيراً بالغايات.

12 من آذار سنة 1973م من كتاب التفكير