بسم الله الرحمن الرحيم
التفكير في الأساليب، الطريقة، الوسائل
وأما التفكير بالأساليب فهو التفكير بالكيفية غير الدائمة التي بها يقام بالعمل، والأسلوب يقرره نوع العمل، ولذلك يختلف الأسلوب باختلاف نوع العمل، صحيح أن الأساليب قد تتشابه، وأن الأسلوب الواحد قد ينفع في عدة أعمال، ولكن عند التفكير بالأسلوب يجب أن يفكر في نوع العمل الذي يراد استخدام الأسلوب للقيام به، حتى لو تشابهت الأساليب، وحتى لو كان الأسلوب المعروف ينفع في هذا العمل الجديد، فلا بد من التفكير في نوع العمل عند التفكير بالأسلوب الذي يراد له، بغض النظر عن تشابه الأساليب، وعن وجود أساليب تنفع لهذا العمل، لأن التشابه قد يضلل عن الأسلوب الفعال ولأن كون هناك أسلوب ينفع في هذا العمل قد يسبب عرقلة القيام بالعمل. فمثلاً أسلوب الدعاية لفكرة يتشابه مع أسلوب الدعوة لهذه الفكرة، كل منهما يعتمد على عرض الفكرة على الناس، ولكن هذا التشابه قد يضلل حملة الدعوة، وقد يضلل أصحاب الدعاية لفكرة، فأسلوب الدعاية إذا استعمل في أسلوب الدعوة يخفق على المدى الطويل، وأسلوب الدعوة إذا استعمل في الدعاية يجعل الدعاية تخفق. فأسلوب الدعوة يعتمد على شرح الحقائق، كما هي، أما أسلوب الدعاية فإنه يعتمد على تزيين الفكرة وبهرجتها، وإن كان كل منهما لا بد فيه من حسن العرض. ومثلاً أسلوب نصب الحاكم في النظام الديمقراطي، وهو جعل الشعب ينتخب الحاكم، ينفع في نصب الحاكم في النظام الإسلامي، فيجعل الشعب ينتخب الحاكم، ولكن حين يراد اتخاذ أسلوب لنصب خليفة للمسلمين يجب أن يفكَّر في واقع الحكم في نظام الإسلام بأنه نصب حاكم دائم وليس حاكماً لفترة زمنية محددة، ولذلك لا بد من التفكير في نوع الحكم في الإسلام عند التفكير في رسم أسلوب لنصب الخليفة، فيُجعل مثلاً حصر المرشحين الذين هم أهل للخلافة من قبل ممثلي الأمة ومنع ترشيح من عداهم، ثم جعل الشعب ينتخب من يريد من هؤلاء المرشحين فقط، ثم الطلب من الشعب كله أن يبايع الذي ارتضاه أكثر المسلمين خليفة للمسلمين. صحيح أن البيعة هي طريقة لنصب الخليفة وليست أسلوباً، ولكن كيفية أداء البيعة هو أسلوب. ولذلك لا يكفي أن يكون الأسلوب نافعاً في العمل الجديد كما نفع في غيره من الأعمال، لكن حتى يقرر هذا الأسلوب لهذا العمل لا بد من التفكير في العمل حين التفكير في الأسلوب، فإن التفكير في نوع العمل ضروري عند التفكير في وضع أسلوب للقيام به. إن الأسلوب هو كيفية معينة للقيام بالعمل، وهو كيفية غير دائمة، بعكس الطريقة فإنها كيفية دائمة للقيام بالعمل. والطريقة لا تختلف مطلقاً ولا تتغير ولا تحتاج إلى عقلية مبدعة حتى تقوم به لأنها يقينية، فهي إما أن تكون هي يقينية، وإما أن يكون أصلها يقينيا. أما الأسلوب فإنه قد يخفق عند استعماله للقيام بالعمل، وقد يتغير، ويحتاج إلى عقلية مبدعة للقيام به. ومن هنا كان التفكير بالأساليب أعلى من التفكير بالطرق. فالطريقة قد يستنتجها عقل مبدع، ولكن قد يستعملها عقل عادي، أما الأسلوب فإن الوصول إليه يحتاج إلى عقل مبدع أو عقل عبقري وإن كان استعماله قد ينتج بالعقل العادي، فالطريقة ليس من الضروري أن ينتجها العقل المبدع ولكن الأسلوب من الضروري أن ينتجه العقل المبدع أو العقل العبقري، سواء أكان متعلماً أو غير متعلم، لأن الوصول إلى الأسلوب لا يتعلق بالعلم والمعرفة، بل هو يتعلق بالعملية الفكرية التي تجري من أجل الوصول إليه. ومن هنا يتفاوت الناس في حل المشاكل، لأنهم يحلونها بأساليب. فقد يحاول شخص حل مشكلة ما فتستعصي عليه، فيهرب منها، أو يعلن عجزه عن حلها، أو يظن أنها مشكلة لا حل لها. ولكن من يملك عقلية حل المشاكل إذا عالج مشكلة لحلها واستعصت عليه فإنه يغير الأسلوب الذي يستعمله، أو يقوم بعدة أساليب، وإذا استعصت عليه رغم مختلف الأساليب فإنه لا يهرب منها، ولا يعلن عجزه عن حلها، ولا ييأس من حلها، وإنما يصبر عليها ويتركها فترة من الوقت، أي يتركها للزمن على حد قولهم ثم يعاود التفكير بحلها فترة بعد أخرى حتى يحلها. ولذلك فإن من لديه عقلية حل المشاكل لا توجد لديه مشكلة لا حل لها، بل إن كل مشكلة لها حل، والسبب في ذلك اعتماده على قدرته في إيجاد الأساليب التي تحل هذه المشكلة المستعصية. ومن هنا كان التفكير بالأساليب من ميزات العقول المبدعة أو العبقرية، فإن حل المشاكل متوقف على التفكير بالأساليب. وأما التفكير بالوسائل فإنه صنو التفكير بالأساليب ومقارن له، وهو التفكير بالأدوات المادية التي تستعمل للقيام بالأعمال، فإذا كان التفكير بالأساليب هو الذي يحل المشاكل، فإن هذه الأساليب لا قيمة لها إذا استعملت وسائل لا توصل إلى الحل، إلا أن إدراك الوسائل وإن أتى عن طريق التفكير، ولكن التجربة للوسيلة عنصر هام في معرفتها. ولذلك يتحتم على المفكر بالأساليب أن يكون مفكراً بالوسائل، وإلا فإن جميع الأساليب لا يمكن أن تنتج إذا استعملت وسائل لا تقوى على استعمال الأساليب، لا سيما وأن الوسائل جزء جوهري في إنتاج الأساليب، فمثلاً رسم خطة لقتال العدو هو رسم لأسلوب وإن كان خطة، لأن الخطة نفسها أسلوب، فإذا رسم الخطة رسماً صحيحاً مائة بالمائة، ولكنه استعمل السلاح الذي لا يقوى على مواجهة سلاح العدو، فإن الخطة مخفقة قطعاً ولو كان الرجال الذي يحاربون أقوى من رجال العدو ولو حارب برجال يقوون على مقابلة العدو ولو كان ضعفي قوته فإن الخطة مخفقة حتماً، فالخطة الموضوعة للحرب أسلوب والرجال والأسلحة وسائل لتنفيذ هذا الأسلوب، فإذا لم يكن التفكير بالوسائل موجوداً عند التفكير بالأسلوب، أو كانت الوسائل ليست من النوع الذي ينفذ به هذا الأسلوب فإنه لا قيمة للتفكير بالأساليب، ولا قيمة للأساليب التي فكر فيها، لأنها لا تثمر إلا إذا جرى التفكير بها عند التفكير بالأسلوب، وكانت من النوع الذي يستعمل في هذا الأسلوب. وعليه فإنه لا يصح أن يجري التفكير بالوسائل خارج التفكير بالأساليب، ولا يصح أن يجري التفكير بالوسائل إلا على ضوء الأسلوب الذي يجري التفكير به.
إلا أنه وإن كانت الأساليب قد تخفى على المفكر، ولكن الوسائل أشد خفاء على كل مفكر، وذلك لأن الأساليب يكفي أن يجري التفكير بها حتى تقرر، ولكن الوسائل لا بد أن يجري التفكير بها، وأن تجري تجربتها لتقرر هذه التجربة صحتها وعدم صحتها، وصلاحها لنوع الأسلوب وعدم صلاحها. فمثلاً تقوم الدول غير الصناعية بشراء الأسلحة من الدول الصناعية، وتقوم بتدريب جيوشها على هذه الأسلحة بمعرفة خبراء الدول الصناعية، ولكنها لم تجرِ تجارب على هذه الأسلحة، ولم تختبر تدريب الجنود، ولذلك فإنها مهما وضعت من خطط لا تكون قد اختارت الوسائل التي هي من نوع هذه الخطط. صحيح أنها تتلقى التعليم العسكري من الدول العسكرية ومن الدول الصناعية، ولكن التعليم العسكري ورسم الخطط وما شابهه من العلوم العسكرية هو أسلوب ويكفي فيه التفكير، ولكن الوسائل لا يكفي فيها التفكير، فلا بد من التجربة إلى جانب التفكير حتى يجري التفكير بالوسائل.
ومثلاً تشكيل كتلة أو حزب على فكرة من أجل نشر هذه الفكرة في الشعب أو الأمّة واتخاذ تسلم الحكم طريقة لتنفيذ هذه الفكرة، فإن هذه الكتلة أو الحزب إذا جرى تقصد العلماء في هذه الفكرة ليكونوا أعضاء في الحزب، وتقصد من لهم ثقل في وسطهم أو في المجتمع لكسبهم لعضوية الحزب، فإن هذه الكتلة أو هذا الحزب سيخفق في تحقيق غايته، فهو إذا نجح بالعلماء في نشر الفكرة فلن ينجح بهم في تسلم الحكم، وإذا نجح بالذين لهم ثقل في تسلم الحكم فلن يقوم الحكم على الفكرة، ولن تنشر الفكرة. وتشكيل غالبية الحزب من أحد الفريقين أو الفريقين معاً سوف يقصر عمر الحزب، ويخفق في تحقيق غايته، ويظل سائراً في طريق الفناء حتى يفنى. فإن هذه الوسائل وهي الأشخاص من هذا النوع، إنما جاء التفكير بها عن طريق العقل وحده، ولم يجر عن طريق التجربة إلى جانب العقل، ولكن إذا أُخذت حقائق التاريخ في هذا النوع من تشكيل الأحزاب، فإنه يكون قد جرى التفكير بالوسيلة عن طريق العقل وعن طريق التجربة. فأخذ حقائق التاريخ في هذا الأمر واستعمال الوسائل حسب هذه الحقائق التاريخية يكون تفكيراً منتجاً بالوسائل، واختبارها من نوع الأساليب. وحقائق التاريخ تحتم على الكتلة التي تقوم على فكرة لنشر الفكرة وجعل الحكم طريقة لتنفيذها، أن تقصد الشعب أو الأمّة بغض النظر عن الأفراد، فتقبل أي شخص يقبل هذه الفكرة ويقبل الانخراط في الكتلة باعتباره فرداً من الشعب، أو فرداً من الأمّة، بغض النظر عن درجة تعلمه، وبغض النظر عن مكانته، وأن هذا وحده الذي يضمن نجاح الحزب أو الكتلة وتحقيق غايته التي يهدف إليها.
وعليه، فإن الوسائل قد تخفى، وقد يضلل عنها، إذا جرى التفكير بها في معزل عن التفكير بالأسلوب الذي تنفذه، وقد تخفى ويضلل عنها إذا لم تجر تجربتها. ولذلك لا بد من التفكير بالوسائل، وأن يكون هذا التفكير عند التفكير بالأساليب، ولا بد أن تجري تجربة هذه الوسائل إلى جانب التفكير بها، حتى يضمن نجاح الوسائل، وتتحقق بها الأهداف، أي حتى تثمر الأساليب التي تستعمل الوسائل.
12 آذار سنة 1973 من كتاب التفكير